موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح القواعد الفقهية للسعدي

  

قاعدة يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا

ومن مسائلِ الأحكامِ في اتَّبَعْ ... يَثْبُتُ لا إذا استقلَّ فوقعْ


هذا آخر بيت في هذا الدرس -إنْ شاء الله-، مراد الناظم بهذا البيت أنْ يُقَرِّرَ قاعدة وهي " يجوز تَبَعًا ما لا يجوز استقلالًا"، وهي قاعدة مهمة لها عدة تطبيقات في الفروع الفقهية قديمًا وحديثًا، ومعنى هذه القاعدة أنّ فِعْلَ الشيءِ يكون ممنوعًا حالَ انفراده، وأمّا إذا كان تابعًا لغيره فإنه يكون جائزًا، إذا كان منفردًا فالحكم فيه أنه لا يجوز، أمّا إذا كان تابعًا لغيره فإنه يكون جائزًا، بمعنى هذه القاعدة قاعدة "التابع تابع" يعني أنّ الشيء إذا كان مرتبطًا بغيره على وجه لا يمكن انفكاكُه عنه -انتبه لهذا القيد-؛ إذا كان مرتبطًا بغيره على وجه لا يمكن انفكاكُه عنه؛ فإنه يُعطى حكمَ ذلك الشيء المتبوع، مِن أمثلة هذه القاعدة: بيعُ الحمل في بطن الناقة، ما حكمه؟ لو جاء شخص الآن وقال: هذه ناقة طيبة وهي حامل، أنا أريد أنْ أُبرم العقد على الحمل فقط! متى ما ولدت تسلم لي! ما الحكم؟ هذا لا يجوز، لماذا؟ لأنه غرر، فيه جهالة، لا يُدرى هذا الحمل واحد أو اثنين؟ ذكر أو أنثى؟ لا يُدرى، قد يكون حيًا أو ميتًا، قد يكون انتفاخ! لا يوجد حمل أصلًا، فيؤدي إلى النزاع، فالمقصود أنّ إبرام العقد على الحمل وحده لا يجوز، لكنْ لو أبرم العقد على الناقة الحامل كلها؛ فإنّ العقد يكون صحيحًا، حتى لو زاد في قيمة الناقة لأجل الحمل، وهذا أمرٌ معروف عندهم -عند مَن يشتري الناقة الحامل- لا يمكن أنْ يشتريها بنفس قيمتها لو كانت ليست حاملًا! معناه أنه زاد في القيمة لأجل الحمل -والحمل مجهول-؛ هل نقول: لا يجوز هذا العقد؟ نقول: لا، يجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا، مثال آخر: الأصل أنه لا يجوز أنْ يصليّ أحدٌ عن أحدٌ، لو جاء إنسان وقال: أُصلي عنك صلاة الفجر، يجوز؟ لا يجوز، طيب لو أنّ شخصًا ناب عن آخر في عمرة أو حج ولَمّا طاف؛ صلّى ركعتين خلف المقام، الركعتين عن مَن؟ عن المحجوج عنه، طيب هل تجوز أو لا؟ تجوز، ما الذي سَوَّغَ هذه الصلاة مع أنها ليست لصاحبها؟ الذي سَوَّغَ ذلك هو أنها جاءت تبعًا لا أصلًا، فيجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا، الدليل على هذه القاعدة: قولُ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَن ابتاع نخلًا بعد أنْ تُؤَبّر؛ فثمرتها للبائع إلّا أنْ يشترط المُبتاع» الحديث(1)، المراد بقوله: "أنْ تُؤَبّر" يعني: أنْ تُلَقَّح، وقبل بيان وجه الدلالة لا بُدّ أنْ نعرف مسألة مرتبطة بهذا الحديث، وهي مسألة بيع الثمرة قبل بُدُوِّ صلاحها، نهى النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم عن بيع الثمرة قبل بُدُّوِ صلاحها(2)، وبُدُّوِ الصلاح في النخيل يكون بأنْ تحمرَّ أو تصفَرَّ، إذا بدأت تُلَوّن فإنه يجوز البيع حينئذٍ، وهنا في الحديث قال: «مَن ابتاع نخلًا بعد أنْ تُؤَبّر»(3) يعني بمجرد أنها لُقِّحَتْ؛ ثم صاحب هذا النخل باعها، فالمشتري اشترط الثمرة له، طيب الثمر الآن لم يَبْدُ عليه الصلاح! لو أنه اشترى الثمرة وحدها قلنا: لا يجوز، لكنْ لمّا اشتراها تبعًا للنخل -تبعًا للأصل-؛ فإنها جازت حينئذٍ لنص هذا الحديث، فيجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا.

أختمُ بمسألة معاصرة تتعلق بهذه القاعدة وهي مسألة "الأسهم المختلطة"، والأسهم تنقسم إلى ثلاثة أقسام -باعتبار حلِّها وعدمه-، فهناك شركات المُسَاهِمَة تتعامل بالحرام، يعني الحرام في جميع رأس المال -رأس المال كله حرام-، أو يكون الغالب على رأس المال الحرمة -كما هو الحال في شركات لبيع الخمور أو بيع لحوم الخنزير-، وهذه -بحمد الله- لا توجد عندنا؛ لكنها موجودة في العالم، أيضًاِ البنوك الربوية فإنّ غالب رأس المال يكون في الحرام -وإنْ وُجِدَ لديهم شيءٌ مِن الحلال-؛ فهذه لا خلاف عليها بين الفقهاء المعاصرين على تحريم تداول أسهم هذه الشركات.

القسم الثاني: شركات مباحة في تعاملها ولا يدخل في تعاملها شيء مِن الحرام إطلاقًا، والتي تُعرف بالشركات النقية، وهذه مِن جهة الواقع حتى في بلادنا هي قليلة جدًا، هذه لا خلاف بين المعاصرين في جواز شراء أسهمها وتداولها.

بقي عندنا القسم الثالث -وهو محل الخلاف: وهي الشركات التي تكون في أصل تعاملها مباحة كشركات زراعية أو في صناعة الأقمشة ونحو ذلك مِن المباحات؛ لكن يوجد عندها تعاملات مُحَرّمة وعقود فاسدة لكنها يسيرة، كما لو كانت تضع جزءًا يسيرًا مِن رأس مالها أو احتياطياتها في بنوك ربوية وتأخذ عليها فوائد، يعني تقرض أو تقترض بفائدة، أو تُبرم عقودًا مُحَرّمة كعقود تأمين تجاري ونحو ذلك، يعني دخل عليها الحرام، فهذه محل خلاف بين المعاصرين، لكنّ الذي عليه أكثرُ المعاصرين ورأي المَجْمَعَين الفقهيين في مكة وجدة ورأي اللجنة الدائمة هو تحريم التعامل بهذه الشركات، فلا يجوز الدخول فيها، وأظهرُ وجه في التحريم أنّ الداخل في هذه الشركات يكون شريكًا -هي شركة-، أنت لو اشتريت سهمًا واحدًا تكون شريكًا في هذه الشركة -في رأس المال- يكون لك جزءًا يسيرًا مِن رأس المال، وأنت تعلم قبل الدخول بها أنّ مجلس الإدارة يتعامل بالربى -إقراضًا واقتراضًا-، فأنت أقررتَ ذلك ورضيتَ به ولا ضرورة عندك لِأَنْ تدخل بمثل هذا العقد! المقصود هو الإشارة إلى هذه المسألة، لكن الذين قالوا بالجواز احتجوا بهذه القاعدة: "يجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا"، وجه الاستدلال عندهم قالوا: إنّ هذا السهم الذي في الشركة؛ غالب هذا السهم هو في المباح لأنه يمثل جزءًا مِن رأس مال الشركة -ورأس مال الشركة أكثره في المباح-، ويوجد هذا الحرام اليسير في السهم أو في رأس مال الشركة، وقالوا: هذا اليسير يكون مغتفرًا وتابعًا للأصل؛ فيجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا، لكن هذا الاستدلال قد رَدَّه كثير مِن المعاصرين، وذلك أنّ هذه القاعدة، قاعدة "يجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا " تُنَزّل على عقود باتّة منتهية تتضمن مباحًا ومحظورًا يتبع هذا المباح، فحينئذٍ يجوز الشراء وينتهي الأمر بذلك، كما مثّلتُ قبل قليل في الناقة الحامل، الآن اشترى هذه الناقة وهي حامل، اجتمع ما هو جائز وما هو مُحَرّم، لكنْ لمّا أُبرم العقد انتهى ذلك، لكن في هذه الشركات إذا اشتريتَ السهم؛ هل ينتهي الأمر؟ أو تبقى شريكًا في هذه الشركة ومجلس الإدارة مستمر في إبرام عقود الربى؟ هذا فرْق بين هذه المسألة وما ذَكَرَ الفقهاء مِن فروع لهذه القاعدة، وبهذا يتبين أنّ هذا الاستدلال غير مسلم -الاستدلال بالقاعدة على جواز الأسهم المختلطة-.

أقف على هذا، وأسأل الله عزّ وجلّ لي ولكم العلم النافع والعمل الصالح، والله أعلم، وصلّى الله وسلّم وبارك على نبيّنا محمد.

- يقول: ما هي أفضل طريقة لضبط القواعد الفقهية -حفظًا ودراية-؟ ثم هل هي خطوة متأخرة في الطلب؟ أو لا تَعارضَ؛ فتناسب لطالب مبتدئ قطع شوطًا لا بأس به في كُتب الفقه وهو خريج شريعة؟

ما دام خريج شريعة مَرَّ على الفقه ودرس "الروض المربع" ومَرّ على مسائل خلافية كثيرة؛ وأيضًا درس القواعد في الكلية، المقصود أنه إذا كان مبتدئًا فلا بُدّ أنْ يدرس على شيخ، والشيخ في بداية تعليم الطالب المبتدئ يعطيه مِن القواعد ما يناسب فهمَه، وأمّا إذا تقدم فإنه يزيد في هذه القواعد، يعني الآن ما مَرّ معنا مِن القواعد تراها ليست بشيء مِن جهة العدد، يعني ما جمعه الدكتور "البورنو" حفظه الله في موسوعته؛ في بعض الحروف وَصَلَ إلى سبعمئة قاعدة، حرف واحد! مرتب على حروف المعجم، طُبعتْ هذه الموسوعة في أكثر مِن عشرة أجزاء، فطالب العلم المبتدئ لا يمكن أنْ يحيط بمثل هذا! لكنه في البداية عند معلمه كلما مَرَّتْ مسألة فيها تقعيد يعطيه مِن هذه القواعد ما يُناسبه حتى يترقى ويتدرب على ذلك.

- يقول: دفع المفاسد مُقَدَّمٌ على جلب المصالح، هل هي عند التساوي فقط؟

أقول: نعم، إذا تساوت المفسدة مع المصلحة؛ فنقدم درء المفسدة -وإنْ فاتت هذه المصلحة-، وأمّا إذا ترجح أحدهما -فمَرَّت معنا قاعدة- أنه يُعمل بالأرجح؛ أمّا المفسدة وإمّا المصلحة.

يقول: هل يصحُّ قياسُ الحكم على المقصد مع اختلاف العلة؟ مثل قياس قيادة المرأة على سفر المرأة بدون مُحَرّم؟

ما دام اختلفت العلة ما يكون هنالك قياس! القياس مِن أركانه الاتحادُ في العلّة، فإذا اختلفت العلّة فإنه لا قياس، وأمّا ما يتعلق بسفر المرأة وقيادة المرأة؛ فالنظر فيها إلى أنّ هذا مِن الذرائع الموصلة إلى الفساد وإلى الشَّرّ وإلى وقوع الزنا، فكل هذا مما يُمنع.

- يقول: هل يجوز أَخْذُ أموال الكافر غير المعصوم عبر النِّت باختراق موقعٍ للكافر وأَخْذِ أمواله؟

أولًا، مَثِّلْ لي على دولة كافرة تُعَدُّ حربية، تعرفون دولة تُعَدُّ حربية؟ لا يوجد إلّا اليهود، لأنه ليس بيننا وبينهم عهد، فهذه المسائل قد يكون فيها خطورة، قد تفعل أنت مثلَ هذا الشيء ويكون عندهم مِن أصحاب التخصص في هذه الأمور ما يدخلون على مواقع عندنا ويفسدون أشياء كثيرة، فالمقصود إذا أمكن ذلك مِن غير مفسدة؛ فالأصل إباحة دماء هؤلاء، إلّا أنْ يأتي مِن ولي أمرِ المسلمين ما يمنعُ ذلك مراعاة للمصالح ودرءًا للمفاسد فحينئذٍ يختلف الأمر.

و الله أعلم، وصلّى الله وسلّم وبارك على نبيّنا محمد.


(1) صحيح البخاري (2379) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا.
(2) صحيح البخاري (1486) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا.
(3) سبق تخريجه.


 مواد ذات صلة: