موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح القواعد الفقهية للسعدي

  

قاعدة العادة محكمة

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أنْ لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ نبيّنا محمدًا عبده ورسوله صلّى الله وسلّم عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد

فقد وقفنا على قول الناظم رحمه الله:

والعرفُ معمولٌ به إذا وَرَدْ ... حُكْمٌ من الشرعِ الشريفِ لم يُحَدّْ


يشير الناظم رحمه الله إلى قاعدة وهي قاعدة "العادة مُحَكَّمَة"، وهي مِن القواعد الفقهية الكبرى، والعادة في الاصطلاح تكرر الأمر مرة بعد أخرى تكرارًا يَخرجُ عن كونه واقعًا بطريق الاتفاق، والعُرْف عند كثير مِن الفقهاء هو بمعنى العادة، وعَرَّفَ بعضُهم العُرْف بأنه ما استمر عليه عمل الناس في أمور حياتهم كتعارفهم على أمرٍ معين في كلامهم أو في لباسهم أو في طعامهم أو نحو ذلك، هذا يسمى عُرْفًا، إلًا أنّ بعض الفقهاء يُفَرّق بين العُرْف والعادة، فيجعل العادة أعمّ مِن العُرْف لإطلاقها على عادة الفرد والجماعة بخلاف العُرْف فإنه يختص بعادة الجماعة، لأنه يقال: عادة المرأة في الحيض كذا، وعادة نساء أهل هذا البلد في الحيض كذا، فيُفَرّق بين ما كان مِن فرد أو جماعة محصورة وبينما كان عُرْفًا عامًا؛ فما كان عامًا فهو العُرْف، وما كان خاصًا فهو العادة، وقوله رحمه الله "لم يُحَد" أي لم يُميّز ويبيّن.

ومعنى البيت: أنّ الحكم الشرعي إذا كان يحتاج إلى تمييز وتقدير ولم يَرِد في الشرع ولا في اللغة تمييزُه ولا تقديرُه فإنه يُرجع في ذلك إلى العُرْف، إذا جاءنا حكمٌ شرعي يحتاج إلى تقدير؛ فنظرنا في الشرع فلم نَجِد تقديرًا له، ونظرنا في اللغة فلم نجدها تدلّ على التقدير فنرجع حينئذٍ إلى العُرْف، مثال ذلك: نفقة الزوجة الواجبة على زوجها هذا جاء الأمرُ بها في الشرع، لكنْ هل الشرع حَدَّد هذه النفقة بقدر معين؟ يعني هل قال الشرع: يجب على الزوج في كل شهر لامرأته دينار مثلًا؟ أو خمسة دراهم؟ ما حُدِّدَ هذا! أيضًا اللغة ليس فيها تحديد لهذه النفقة، إذًا نرجع في ذلك إلى العُرْف، فنقول: ما تعارف الناس عليه؛ فإنه يكون هو الواجب، وهذا يختلف باختلاف الأزمان واختلاف الأزمنة واختلاف غنى الرجلِ وفقرِه، فإذا كان غنيًا فعليه نفقة لزوجه تناسب غناه، وإنْ كان فقيرًا فعليه مِن النفقة ما يناسب حالَه كما قال الله جلّ وعلا: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا(1)، إذًا النفقة للزوجة ليس فيها تحديد؛ فيُرجع في ذلك إلى ما تعارف الناس عليه، ويكون هذا بالمعروف الذي لا إضرار فيه على أحد الطرفين، كذلك مِن الأمثلة ضابطُ بِرّ الوالدين وضابط العقوق، الشرع أَمَرَ بِبِرّ الوالدين والإحسان إليهما ونهى عن العقوق، لكنْ ما هو الفعل الذي إذا فعله الولد صار بارًّا بوالديه؟ هل هذا مُحَدّد بشيء؟ لم يُحَدّد هذا بشيء في الشرع ولا في اللغة، فيُرجع بذلك إلى العُرْف، فإذا تعارف الناس على أنّ هذه الأفعال مِن الولد مع والديه تُعَدّ برًّا فهذا مِن البِرّ، وإذا تعارف الناس على أنّ هذا يُعَدّ عقوقًا فإنه مِن العقوق، أيضًا مِن الأمثلة: صلة الرحم، ما هو القَدْر الذي يحصل به صلة الرحم للقريب؟ هذا أيضًا غير مُحَدّد فيُرجع فيه إلى العُرْف، وأيضًا هذا يختلف باختلاف قرب هذا القريب وبعده، فمثلًا في صلة الوالدين - إذا كان الإنسان قريبًا منهما في سكنه - فالصلة أنْ يراهم كل يوم، يزورهم وينظر في حوائجهم ويجالسهم، وأمّا إذا كان أبعدَ كالإخوة مثلًا فقد يقال: إنّ العُرْف يكون بصلته كل أسبوع، أبناء العم مثلًا قد يكون كل شهر أو شهرين، بل بعض القرابة لا تراه في العام إلّا مرة أو مرتين ولا تكون قاطعًا! إذًا هذه أمور ترجع إلى عُرْفِ الناس، إذا تعارفوا على شيء فإنه يكون مِن الصلة، وإذا تعارفوا أنّ مَن فعل كذا يكون قاطعًا؛ فإنه يكون مِن قطيعة الرحم، مِن الأمثلة أيضًا: قَبْضُ المبيع، لم يأتِ في الشرع تحديدٌ لِمَا يحصل به القبض؛ ولم يأتِ أيضًا في اللغة؛ فيُرجع فيه إلى ما تعارف عليه التجار، ما تعارفوا على ما يكون قبضًا فإنه يكون قبضًا، وهذا يختلف باختلاف السلع، فمثلًا يذكر الفقهاء في المنقولات يقولون: قبضُها يكون بالنقل، يعني إذا اشترى الإنسان ساعة مِن شخص، كيف يتم القبض؟ يتم القبض بأنْ يأخذها مِن محلّ هذا البائع ويخرج بها مِن محلّه، يكون بذلك قد قبضها؛ فله حينئذٍ أنْ يتصرف، لأنّ مسألة القبض مبيّنة على التصرف، قد يملك الإنسان شيئًا ولا يجوز له أنْ يتصرف فيه، كما لو اشتريت ساعة وقال لي البائع: أُسَلِّمُها لك غدًا، لا يجوز لي أنْ أبيعها قبل أنْ أقبضها! فإذا قبضتُها القبض الشرعي جاز لي حينئذٍ أنْ أتصرف فيها، أمّا غير المنقولات كالعقار فهذا قبْضُه يكون بالتخلية، ومعنى التخلية أنْ يُخليَّ البائع بين هذ العقار وبين المشتري ليتصرف فيه، فالمقصود أنّ قبْضَ المبيع يُرجع فيه إلى العُرْف لأنه لم يُحَدّ لا في الشرع ولا في اللغة، أيضًا ألفاظ العقود يُرجع بها إلى ما تعارف الناس عليه، وقد سبق شيء مِن الأمثلة هذا، فإذا تعارف الناس أنّ هذا اللفظ يفيد البيع؛ فإنه يكون بيعًا، وإذا تعارفوا على أنه إجارة يكون إجارة وهكذا، مِن الأمثلة أيضًا الداخلة في العُرْف ما لو أَمَرَ حَمّالًا يحمل له متاعًا مِن غير أنْ يتفق معه على شيء؛ فإنه إذا قام بالعمل فيلزمه أجرة المثل المعتادة، يعني ما تعارف الناس عليه على أنه أجرة لهذا العمل فإنه يُعطى، وهذا يحصل كثيرًا إذا اشتريتَ مثلًا فاكهة أو خضار مِن السوق فإنه يأتي بعضُ مَن يحمل مِن غير أنْ تتفق معه على شيء؛ فإذا حمل لك هذه المتاع وهذه الحاجة فإنك تعطيه أجرةَ المِثْل، فلو قال لك: أعطني خمسين ريالًا! نقول: هذه ليست أجرة المثل! لكنْ لو أعطيتَه ريالًا واحدًا، ربما نقول أيضًا: ليست أجرة المِثْل! قد نقول: أجرة المثل خمسة ريالات أو عشرة، المقصود أنّ هذا يختلف، لكن إذا حصل اختلاف بين الطرفين رجعنا إلى أهل الخبرة في المجال وسألناهم: ما هو العُرْف؟ فإذا قالوا: كذا؛ فأنه يلزم الطرفين.

دليل اعتبار العُرْف قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ(2) يعني معاشرة الزوج لزوجه، وقال جلّ وعلا: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ(3) هذا في نفقة الأب على زوجته المرضعة لولده، وقال جلّ وعلا: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ(4) فرَدَّه إلى الوسط، والوسط هو المعتاد.

أيضًا يدلّ لهذه القاعدة مِن السُّنَّة حديث عائشة رضي الله عنها؛ أنّ هند بنت عتبة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله! إنّ أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلّا ما أخذتُ منه وهو لا يعلم؛ فقال عليه الصلاة والسلام: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» أخرجه البخاري(5)، فهذه أدلة على اعتبار هذه القاعدة.

أنتقل بعد ذلك إلى شروط اعتبار العُرْف، العُرْف لا يكون معتبرًا معمولًا به إلّا إذا توفرت به هذه الشروط:

الشرط الأول: أنْ لا يخالف العُرْف نصًّا مِن نصوص الشريعة أو قاعدة مِن قواعدها؛ وإلّا كان عُرْفًا فاسدًا، إذا خالف العُرْف النصوص الشرعية والأدلة المعتبرة فإنه يُسمى عرفًا فاسدًا، وأمّا إذا كان لم يخالف النصوص والأدلة فإنه يُسمى عُرْفًا صحيحًا، مِن أمثلة العُرْف الفاسد: لو تعارف الرجال على إسبال الثياب؛ فهذا عُرْفٌ فاسدٌ لمخالفته لقوله عليه الصلاة والسلام: «ما أسفل مِن الكعبين مِن الإزار فهو في النار»(6)، أيضًا لو تعارفتِ النساء على كشفِ الوجه وإبداء الزينة وإظهار الشعر ونحو ذلك؛ فإنّ هذا العُرْفَ يكون عُرْفًا فاسدًا لمصادمته لأدلة الشرع.

الشرط الثاني: أنْ لا يخالف العُرْف ما اشترطه العاقدان في العقد، فلو كان عُرْف الناس - هذا مثال ذكرتُه سابقًا ينطبق على بعض القواعد المتعلقة بالعُرْف -، أعيد المثال: لو كان عُرْفُ الناس في إجارة البيوت دفع نصف الأجرة عند العقد والنصف الثاني بعد مُضي ستة أشهر - كما هو العُرْف عندنا الآن - هذا العُرْف يُعمل به إلّا إذا اشترط الطرفان أو أحدهما ورضي الآخر على أنّ الأجرة ستكون مقدمة كلها عند العقد، أو اشترط أحدُ الطرفين أنْ تكون مؤخرة إلى نهاية العقد؛ فرضي الآخر، فهذا الشرط يُقَدّم على العُرْف، إذًا يقال: أنْ لا يخالف العُرْف ما اشترطه العاقدان في العقد، وهذه له تعلق بقاعدة مرّت معنا وهي قاعدة "لا عبرة بالدلالة في مقابلة التصريح"، فالاشتراط تصريح والعُرْف دلالة، ولا شك أنّ التصريح مُقَدَّم على الدلالة لأنه يقين، واليقين لا يزول بالشك.

الشرط الثالث: أنْ يكون العُرْف مُطّردًا أو غالبًا، أمّا لو كان مُضطربًا فإنه لا يُرجع إليه، فلو كان عُرْف الناس في البلد مختلفًا، بعضهم يفعل كذا وبعضهم يفعل كذا! فهذا العُرْف ليس مُطَّرِدًا؛ فلا يمكن أنْ يُعوَل عليه ولا يُرجع إليه.

الشرط الرابع: أنْ يكون العُرْف المراد تحكيمُه قائمًا وموجودًا عند إنشاء التصرف، وبناءً على ذلك؛ فلا تُفَسّر الألفاظ بالأعراف السابقة عليها أو المتأخرة عنها، مثال ذلك: لو أَقَرَّ شخص لآخر في بلادنا بأنّ له في ذمته ألف ريال، بماذا نفسر الريال؟ نفسر الريال بالريال الورقي المعروف عندنا، إذا أَقَرّ له بهذا الوقت أو قبله بسنوات ليست بعيدة؛ فإنّ الريال يفسر بالريال الورقي المعروف، لكن لو كان الإقرار له بألف ريال قبل ثمانين أو تسعين سَنَة، وجدنا ورقة فيها أنّ فلان يُقِرُّ لفلان بألف ريال قبل ثمانين سَنَة أو تسعين سَنَة، ما المراد بالريال؟ الريال العربي مِن الفضة وليس الريال الورقي المعروف عندنا! فالعُرْف يُرجع فيه بحسب الزمن فيقال: أنّ يكون العُرْفُ المراد تحكيمُه قائمًا وموجودًا عند إنشاء التصرف، إذا أقررتُ لك الآن بألف ريال فالعُرْف أنّ الريال هو الريال الورقي.


(1) الطلاق: 7.
(2) النساء: 19.
(3) البقرة: 233.
(4) المائدة: 89.
(5) صحيح البخاري (5364) من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا.
(6) صحيح البخاري (5787) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.


 مواد ذات صلة: