موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح عمدة الفقه لابن قدامة

  

أسئلة

أسئلة(1):

- هذا يسألُني عن فتوى الشيخ.

قلت: فتوى الشيخ ابن باز موجودة في الجزء التاسع والعشرين فليراجعها، والفتاوى الموجودة في الجزأين مِن مجموع فتاوى الشيخ هي مِن آخر ما أفتى به - عليه رحمة الله -، فهي مِن آخر ما أفتى به، وإذا وجدتَ شيئًا مخالفًا في الأجزاء الأولى فالمعتمدُ مِن قوليه – في الغالب مِن غير استقراء - ما في الأجزاء الأخرى.

- لماذا لا يكون الإخصاء عيبًا؟

الفقهاء في عامة قولهم لا يرون الخصاء عيبًا، لأنّ الولد ليس لازمًا، فالعقم ليس عيبًا، فلو تزوج رجلٌ امرأةً ثم ثبت أنْ الزوجَ عقيمٌ فليس للمرأة أنْ تفسخ بالعيب، وإنما لها حق الفسخ بالخلع، تقول: أنا أريدُ أنْ أتركك، أريد ولدًا، فتَرُدّ له المهر، لأنه ليس عيبًا! لكنْ لو كان عيبًا فإنها تفسخه مِن غيرِ رضاه ومِن غيرِ عوضٍ بمجرد الإثبات، والعقم هذا مِن أمرِ الله عزّ وجلّ وليس عيبًا! ولذلك لم يثبت عن النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه فسخ به عقدًا! وذكروا تعليلات كثيرة في هذه المسألة.

- إذا لم تطلب المرأة مهرًا أو قالت: للزوج الخيار فيما يعطيها مهرًا؛ فما هو الحكم؟

عندنا مسألتان:

المسألة الأولى: إذا لم تُسَمّ المرأةُ مهرًا، هذه تسمى المفوَّضة أو المفوِّضة، هذا سيأتي حكمُه بعد قليل؛ وأنّ المفوَّضة لها مهر المثل، تزوج رجلٌ امرأةً ولم يحكى مهرٌ! قال الأب: زوّجتك ابنتي وسكت! ولم يذكروا مهرًا ولم يسموا شيئًا، فدخل الزوج بالزوجة ولم يعطها مهرًا! فلها مهرُ المِثْلِ ولو بعد عشرين سَنَة أو بعد ثلاثين سَنَة، يجب لها مهرُ المِثْل، حتى لو مات الزوج فيكون مهرُ المِثْلِ في تركته، فيُخرج مهرُ المِثْلِ وتُعطى الزوجة ويقسم الباقي بين ورثته ومنهم الزوجة.

الحالة الثانية: إذا نُفي المهر! بمعنى أنه قيل: لا مهر بيننا، فمشهور المذهب وقول الجمهور أنّ النكاحَ صحيحٌ وحكمُها حكمُ المفوَّضة، بمعنى أنه يكون لها مهرُ المِثْل، واختار الشيخ تقي الدين – وهو القول الثاني عن أحمد - أنّ النكاحَ باطلٌ إلحاقًا بالشِّغَار، لأنّ الشِّغَار نفوا المهرَ! قالوا: لا مهرَ بيننا، فيكون الحكم بينهما واحدًا.

- هل السُّنَّة الراتبة قبل الظهر تصلى أربعًا بدون جلوس؟ إلّا بالتشهد الأخير تصح أم لا؟

نقول: لا، لا يصح، لماذا لا تصلح؟ انتبهوا معي، انظروا المأخذ، ورد عن النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم في السُّنَّة قبل الظهر سُنَّتَان منفصلتان، السُّنَّة الأولى: استحباب أربعًا قبل الظهر، والسُّنَّة الثانية: استحباب ركعتين قبل الظهر، مَن صلّى أربعًا دخلتِ الركعتان في الأربع، أليس كذلك؟ طيب، السُّنَّةُ الراتبةُ إنما هي ركعتان فقط - على المشهور مِن المذهب - كما تعلمون هو الأصح دليلًا، السُّنَّة الراتبة ركعتان، إِذًا السُّنَّة الراتبة تكون ركعتين منفصلتين؛ فمَن صلّى ثنتين ثم ثنتين فيكون قد صلّى السُّنَّة الراتبة ودخل في حديث «مَن صلّى أربعًا قبل الظهر»(2)، لكنْ مَن صلّى أربعًا نسقًا واحدًا فيكون قد صلى أربعًا قبل الظهر ولم يصلّ ثنتين منفصلتين! فلا تدخل هذه في تلك، إِذًا قبل الظهر يعني صليتَ أربعًا جاز لكن صلّ بعدها ركعتين تكون هاتان الركعتان هي الراتبة، لأنه السنن الرواتب عشر ركعات فقط، وسبق ذكرُها والاستدلال عليها في غير هذا المحلّ.

- هل صحيح أنّ المشهورَ مِن المذهب أنه يُكره التعددُ ابتداءً؟

لا، لا يكره التعدد، وإنما يُستحب أنْ لا يتزوج إلّا واحدة، عبارة الفقهاء هذه، يستحب أنْ يتزوج واحدة ثم ذكروا أوصافًا أخرى في المرأة، وتركُ الاستحباب نوعان: قد يكون تركُ الاستحباب مكروهًا، وقد يكون تركُه خلافَ الأولى، وهذا مِن باب خلاف الأولى إلّا لحاجة؛ فإنْ وجدت الحاجة فلا شك أنّ عند وجود الحاجة يكون الاستحباب للزواج، والحاجة لها صور متعددة، إِذًا المذهب الأفضل عدم الزواج وليس يكره الزواج! انتبه، كُنْ فقيهًا، فرْقٌ بين يكره وبين لا يستحب، يكره النفي، لا يلزم مِن استحباب الفعل كراهية نفيه، هذه قاعدة أشرنا إليها في غير هذا المحل.

- هل يحق للمرأة أنْ تنكر أنها أرضعت فلانًا بعد أنْ أقَرّت مدة عشرين سَنَة أنها أرضعت ثم نسيتَ أو أنكرتَ؟

الإنكار لا يجوز لها أنْ تنكر لأنّ هذا حق يجب أنْ تثبته، لكنْ لو نسيت، بعض النساء إذا كبُرت تنسى، هذه مسألة أخرى، تقول: نسيت، وبناء على ذلك فإنّ الفقهاء يقولون: لا يثبت الرضاع إلّا بالبيّنة، فلو أنّ رجلًا أراد أنْ يتزوجَ امرأةً ولا يوجد هناك مَن يُثبت؛ أو تزوج امرأة ثم ادّعى الناسُ أنها أختُه مِن الرضاعة فقل: تعال، مَن الذي أرضعتك؟ التي أرضعتك ماتت، لكنّ الناس يقولون! لا بُدّ أنْ يأتي شاهدان يشهدان على أنّ تلك المرأة قالت: أرضعتُ فلانًا أو رأيا تلك المرأة وهي ترضع فلانةً مع هذا الولد، إِذًا لا بُدّ أنْ يثبت الرضاع بيقين؛ فإنْ لم يثبت بيقين فلا يثبت التحريم.

- هذا أحد الإخوان أجاب سؤال الأمس

على العموم في كتب الفقه كـ "المنتهى" وغيره لمّا تلكموا عن القَسَامة وهي الأيمان التي يحلفها أولياء المقتول ليستحقوا الدِّيَة أو القصاص، هذا يسمى قَسَامة - بالفتح -، وأمّا القُسامة فهو الجُعْلُ الذي يأخذه القاسمُ، الجُعْلُ، تكلمنا عن أحكام الجُعْل، الذي يقسم قسمة الإجبار أو قسمة الاختيار ما الذي يأخذه؟ يسمى قُسَامة، هذه هي المسألة، فأخونا - جزاه الله خيرًا - أتى بأكثر مِن نصف الجواب.

- هل يجوز قراءة القرآن في دورات المياه أم لا؟

قراءة القرآن لا يجوز، استماع القرآن يجوز، فرقٌ بين الاستماع وبين القراءة، يجوز الاستماع، فلو شَغّلتَ جهازًا في الخارج وأنت بداخل غرفة المياه يجوز ذلك، وقد جاء أنّ إبراهيم النخعي كان إذا دخل لقضاء حاجته أَمَرَ قارئًا أنْ يَقرأ عليه، يَقرأ عليه مِن كتبِ العلم أو يقرأ عليه شيئًا مِن القرآن فيستمع، فالاستماع يجوز، أمّا أنْ تقرأ في دورات المياه فلا، فإنه ممنوع، ويحتدُّ المنعُ إذا كانت القراءة في حال قضاء الحاجة.

- أراد رجل أنْ يَعْقِدَ على امرأة داخل مملكة وهو في لبنان كيف الطريقة الصحيحة لهذا العقد؟

الطريقة الصحيحة: لا بُدّ من اتحاد المجلس، إمّا أنْ يأتيَ لها أو تذهب إليه، طبعًا ليس يأتي لها هي! يأتي المجلسَ الذي فيه وليُّها أو يذهب وليُّها إليه، فإنْ لم يمكن اجتماعُ الوليّ - هي لا يلزم أنْ تكون حاضرة - العبرةُ بالوليّ، فإنْ لم يكن الوليُّ حاضرًا؛ فإنّ الوليَّ يُوَكّل مَن يحضر، فيذهب الوليُّ فيوكل شخصًا في تلك البلد، فلو كانت الزوجة هنا فيجب على وليّ المرأة الذي يكون هناك - في أي بلد كان - يوكل شخصًا، وتكون الوكالة طبعًا رسمية لأنّ الزواج يوثّق رسميًّا - إمّا عن طريق كتابة العدل أو الشهر العقاري في لبنان أو عن طريق السفارة - ثم يأتي فتكون الوكالةُ حينئذ رسمية؛ وحينئذ يُزَوّج به، لا بُدّ مِن التوكيل، إِذًا لا بُدّ أنّ الذي يُوجِب - وهو الوكيل عن الولي - لا بُدّ أنْ يكون حاضرًا في المجلس، وأمّا بالهاتف فلا يصح.

- هل يجوز له أنْ يتحدث مع مخطوبته في الهاتف؟

نعم يجوز، المرأة صوتُها ليس بعورة إلّا في حالتين، وهاتان الحالتان ذكرهما اللهُ عزّ وجلّ بقوله ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ(3)، والخضوعُ بالقول أمران: إمّا في النبرة أو في المعنى، فالنبرة أنْ تُرَقِّقَ صوتَها، حتى قال بعض الحنفية: إنّ الذي يُقْرِئُ القرآنَ للنساء لا تتغنى عنده المرأة، لا تُجَوّد صوتها، تقرأ هكذا بدون ترقيق وتجميل – ليس مِن غير تجويد! -، لأنّ هذا التجميل للصوت فيه ترقيق، إِذًا يَحْرُمُ صوتُ المرأة إذا كان فيه ترقيق، الحالة الثانية: إذا كان فيه خضوع بالقول في الألفاظ بأنْ يكون فيه غزل ونحو ذلك فهذا لا يجوز، وما عدا ذلك فصوت المرأة ليس مُحَرّمًا، فالرجل إذا كَلّم هذه المرأة - وهو في بلد وهي في بلد - ولم يكن فيه كلام في العشق ولا في الحُبّ ولا في الغرام ونحوها؛ حينئذ يجوز، يتكلمون عن البيت؛ يتكلمون عن أشياء أخوى، يجوز.

- هل يجوز تشغيل القرآن أثناء النوم؟

هذه المسألة تكلموا عنها مِن قريب مئتي سَنَة فقط حينما وجدت هذه الأجهزة، وكان بعضُ أهل العلم قد أفتى في مصر وفي تركيا لأنها وجدت قبل أنْ توجد في جزيرة العرب أنّ تشغيل هذه الأجهزة والاسطوانات في الأسواق لا تجوز وفي البيوت، أفتوا أنها لا تجوز، قالوا: لأنّ تشغيلها يكون لعدم استماع لها! ولا شك أنّ المرء إنما يُؤجر على الاستماع؛ وأمّا مجردُ الصوت بلا استماع؛ فإنه لا يؤجر عليه، لكنّ بعضَ الناس بطبعه لا ينام إلّا على صوت، بعض الناس لا ينام إلّا على لمبة، بعض الناس لا ينام إلّا على ظلام، الناس يختلفون، فبعض الناس يقول: لازم صوت! فإنْ لم أستمع قرآنًا ربما لم أنم إلّا على صوت آخر كتلفاز أو غناء أو نحوه! حينئذ هذا الرجل له ظروفه قد يُتجوز فيه، لكنّ القرآن يجب أنْ يُعَظّم، قَدْر المستطاع تعظمه.

- القواعد العامة تدلّ على أنّ القرآن الذي ينفع إنما هو المقروء.

- رجل تزوج بامرأة وصار عندهم أطفال وهي بعد ذلك تُثبت أنها أخته مِن الرضاعة، كيف يكون حال الأولاد إذا تمّ التفريق بينهم؟ ومَن يقوم بشؤونهم والإنفاق عليهم؟

إذا كانت أخته مِن الرَّضَاع فيجب التفريقُ بينهما ولو بدون حكم حاكم أصلًا، متى نصل لحكم الحاكم؟ إذا وجد الخلاف، أهي أخته أم ليست بأخته؟ فترفع للحاكم في قضية الإثبات أو النفي، لكي يثبت القاضي أهو صحيح أو لا، لكنْ إنْ فُرِّقَ بينهما فهؤلاء الأبناء: هذا أبوهم وهذه أمهم، فهو أبوهم نسبًا وهذه أمهم حقيقة، يرثون مِن هذا ويرثون مِن هذه، والنفقة تجب على الأب، والأب يكشف على الأم لأنها أخته مِن الرضاع لكنها لا تكون زوجةً له، فقط هذا هو الفرق، ما فيه أي مشكلة.

- بعضهم علم أنها أخته مِن الرضاع وما زالا مرتبطين؟

لا يجوز، هذه أختك مِن الرضاع، لا يجوز، لكنْ قد يكون بعض الناس يظن أنها أختُه مِن الرضاع وليست كذلك لكونها مثلًا ارتضعت أقلّ مِن خمس أو في غير الحولين أو أنّ الرَّضاعة لم تثبت! بعض النساء العجائز لَمّا تصل لفوق السبعين - لا أدري أهو وسواس أم شك أم ضعف عقلٍ أم خوف، ما أظنه خوف مِن الله - تبدأ تعطي أخبارًا، معروف هذا في القضاء كثير جدًا في المحكمة، ما تأتي إلّا بعد السبعين، تقول: أنا أرضعتُ فلانًا مع فلانة، طيب أنت خمسين سَنَة الآن تكلمت؟؟ فمثل هذه في الغالب تُرَدّ شهادتُها ولا تُقبل، لأنّ القاضي يستنطقُها ببعض الأسئلة ويعرف أنها لا تُقبل، فحينئذ لا نحكم، نقول: يبقي القاضي الزوجية، أنا أقول: مثل هذه الأمور قد تكون مشكوكًا فيها وغير مجزوم فتُرفع للقضاء فينظرها القاضي المختص.

- بعض النساء تشترط على زوجها أنْ لا يطلقها، فهل يصح هذا الشرط؟

هذ الشرط غير صحيح، أو هو لا فائدة منه، لأنّ الشرطَ الغرضُ منه أنه إذا تحقق المشروط أصبح للمرأة الخيار، فهو هنا إذا طَلّقها فقد خالف الشرط وقد طُلقت بطلاقه قبل فوات الشرط، فوجود الشرط هذا وعدمه سواء.

- هل العِنّة تعني أنّ عند الزوج مرضٌ أم أنّه لا يستطيع مثل الخوف مثلًا؟

لا، العِنّة لا تشترط المرض، العِنّة هو أنْ لا يطأ زوجته فلانة، فقد يطأ زوجته الثانية، ولكنْ الأُولى هذه ممنوع عنها، إمّا خوف، إمّا مرض، إمّا سبب، أو مربوط -مثل ما يقول بعض العوام-، إمّا جانب نفسي، الناس قد يكرهون شيئًا، فالعِنّة تختلف باعتبار النساء لا بالمطلق! لا شكّ أنّ الذي عاجز بالكلية هذا عنّين عن الكل.

- هل الهدايا كالذهب ونحوه - سواء سُمّيت في العقد أو لم تسمَ - هل يلزم الزوج ردّها حال الفسخ إذا كان العيب مِن قِبلها أم لا؟

عندنا مسألتان:

المسألة الأولى: إذا خالعت المرأة - المذهب - أنّها لا تُخالع بالمهر، وإنّما تخالع بأيّ ما اتفقا، عليه سواء كان مهرًا أو أكثر.

المسألة الثانية: بالنسبة للهدايا – مشهور المذهب – وهذه مِن المسائل المشكلة حقيقةً، مِن المسائل المشكلة الهدايا التي تكون بين الزوجين وخاصةً في زماننا، سأذكر لكم المذهب وأذكر لكم بعض الأعمال القضائية، لأنّ آخرَ حكم صدر - صدر في الكويت - وهو جيد جدًا هذا الحكم حقيقة، المذهب أنّ كل هدية بعد عقد النكاح لا يدخل في المهر، وأمّا ما يُكتب في العقد فإنّه مهرٌ، هذا واحد، الآن يقولون: إنّ الهدايا التي بعد الزواج قد تكون لأجل استمرار الزوجية، وصدر حكمٌ قضائي له حظّ مِن النظر قوي جدًا في الكويت، ولكنْ يحتاج إلى دراسة رسالة كاملة عليه، حُكم في الكويت السَّنَة هذه - كما نُشِرَ - أنّ القاضي حكم لرجل طلبت امرأتُه طلاقه أنْ تَرُدّ له البيت الذي كتبه باسمها، مع أنّ كتابته البيت بعد الزواج فهي هدية! والوجه في ذلك أنّ هذه الهدية أعطاها إيّاها لإبقاء الزوجية؛ فتكون ملحقة بالمهر، وهذا الحكم له وجاهة مِن حيث النظر وإنْ الحكم عندنا في المملكة لا يحكمون به مطلقًا، فكل ما كان بعد العقد لا عبرة به، وإنّما الخلاف عندنا بين القضاة في ما كان قبل العقد، مثل الهدايا أيام الخطوبة، هذه فيها خلاف بين القضاة، أمّا ما بعد العقد فعندهم وجه واحد، لكنْ حُكِمَ في بعض المحاكم الشرعية في الكويت بالرَّدّ وهو له حظّ مِن النظر ويحتاج إلى دراسة، ولو تُؤمّل لوجد فيه قيودًا مناسبة.

- بعض المشايخ يقول: إنّ المقصود "حكم الحاكم يرفع الخلاف" المقصود به حكم القاضي لا وليّ الأمر والسلطان، هل هذا صحيح؟

هذه المسألة "حكم الحاكم يرفع الخلاف" مِن المسائل الطويلة جدًا، وهي مِن المسائل المهمة، المراد بالحاكم وليّ الأمر أو نائبه، والقاضي إنّما وَليَ القضاء بعقد إطلاقٍ، ما هو عقد الإطلاق؟ يعني مثل الوكالة، الوكالة عقد إطلاق، الوصاية عقد إطلاق، لم يستفدِ العقدَ بنفسه؛ وإنّما بوكالة الإمام وولايته عليه، إذًا القاضي هو في الحقيقة حُكمه نيابةً عن الإمام الأعظم.

ما هي الأشياء التي "حكم الحاكم يرفع فيها الخلاف" منها على سبيل المثال:

أولًا: كل ما صدر فيه حكم قضائي، لا يأتي الواحد بعد الحكم القضائي يقول: أنا أرى في هذه المسألة في الطلاق القول الفلاني! في الخلع مثلًا: خالع رجلٌ امرأةً وألزم فيه، ومِن مفردات مذهب الحنابلة أنّه يجوز للقاضي الإلزام بالخلع، جاء الزوج وقال: أبدًا أنا على طريقة المتقدمين! وأنا على طريقة الجمهور! ولا أرى أنّ القاضي يُلزمه الخلع فحينئذ فالخلع باطل! نقول: "حكم الحاكم يرفع الخلاف"، إذًا إذا حكم به القاضي.

ثانيًا: حكم واختيار السلطان في المسائل الولائية، ما هي المسائل الولائية؟ المسائل الولائية عدّها الماورديُّ وبعده القاضي أبو يعلى إحدى عشر ولاية، منها القاضي ذكرناه قبل قليل، ذكرنا القاضي لأنّ أخانا نصّ عليها، مِن المسائل الولائية الحجّ، فهناك أحكام تتعلق بولي الأمر في الحج، اختياره فيها يرفع الخلاف، مثل خروجه مِن عرفة، مثل بعض المسائل، إدخال شهر رمضان، الحج يوم يحج الناس العبرة بولي الأمر، فلو كان امرؤ رأى الهلال لكنْ رُدّت شهادتُه لا يجوز له أنْ يقف في اليوم الثامن بخلاف دخول شهر رمضان لأنّ في ذلك تعبد وهذه مسألة أخرى، لكنْ في الحج مسألة ولائية يجب أنْ يقف مع الناس، إذًا الحج والقضاء والمظالم والحسبة وعدّوا إحدى عشر ولاية، والجهاد كذلك، لذلك الجهاد متعلق بولي الأمر ابتداءً واستدامة وصلحًا وأثرًا بعد ذلك مِن حيث الأراضي والمغنُمات وغيرها، هذه الأشياء فيها وليّ الأمر يختار ما شاء مِن الأحكام بشرط أنْ لا يخالف نصوص شرعية، ما عدا التصرفات الولائية الإحدى عشرة حكمُ الحاكم لا يرفع الخلاف، مثالها ما ذكرتُ لكم في الدرس الماضي في قضية البيع والشراء، لو أنّ ولي الأمر قال: ممنوع شركة الأبدان - لأنه حنفي -، العقود ليس لولي الأمر فيها مصلحة، يعني هي للناس يبيعون ويشترون - التعاقد شخصي -، فنقول حينئذ: لو تعاقد اثنان شركة أبدان صحت وملك المال، شركة الأبدان أبسط مثال فيها العمال النجارون وغيرهم يجتمعون في مكان واحد ويقولون: اليوم نشتغل وكل ما نحصله نجمعه فيما بيننا ثم بعد ذلك نقتسم بيننا بالسوية، كما فعل مَن؟ عبد الله ابن مسعود وصاحبه في أُحد، فإنهم قد تشاركوا في السَّلَب(4)، فالجمهور على أنّ شركة الأبدان تجوز إلّا الحنفية، فنقول: هنا حكم الحاكم لا يرفع الخلاف، ومثّلت لكم أيضًا بمثال آخر عند الحنفي، لو أجاز بيع الوفاء، وهذا موجود في بعض البلدان يجيزون بيع الوفاء، بيع الوفاء جماهير أهل العلم أنّه ربًا لا يجوز، ربا، ربا، بيع الوفاء عين الربا، بل هو حيلة الربا، بيع الوفاء باختصار: أنا أريد قرضًا، الشيخ ماجد أريد قرضًا أريد مئة ألف، فأذهب للشيخ ماجد أقول للشيخ ماجد: خُذْ هذا الذهب مني - الذهب هذا كم قيمته؟ مئة ألف - خذه واشترِ مني بألف، فيأخذه يقول: طيب، يأخذه ويضعه في كيس أو في صندوق يضعه ويقفل عليه ويقول: خُذْ مئة ألف، انظر سآتيك بعد سَنَة وأشتريه منك بمئة وخمسين ألف، اتفقا، بعد سَنَة آتيه أقول: أعطني الذهب الذي عندك الذي اشتريتَه مني العام، فيعطيني ذهبي وأعطيه مئة وخمسين ألفًا، اتّفقنا على البيع وعلى الشراء وعلى الأجل متى؟ مِن البداية، هذا يسمونه بيع الوفاء، أجازه بعض الحنفية، والمحققون مِن الحنفية على المنع منه، هذا لا يجوز حتى وإنْ أجازه ولي الأمر، لا يجوز لك أن تتعامل به لأنّه ليس مِن التصرفات الولائية، إذًا التصرفات الولائية أمور أخرى، يعني تفصيلها محاضرة كاملة لكن نختصر في ذلك.

- نصيحة لطالب العلم

طويلة جدًا، العلم كله نصيحة، وأعظم النصيحة بكتاب الله عزّ وجلّ.

- رجل وامرأة تزوجا بدون إِذْن وليها ثم بعد ذلك حملتِ المرأة ومضت خمسةُ أشهر فما الحكم في ذلك؟

نقول: حالتان:

إذا كان الرجل والمرأة في بلد يحكم الحاكم فيه بالزواج بدون ولي - بلد إسلامي(5) - وكانا لا يعلمان - إمّا ديانةً أو تقليدًا - وجوبَ الولي فنكاحهم صحيح، هذا الأمر الأول.

وأمّا إنِ اختلّ أحد هذين الشرطين فالحلّ فيه يجب على هذا الرجل أنْ يمتنع مِن زوجته الآن ويذهب إلى وليّها فيزوجُه وليّها، فإنْ كان عالمًا بالحكم فحكمه حكم الزاني فيستر على نفسه وعليها ويتزوجان الآن، وأمّا إنْ كان جاهلًا بالحكم فيستغفر الله عزّ وجلّ والله غفور رحيم، وأمّا بالنسبة للولد فتكلمتُ عن المسألة أمس باختصار، وقلت: إنّهما إذا جددا العقد قبل الولادة فالجمهور أنّه لا ينسب لهما إلّا رواية عن أحمد انتصر لها أبو الخطاب وقول عن أبي حنيفة النعمانالإمام أبو حنيفة - وهذا القول أرجح دليلًا، لأنّ الشرع مُتَشَوّف لإلحاق النسب، ومال له أيضًا ابن قدامة إشارةً، والدليل عليه عموم حديث النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم «الولد للفراش»(6)، لأنّه وُلد على الفراش، لكنْ أهم شيء يصحح العقد – وليس يجدد، ما في عقد - يصحح العقد ويتزوجها قبل الولادة، لو وُلد قبل تجديد العقد فالولد ولد زنى لا ينسب – قيل: بإجماع له، إلّا على قول اسحاق بن راهويه.


(1) هنا الأسئلة ليست واضحة، ولكن وضعنا الجواب الواضح الذي قد يُفهم منه سؤالُه.
(2) صحيح. النسائي (1817) من حديث أم حبيبة رضي الله عنها مرفوعًا، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح سنن النسائي.
 (3) الأحزاب: 32.
(4) ضعيف. أبو داود (3388) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. الإرواء (1474).
(5) جملة غير واضحة لعلها ما أثبتناه.
(6) صحيح البخاري (2218) من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا.


 مواد ذات صلة: