موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح اعتقاد حرب الكرماني

  

مسائل في الإيمان/ المسألة الأولى حقيقة الإيمان

وكان مِن قولهم: إنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ ونيةٌ وتمسكٌ بالسُّنَّة، والإيمانُ يزيد وينقص، ويستثنى مِن الإيمان؛ غير ألّا يكون الاستثناء شكًا! إنما هي سُنّةٌ ماضية عند العلماء.


بدأ رحمه الله تعالى بالكلام في موضوع الإيمان، وسنطيل الكلام فيه - إنْ شاء الله - بعض الشيء، نقول أولًا فيما يتعلق بالإيمان: المسائل الكبرى في الإيمان ثلاث:

المسألة الأولى: حقيقة الإيمان.

المسألة الثانية: أنه يزيد وينقص.

المسألة الثالثة: حُكْمُ الاستثناء في الإيمان.

هذه المسائل الكبرى في الإيمان، وهي التي يترتب عليها الكلام الطويل، وتفرقت فيها الفِرَق بين مرجئة وبين خوارج، والخوارج تأثرت بهم المعتزلة، والمرجئة كما سيأتي إنْ شاء الله تعالى ألوان وأنواع.

المسألة الأولى التي تضبط الإيمان هي حقيقته، مَن عَرَّفَ الإيمانَ التعريفَ الشرعي الصحيح انضبطت عنده بقية المسائل الثلاث، ومَن صار عنده خلل في حقيقة الإيمان؛ فالغالب أنه يوجد عنده خللٌ في بقية المسائل.

قلنا: مسائل الإيمان الكبرى ثلاث، حقيقته وتعريفه - هذه التي عليها المعول والأساس وفيها الخلاف الكبير الجمّ بين أهل السُّنَّة وبين خصومهم -، المسألة التي تليها وهي مفرعة عنها وهي زيادة الإيمان ونقصانه، والمسألة الثالثة حكم الاستثناء في الإيمان.

بدأ رحمه الله بتعريف الإيمان فقال: الإيمان قول وعمل ونية وتمسك بالسُّنَّة، عبارات أهل العلم في تعريف الإيمان تارة تكون مجملة كأنْ يقولوا: الإيمان قول وعمل، فيُجملون هكذا، وتارة يُفصّلون فيقولون: قول باللسان واعتقاد في الجنان - يعني في القلب - وعمل بالأركان، وتارة يقولون - كما ذكر رحمه الله تعالى هنا -: قول وعمل، والقول يقصد به هنا قول اللسان، والعمل هو عمل الجوارح وعمل القلب، ونية وهي متعلقة بالقلب، قال: وتمسك بالسُّنَّة، يعني حتى يكون على بصيرة، لأنه قد يأتي بالقول ويأتي بالعمل ويأتي بالاعتقاد؛ لكنْ يكون عنده جهل ضلَّ بسببه عن منهج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فسلك على غير منهج السُّنَّة.

نأتي الآن بالكلام على حقيقة الإيمان، حقيقة الإيمان أنه قول وعمل، هذا بالإجمال، فإذا قلنا: قول؛ فنقصد أنه قول باللسان ونقصد قول القلب، هل القلب يقول؟ القلب يقول بالاعتقاد القلب، القلب لا يتلفظ بألفاظ كما يتلفظ اللسان، فإذا قالوا: الإيمان قول وعمل؛ فمرادهم بالقول نطق اللسان واعتقاد القلب، وعمل يراد به عمل الجوارح وعمل القلب، هذا عند الإجمال، إذا فصّلوا ليتضح المقام قالوا: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، هذا التعريف للإيمان أجمعَ عليه أهل السُّنَّة قاطبة، وحكى الإجماعَ عليه الإمامُ أحمد والإمامُ الشافعي رحمهما الله وغيرهم مِن أهل العلم، وروى اللالكائي عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: كان الإجماع مِن الصحابة والتابعين من بعدهم - هنا عبارة "ممن أدركناهم" الذي أتذكره أنه قال: "ومَن أدركناه" يعني بعد التابعين - لأنَّ الشافعي رحمه الله تعالى ما أدرك التابعين(1)، الإجماع مِن الصحابة والتابعين ومَن بعدهم ممن أدركناهم أنَّ الإيمانَ قول وعمل ونية، ثم قال عبارة على جانب كبير مِن الأهمية "لا يُجزئ واحد مِن الثلاثة إلّا بالآخر" فمَن اعتقد بقلبه ونطق بلسانه وترك العمل لا يُجزئه هذا(2)! لأنَّ أهل السُّنَّة يَنصّون على أنَّ الإيمانَ حقيقة مركبة مِن أمور ثلاثة، نطق باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح، بإجماع أهل السُّنَّة أنَّ مَن نطق بلسانه وعمل بجوارحه ولكنه منافق في الداخل ليس عنده اعتقاد؛ بإجماع أهل السُّنَّة ومخالفيهم أنه لا ينتفع مِن عمله؛ وأنه ليس مِن المؤمنين، يعني أنه منافق في الداخل، لكنْ يعامل في الظاهر بأحكام المسلمين، لكنه عند الله ليس بمؤمن قطعًا لأنه كافر لكنه ينافق المسلمين، فنطق بلسانه وأظهر العمل على جوارحه، ما الذي فقده هذا؟ فقدَ الاعتقاد، فماذا لو أنه زعم أنه يعتقد وترك نطق اللسان وأبى أنْ يتشهد شهادة التوحيد - وهو كافر - وزعم أنه مِن المسلمين وأبى أنْ يتشهد؟ بالإجماع – كما ذكر شيخ الإسلام - أنه لا ينتفع؛ لأنَّ الإيمان قول واعتقاد وعمل، وإذا كان هذا في القول والاعتقاد؛ فماذا لو قال واعتقد وترك العمل بالكلية؟ عندك الإجماع هنا الذي يحكيه الشافعي رحمه الله عن الصحابة وعن التابعين ومَن بعدهم ممن أدركهم أنه لا ينتفع في هذه الحال، لِمَ؟ لأنه يقول: "إنَّ الإيمان قول وعمل ونية" ثم قال رحمه الله: "لا يجزئ واحد مِن الثلاثة إلّا بالآخر"، فكما أنَّ الاعتقاد لو فُقد لا ينفعه أنْ يقول ويعمل في الظاهر! فكذلك إذا تَركَ العمل نهائيًا وأبى أنْ يعمل فإنه لا ينتفع، ولهذا أيضًا قال الآجري رحمه الله تعالى – صاحب كتاب الشريعة، وهو مِن أعظم الكتب وأهمها في الاعتقاد – قال: "باب القول بأنَّ الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمنًا إلّا بأنْ تجتمع فيه هذه الخصال الثلاثة"(3)، وهكذا الإمام ابن بطة الحنبلي رحمة الله تعالى عليه قال في الإبانة الكبرى: "باب بيان الإيمان وفرضه؛ وأنه تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح والحركات، لا يكون العبد مؤمنًا إلّا بهذه الثلاث"(4).

وأهل السُّنَّة حين يقولون: إنَّ الإيمان قول واعتقاد وعمل؛ فإنه لا يمكن أنْ يغفلوا العمل! وإلّا لو قالوا: إنه قول واعتقاد وعمل؛ ولو ترك العمل نهائيًا لكان مِن المؤمنين! لكان حقيقةُ قولهم أنَّ الإيمان ماذا؟ قول واعتقاد؛ لأنَّ العمل غير مؤثر، القول إذا ترك صار مؤثرًا؛ الاعتقاد إذا ترك صار مؤثرًا، العمل لابُدّ أنْ يؤثر إذا تُرك، وليس المقصود الآن بقولنا: قول واعتقاد وعمل؛ أنْ يترك عملًا معينًا! كأنْ يترك على سبيل المثال أداء الزكاة! ليس هذا هو المقصود، لأنه إذا ترك الزكاة فالصحيح أنه مِن المسلمين، كما دلَّ عليه حديث تعذيب مَن ترك الزكاة في يوم كان مقداره خمسين ألف سَنَة وفي آخره قال: «ثم يرى سبيله؛ إما إلى الجنة وإما إلى النار»(5) بعد أنْ يُعذب؛ فدلّ أنه مِن المسلمين، لكن إذا أبى أنْ يعمل نهائيًا - كما قال شيخ الإسلام رحمه الله - أنه لا يمكن أنْ يُوجد أحد لا يسجد لله سجدة ولا يركع لله ركعة - يعني يمتنع بتاتًا عن العمل - يقول: لا يمكن أنْ يكون هذا مِن المؤمنين!

فالحاصل أنَّ الإيمان قول وعمل ونية، لابُدّ مِن هذه الأمور الثلاثة مجتمعة، وللعلم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ينعى ويعيب مَن يحكون الإجماع بلا تدقيق ولا تمحيص، فهو مِن أشد الناس تدقيقًا فيما يحكي مِن الاتفاق والإجماع، لأنه ثمة أناس يقولون: أجمع الناس على كذا! أجمع أهل العلم على كذا! والأمر بخلاف ذلك؛ ليس محل إجماع، فكان يعيب عليهم هذا، هو الآن يحكي إجماعًا قد علمه وضبطه رحمه الله تعالى مِن عهد الصحابة والتابعين ومَن بعدهم ممن أدركهم على أنَّ الإيمان قول وعمل ونية؛ ولا يجزئ واحد مِن الثلاثة إلّا بالآخر، وحكى هذا الإجماع عن الشافعي أيضًا شيخ الإسلام في كتاب الإيمان وهو يحكي عن عدد مِن السلف أنه لابُدّ انْ تكون هذه الثلاثة مجتمعة، فحقيقة الإيمان هي هذه أنه قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان.


(1) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "تقريب التهذيب" (ص: 15): (التاسعة: الطبقة الصغرى من أتباع التابعين: كيزيد بن هارون، والشافعي، وأبي داود الطيالسي، وعبد الرزاق).
(2) شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة لللالكائي (1/ 957).
(3) الشريعة للآجري (2/ 611).
(4) الإبانة الكبرى لابن بطة (2/ 760).
(5) صحيح مسلم (987) عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.


 مواد ذات صلة: