موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح عمدة الفقه لابن قدامة

  

باب نكاح الكفار

باب نكاح الكفار


بدأ يتكلم المصنف عن نكاح الكفار، وناسب ذكرُه عادةً بعد شروط النكاح لأنه يتعلق بقضية الكفاءة، ولكنّ المصنف قَدَّمَ الرَّضَاع، وعادة المتأخرين - ومنهم المصنف في "المقنع" - أنهم يؤخرون الرَّضَاع بعد الطلاق، ولكنّ المصنف هنا قَدَّمَه لمعنى يعني يحتاج إلى تأمل.

بدأ المصنف يتكلم عن نكاح الكفار، أي أنكحة الكفار قبل الإسلام.

لا يحلّ لمسلمة نكاحُ كافرٍ بحال


بدأ يتكلم عن ابتداء عقد النكاح، يعني عندنا ابتداء وعندنا استدامة، قال: فأمّا الابتداء فلا يحلّ لمسلمة نكاحُ كافر بحال، على سبيل الابتداء، يقع باطلًا ابتداءً.

ولا لمسلم نكاح كافرة إلّا الحرةَ الكتابيةَ


ولا يجوز لمسلم أنْ يبتدأ عقد النكاح لكافرة إلّا أنْ يتزوج حُرّة كتابية - وهي اليهودية أو النصرانية فقط - هي التي يجوز نكاحُها مِن نساء الكوافر، انتهى الآن مِن قضية نكاح الكفار على سبيل الابتداء، وأمّا أنكحتهم فيما بينهم - يعني كافر مع كافرة - فإنه صحيح، ودليله في كتاب الله عزّ وجلّ، فإنّ الله عزّ وجلّ ذَكَرَ عن أبي لهب قال: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ(1)، وأبو لهب وزوجه أم جميلة إنما كان نكاحهما في الجاهلية، وهو نكاح كوافر، فحينئذ صححه اللهُ عزّ وجلّ في كتابه، فدلّ على أنّ نكاح الكافر مع الكافرة ابتداءً صحيح، أمّا استدامة بعد الإسلام سيأتي بعد قليل، والأدلة على ذلك كثيرة، والرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «ولدتُ مِن نكاحٍ لا مِن سِفَاح»(2)، وإنما كان زواج أبيه مِن أمه في الكفر، صلّى الله عليه وسلّم، فدلّ على أنه نكاح لا سفاح.

ومتى أسلم زوج الكتابية أو أسلم الزوجان الكافران معًا فهما على نكاحهما


بدأ يتكلم المصنف عن قضية استدامة عقد النكاح للكفار، فقال: إذا أسلم الزوجان معًا فهما على نكاحهما، طبعًا أول شيء قال: إذا أسلمَ زوج الكتابية، يعني امرأة كتابية وزوجها كتابي - يهودية مع يهودي - فأسلم الزوج وحده؛ فإنّ النكاح صحيح، لأنه يجوز للمسلم أنْ يتزوج كتابية، أو أسلم الزوجان معًا وقد أرجى بعد قليل بكيف يكون إسلامهما معًا، قال: فهما على نكاحهما، أي نكاحُهما صحيح مِن باب الاستقرار ولا يلزمهما تجديد النكاح، ولو كان النكاح الأول بدون مهر، ولو كان النكاح الأول بدون وليّ، ولو كان بدون شهود، مادام كان نكاحًا مقرًّا عند أهل الكفر فإنه يسمى نكاحًا، وقد أقرّ النّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم أنكحة مَن أسلم معه ولم يأمر أحدًا بتجديد عقده، طيب، قوله: أو أسلم الزوجان معًا، عندهم أسلم الزوجان معًا لها صور، منها - ذكروا أربعة صور، لكن منها بحسب ما يسمح به الذهن – قال: أنْ يتكلم الاثنان بالشهادتين معًا، فيقول الزوج والزوجة معًا: لا إله إلّا الله، أو أشهد أنْ لا إله إلّا الله، هذه الصورة، وتعلمون أيضًا أنّ مِن صور الإسلام العبادات التي لا تفعل إلّا مِن المسلم كالآذان والصلاة؛ فإنه إذا صلّى المرء حُكم بإسلامه، وكذلك إذا أَذّن - على المشهور -، وبناء على ذلك لو أَذَّن الزوج والزوجة معًا أو صليا في وقت واحد حُكِمَ بإسلامهما معًا، إِذًا صَحّ نكاحُهما, الأمر الثاني: قالوا: أنْ يتلفظ الثاني منهما بالشهادة قبل انتهاء الأول، فلو كان الأول قبل أنْ يقول: لا إله إلّا الله؛ قال الثاني: أشهد أنْ لا إله إلّا الله، إِذًا هما قد أسلما معًا، بعض أهل العلم قال: إذا أسلما في مجلس واحد كذلك أدخلها في كونهما أسلما معًا، هذه أربع صور وهناك غيرها مِن الصور، قال: فهما على نكاحهما فيُقَرّ.

وإنْ أسلم أحدهما غير زوج الكتابية أو ارتدّ أحد الزوجين المسلمين قبل الدخول انفسخ النكاح في الحال


بدأ يتكلم عن قضية قال: إذا أسلم أحد الزوجين - غير المستثنى السابق وهو زوج الكتابية - أو ارتد أحدُ الزوجين المسلمين قبل الدخول انفسخَ النكاحُ في الحال، لماذا؟ لأنّ المرأة قبل الدخول لا عِدّة لها، والحكم إنما هو متعلق بالعِدّة؛ فحينئذ ينفسخ في الحال.

وإنْ كان ذلك بعد الدخول فأسلم الكافر منهما في عدتها؛ فهما على نكاحهما، وإلّا فبيّنا أنّ النكاح انفسخ منذ اختلف دينُهما


يقول: إنّ الكافران إذا أسلما - يعني أسلم أحدهما: الزوج أو الزوجة - فإننا نحكم بانفساخ عقد النكاح مِن حين إسلام أحدهما، نحكم بذلك، ولكنْ نقول: يكون موقوفًا، يقول: انفسخ، وإنْ كان وإنْ كان ذلك بعد الدخول فأسلم الكافر منهما في عِدّتها – أي في عِدّة الزوجة – فهما على نكاحهما، وإلّا فبيّنا أنّ النكاح انفسخ منذ اختلاف دينهما، يعني إذا أسلم أحد الزوجين نقول: انفسخ لكنه موقوف، يكون عقدًا موقوفًا إلى حين انتهاء عِدَّةِ الزوجة، وهي ثلاث حيض، أو ثلاثة أشهر إذا كانت لا تحيض، أو إذا كانت مما ارتفع حيضُها فلها حكمها الخاص، إِذًا هو عقد موقوف، خلال هذه العدة إذا أسلم الزوج الآخر - الزوجة أو الزوج، يعني الذي لم يسلم منهما – نقول: نبقيكما على نكاحكما الأول ولا تجددون النكاح، وأمّا إذا لم يسلم الزوج الآخر فنقول: قد انفسخ عقد النكاح مِن حين الإسلام، وبناءً عليه فالمرأة يجوز لها حينئذ إذا كانت قد أسلمت مِن حين انقضاء حيضتها الثالثة واغتسالها منه مباشرة نقول: جاز لك أنْ تتزوجي، مع أننا أوقفنا حكم الفسخ لحين انقضاء العدة، وضحت المسألة؟ إِذًا هذا فسخ ولا يعتبر طلاقًا، لكنها تمكث فيه العِدّة مدة ثلاث حيض، ما الدليل عليه؟ أنه جاء أنّ صفوان بن أمية كان بينه وبين إسلام زوجه شهر، طبعًا لذلك أبقى النّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم عقدَ نكاحهما على حاله ولم يأمرهما بتجديده(3), قال: ولم نَجد مناطًا أو حَدًّا نستطيع أنْ نضبط به ذلك إلّا العدة؛ فإنها التي يضبط بها، ونحن نعلم أنّ الأحكام الشرعية مناطُها متشابه، "واعرف الأشباه والنظائر ثم قِسْ الأمور بعد ذلك"(4).

وما سُمّي لها - وهما كافران - فقبضته في كفرهما فلا شيء لها غيره


ما سُمي لها، أي مِن المهر، وهما كافران فقبضته في كفرهما؛ فلا شيء لها غيره، سواء كان مباحًا أو محرمًا كخمر أو خنزير وغير ذلك.

وإنْ كان حرامًا - وإنْ لم تقبضه - وهو حرام؛ فلها مهر مثلها أو نصفه حيث وجب ذلك


يقول: وإنْ كان المهر المسمى ليس بجائز شرعًا وهو حرام كأنْ يكون خمرًا أو مخدرات أو نحو ذلك مِن الأمور المُحَرّمة ولم تقبضه، فلا يجوز لها أنْ تقبض المُحَرّم، وإنما تنتقل لمهر المثل، وسيأتي معنا أنه إذا بطل المسمى – إنْ شاء الله باب الصَّدَاق بعد قليل - دائمًا تنتقل إلى مهر المثل.

فصل: وإنْ أسلم الحُرّ وتحته إماء فأسلمنَ معه وكان في حال اجتماعهم على الإسلام ممن لا يحلّ له نكاح الإماء انفسخ نكاحُهن، وإنْ كان ممن يحلّ له نكاحُهن أمسك منهنّ ما تُعِفّه وفارق سائرهن


هذه متعلقة بمسألة الحُرّ أنه لا يجوز له أنْ ينكح الإماء إلّا أنْ يكون لا يملك طَوْلًا وخشيَ على نفسه العنت، هذا معنى قوله: إنْ كان ممن يحلّ له نكاحُهن، هذه مسألة واضحة ولا تحتاج إلى شرح.


(1) المسد: 4.
(2) حسن. مصنف ابن أبي شيبة (31641 ). الإرواء (1914).
(3) ضعيف. الموطأ (2/ 544). الإرواء (1919).
(4) سنن الدارقطني (4471) عن عمر رضي الله عنه موقوفًا.


 مواد ذات صلة: