موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح اعتقاد حرب الكرماني

  

الشفاعة

والشفاعة يوم القيامة حق، يشفع قومٌ في قومٍ فلا يصيرون إلى النار، ويخرج قومٌ مِن النار بعدما دخلوها بشفاعة الشافعين، ويخرج قوم مِن النار برحمة الله بعدما لبثوا فيها ما شاء الله، وقومٌ يُخلّدون في النار أبدًا، وهم أهل الشرك والتتبيب والجحود والكفر بالله عزّ وجلّ، ويُذبح الموتُ يوم القيامة بين الجنة والنار.


ذَكَرَ رحمه الله تعالى ما يتعلق بالشفاعة، والكلام في الشفاعة مهم للغاية، لأنَّ كثيرًا مِن الواقعين في الشرك يقعون في الشرك باسم الشفاعة، بل حتى مَن كان قَبْلَ الإسلام إنما كانوا يعبدون معبوداتهم طلبًا لشفاعتها، فيُحتاج إلى الكلام عن الشفاعة والتوسع فيها نظرًا لأهمية تبيينها، فيقال:

أولًا: الشفاعة لله تعالى، الذي يملك الشفاعة هو الله وحده لا سواه، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا(1)، قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ﴾ كما قال سبحانه وتعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ(2) فكما أنّ الأمر لله هو الذي يصرفه كما شاء؛ فالشفاعة له تعالى هو الذي يملكها، ثم إنه يأذن بالشفاعة سبحانه وتعالى بشروط وفي وقت، فالشفاعة موضعُها يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ(3) وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا(4) حيث تقع الشفاعة يوم القيامة، فإذا علِمْنَا أنّ الشفاعة لله تعالى؛ فلابُدّ أنْ نعرف شروطَها، الشفاعة لابُدّ فيها مِن شرطين اثنين دلت عليهما النصوص في كتاب الله تعالى وسُنَّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم.

الشرط الأول: إذن الله تعالى بالشفاعة كما قال سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ(5)، فلا يمكن أنْ يُشفعَ عند الله تعالى حتى يأذن الله لأنه هو الذي يملكها سبحانه وتعالى، فما دام الله تعالى هو الذي يملكها كما في قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا(6) فلا يمكن أنْ يتقدم أحدٌ ليشفع، ولا يصح أنْ يتقدم أحدٌ ليشفع إلّا إذا أذن رب العالمين سبحانه وتعالى.

الشرط الثاني: أنْ يرضى الله تعالى عن المشفوع له، ولا يرضى اللهُ إلّا عن أهل التوحيد، أما أهل الشرك فهم أبعد ما يكون عن الشفاعة، فأسعد الناس - كما قال صلّى الله عليه وسلّم -: «أسعد الناس بشفاعتي مَن قال: لا إله إلا الله - خالصًا مِن قلبه -»(7) هؤلاء هم أسعد الناس بالشفاعة، ودلَّ على شرط الرضا قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى(8)، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى(9) هذه الآية في سورة النجم جمعت الشرطين معًا، شرط الإذن وشرط الرضى ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ هذا شرط الإذن، ﴿وَيَرْضَى﴾ أنْ يرضى عن المشفوع له سبحانه وتعالى.

أنواع الشفاعة:

النوع الأول: الشفاعة العظمى، وهي الشفاعة الخاصة برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لا يتقدم لها أحدٌ سواه، وذلك أنّ الناس في ذاك اليوم العظيم - يوم القيامة - حيث تُدنى الشمسُ بمقدار ميل، وتأخذ الناسَ الشدائدُ مِن جهات عدة، فيقولون لآدم عليه الصّلاة والسّلام: أنت أبو البشر، خلقك اللهُ بيده وأسجد لك ملائكته؛ ألا ترى ما بنا؟ اشفع لنا إلى ربك، يعني اشفع عند الله عزّ وجلّ أنْ يفصل بين الخلائق وأنْ يريحهم مِن هذا الموقف العظيم الهائل، فيعتذر آدم ويذكر الخطيئة التي وقع بها، ويأمرهم أنْ يذهبوا إلى نوح، فيذهبون إلى نوح يقولون: سمّاك الله عبدًا شكورًا، وأنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض؛ اشفع لنا إلى ربك؛ فيعتذر، ويأمرهم أنْ يذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إلى إبراهيم ويطلبون منه الشفاعة فيعتذر ويحيلهم إلى موسى، ثم يعتذر موسى، ويحيلهم إلى عيسى، ثم يعتذر عيسى ويحيلهم إلى محمد صلّى الله عليه وعليهم وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، فإذا أتوا إلى النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وطلبوا منه الشفاعةَ؛ هل يشفع؟ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أعلمُ الناس بالله، لا يمكن أنْ يشفع مباشرة! لأنه لابُدّ مِن الإذن بالشفاعة: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ(10)، فيذهب صلّى الله عليه وسلّم ويخرُّ تحت العرش ساجدًا صلّى الله عليه وسلّم، جاء في بعض الروايات أنه يمكث جمعة، يعني يمكث أسبوعًا ساجدًا عليه الصّلاة والسّلام(11)، ويفتح الله عليه فيحمد ربه بمحامد لم يكن يعرفها قبل ذلك، ثم يأتيه الإذن "يا محمد، ارفع رأسك" يعني مِن هذا السجود "وقل يُسمع، واشفع تُشَفّع" فلمّا جاء الإذن ارتفع عليه الصّلاة والسّلام فقال: "أمتي يا رب؛ أمتي يا رب"(12) صلوات الله وسلامه عليه، فيأذن الله تعالى بفصل القضاء في الموقف، وهذا هو المراد بالمقام المحمود الذي قال الله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا(13) فإنه يحمده عليه الخلائق جميعًا على أنّ الله تعالى قَبِلَ شفاعته ففَصَل بين العباد في ذلك اليوم العظيم، هذه الشفاعة خاصة به عليه الصّلاة والسّلام.

ومِن الشفاعة الخاصة أيضًا شفاعتُه في أبي طالب، فإنّ أبا طالب مات على الكفر بلا شكّ، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ(14) فيَشْفَعُ صلّى الله عليه وسلّم لأبي طالب لا ليخرجَ مِن النار! لأنه هالك كافر؛ لكن ليُخفف عنه مِن عذابها، فيُخرج مِن دركاتها إلى ضحضاح مِن نار، يجعل - نسأل الله العافية والسلامة - تحت أخمص قدميه جمرة يغلي منها دماغه بعد أنْ خُفِّفَ عنه - نعوذ بالله مِن النار ومِن حال أهلها -.

هناك شفاعات أخرى يشترك فيها النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم وغيره، ومنها الشفاعة التي أنكرها أهل الضلال مِن المعتزلة وأضرابهم مع تواتر الأحاديث بها، وهذه أنكرها الخوارج، وهي الشفاعة في العصاة الذين دخلوا النار، العصاة مِن الموحدين الذين دخلوا النار وهم مِن أهل التوحيد يبقون في النار ما شاء الله أنْ يبقوا فيها - نسأل الله العافية والسلامة - ثم إنَّ الله يأذن بالشفاعة، فإذا أذن بالشفاعة تشفع الأنبياءُ والملائكةُ والصالحون ويشفع الأفراطُ - الصغار - في آبائهم، هذه أصناف أربعة تشفع، وجاء في حديث أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ اللعانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة»(15) - نسأل الله العافية والسلامة - لأنه لا يشفع إلّا الصالحون، واللعانون - أصحاب اللعن والشتائم - هؤلاء قد أبعدوا عن الصلاح، فتشفع الملائكةُ والأنبياءُ والصالحون ويشفع الأفراطُ في آبائهم بإذن الله تبارك وتعالى؛ فيُخرج هؤلاء العصاة مِن النار، وهم مِن أهل التوحيد ومِن أهل الصلاة - كما قلنا - ممن يُعرفون في النار بأنّ النارَ لا تأكل مواضعَ السجود منهم؛ فيُخرجون مِن النار بعدما امتحشوا وصاروا حممًا، ثم يُخرجون إلى الجنة بعد أنْ عوقبوا في النار على حسب ما وقع منهم مِن الجرائم والذنوب، إلى غير ذلك مِن أنواع الشفاعة.

فيقول: "الشفاعة يوم القيامة حق، يشفع قوم" وهم كما قلنا: الملائكة والأنبياء والصالحون والأفراط "في قوم" يعني مِن الموحدين، فلابُدّ فيها مِن الشرطين، شرْط الإذن وشرْط أنْ يرضى الله عن المشفوع فيه كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى(16).

"يشفع قوم في قوم فلا يصيرون إلى النار" هذا نوع مِن الشفاعة، أناس قد استوجبوا النار ليدخلوها فيُشفع فيهم فلا يدخلون النار، نوع آخر أناس قد دخلوا النار يُشفع فيهم فيخرجون مِن النار، ولهذا قال في الصنف الذي بعده: "ويخرج قوم مِن النار بعدما دخلوها بشفاعة الشافعين".

قال: "ويخرج قوم مِن النار برحمة الله بعدما ينبتهم فيها ما شاء الله" هؤلاء يخرجون برحمة الله عزّ وجلّ بعد انتهاء الشفاعة، بعد أنْ تنتهي الشفاعات يُخرجهم سبحانه وتعالى ويقول: «شفعت الملائكةُ وشفعت الأنبياءُ وشفع الصالحون؛ ولم يبق إلّا رحمة أرحم الراحمين»(17).

قال: "وقوم يُخلّدون في النار أبدًا" مَن هم هؤلاء؟ هم الكفار، يبقون في النار أبد الآباد، لا يخرجون منها نهائيًا، قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ(18)، وهؤلاء هم أهل الكفر والشرك الذين يموتون عليه ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ(19)، فمَن مات على الكفر؛ سواء أكان كفرًا أصليًا ككفر اليهود والنصارى بعد أنْ بعث الله نبيه صلّى الله عليه وسلّم وأبوا اتباعه فإنّ هؤلاء كفار، أو كان مرتدًا بأنْ ارتد مِن الإسلام إلى الشرك والكفر، أو كان مِن المشركين مِن عباد الأوثان وأضرابهم، أو كانوا ممن ليس لهم دين كالملاحدة وأضرابها، هؤلاء جميعًا يكونون مِن أهل النار الماكثين فيها - نسأل الله العافية والسلامة - أبد الآباد، ولهذا قال: "وهم أهل الشرك والتكذيب والجحود والكفر بالله".

قال: "ويذبح الموت يوم القيامة بين الجنة والنار"، ينادي منادٍ بين الجنة والنار فيُعرضُ الموتُ فيقال: يا أهل الجنة أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، فيقال: يا أهل النار؛ فيقال: نعم، يقول صلّى الله عليه وسلّم: «وكلهم قد رآه» يعني قد ماتوا ورأوا الموت، فيُذبح بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، فتعظم فرحةُ أهل الجنة ببقائهم ومكثهم الأبدي، وتشتد حسرة أهل النار، ولهذا فسر النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بقوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ(20) المراد بالحسرة حين يُذبحُ الموت بين الجنة والنار قال صلّى الله عليه وسلّم - بقية الحديث -: «وأهل الدنيا في غفلاتهم»(21) والله المستعان.


(1) الزمر: 44.
(2) الروم: 4.
(3) البقرة: 255.
(4) طه: 109.
(5) البقرة: 255.
(6) الزمر: 44.
(7) صحيح البخاري (99) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(8) الأنبياء: 28.
(9) النجم: 26.
(10) البقرة: 255.
(11) صحيح. ابن حبان (6476) من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه مرفوعًا. التعليقات الحسان (9/ 211).
(12) صحيح البخاري (7510) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا.
(13) الإسراء: 79.
(14) التوبة: 113.
(15) صحيح مسلم (2598) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعًا.
(16) النجم: 26.
(17) صحيح مسلم (183) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعًا.
(18) البقرة: 167.
(19) المائدة: 72.
(20) مريم: 39.
(21) صحيح البخاري (4730) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا بنحوه.


 مواد ذات صلة: