موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح عمدة الفقه لابن قدامة

  

باب المكاتَب وباب أحكام أمهات الأولاد

باب المُكاتَب: الكتابة شراء العبد نفسَه مِن سيده بمال في ذمته


بدأ المصنف رحمه الله بذكر أحد وسائل العتق وهي المُكَاتَبَة، وهذا العقد جرى على خلاف القياس، لأنّ المرء يبيع بعضَ ماله ببعض ماله، لأنّ المرء يملك عبدَه ويملك كسبَ عبدِه، فيبيع عبدَه الذي يملكه بكسب عبدِه الذي وعده عبدُه أنْ يعطيه إياه، ولذلك قال: هو شراء العبد نفسه مِن سيده بمال في الذمة - أي في ذمة العبد -، صورة ذلك: مثل بريرة رضي الله عنها حينما كُوتبت أنها يأتي القِنّ لسيده يقول: أريد أنْ تعتقني على أنْ أعطيك مبلغ كذا بعد سَنَة أو منجمًا كل شهر أعطيك كذا بالسَّنَة أو السنتين، هذا يسمى المُكَاتَبَة، وإذا نظرنا وجدنا أنّ الشرع أغلق أبواب الرِّقّ فلم يُبْقِ إلّا الثلاثة التي أوردناها قبل قليل وفتح أسباب إلغاءه بالكفارات وحَثّ على العتق وجعله مِن أفضل العبادات؛ وأنّ مَن أعتق عبدًا كان أعتق جزءًا مِن أجزاء بدنه ما أعتق؛ وأنه في المُكَاتَبَة والتدبير وألزم بالعتق لأم الولد، فمَن أولد أمة فقد عتقت، إلى غير ذلك مِن الأسباب، ولربما كان الرِّقّ قويًا في بدء الإسلام، وبسبب وجود هذا دخل كثير مِن الناس في الإسلام، الجُعْفِيّ جده - كما ذكرتُ لكم – محمد بن إسماعيل البخاري هذا السبب، لَمّا أسلم أعتقه، فكان مشهورًا عند المسلمين الأوائل - عصر الصحابة - أنهم إذا ملكوا أحدًا فأسلم أنه يُعتق، ولذلك أعتق عدد كبير مِن الناس، وأنتم تعلمون أنّ القتال مع الكفار الأصليين الحربيين ما بقي إلّا على شيء قليل بعد ذلك، يعني أصبح شيئًا قليلًا، وإنما كان في أول الإسلام هذا الأمر ثم ضَعُفَ كثيرًا حتى انعدم في كثير مِن القرون.

وإذا ابتغاها العبد المكتسب الصدوق مِن سيده استُحِبّ له إجابتُه إليها لقوله الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا(1).


فقوله ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ أي أنْ يكون معلومًا فيه الخير لصدقه، ومعلوم به الخير بكونه مكتسبًا، لأنّ غير المكتسب لا يمكن أنْ يؤدي الأنجم التي عليه إلّا بسرقة ونحوها.

ويُجعل المال عليه أنجمًا


قال: ويُجعل المالُ عليهم منجمًا أي على شكل أقساط.

فمتى أداها أعتق، ويعطى مما كُوْتِبَ عليه الربعُ لقول الله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ(2) قال علي رضي الله عنه: هو الربع(3).


يعني يستحب أنه يُسقط عنه الربع مِن قيمة المُكَاتَبَة، وهذا معنى: ويعطى مما كُتِبَ عليه الربع.

والمُكَاتَبُ عبدٌ ما بقي عليه درهم، إلّا أنه يملك البيع والشراء والسفر وكلَّ ما فيه مصلحة ماله.


يقول: إنّ المُكَاتَب قبل أنْ يتمم الأنجم حكمُه حكمُ العبد في الأصل في كل الأحكام، فيجوز اعتاقه عن الكفارات، ويجوز الرجوع في مُكَاتَبَتِه ونحو ذلك، إلّا أنه يأخذ بعض الأحكام الخاصة به، منها: أنه يملك البيع والشراء والسفر بدون إذن سيده، لأنّ هذا مِن أثار المُكَاتَبَة، قال: كذلك وكل ما فيه مصلحة ماله كأنْ يتجر بماله، لكن ليس له أنْ يبضع بماله! لأنّ الإبضاع ليس فيه مصلحة، الفرق بين المضاربة والإبضاع: المضاربة هو أنْ يعطي الرجل مالَه لغيره ليتاجر به والربح بينهما؛ فإنْ أعطاه المال ليتاجر به - والربحُ كلُّه للمتاجر أي العامل - فيكون إبضاعًا، وأمّا إنْ أعطاه المال ليَرُدّه إليه فيكون قرضًا، إذًا هناك قرض وهناك مضاربة، وبينهما عقد اسمه الإبضاع، ولذلك يقولون: إنّ المُكَاتَبَ لا يُبضّع لأنه ليس له عقد الإبضاع؛ لأنّ عقد الإبضاع لا مصلحة له فيه ولا نفع.

وليس له التبرع ولا التزوج ولا التَّسَرِّي إلّا بإذن سيده


لأنّ هذه فيها إتلاف للمال، والأصل أنه ليس له تصرف إلّا فيما فيه الصالح دون غيره، وأمّا إنْ أَذِنَ له سيدُه فيجوز أصلًا للقِنّ ابتداءً ناهيك عن المُكَاتَبَة.

وليس للسيد استخدامُه ولا أخذُ شيء مِن ماله


قال: ليس للسيد استخدامه، لأنّ استخدامه له تضييع له في الاكتساب، ولا يأخذ شيئًا مِن ماله لأنه إذا أَخَذَ ماله ربما عجز عن السداد.

ومتى أَخَذَ منه شيئًا أو جنى عليه أو على ماله فعليه غرامته


يعني إذا ثبت عتقُه بعد ذلك، وأمّا إذا رجع فلا غرامة عليه.

ويجري الربا بينهما كالأجانب، إلّا أنه لا بأس أنْ يُعجل لسيده ويضعَ عنه بعض كتابتَه


بالنسبة للربا الفقهاء يتساهلون في باب الربا بين ثلاثة - وبعضهم أربعة - نأخذها واحدًا واحدا:

أولًا: بين العبد وسيده، هنا يجوز الربا، لماذا؟ لأنّ العبد ملك لسيده وماله ملك له، فتحصيل حاصل، يعني الربا يعني كأنه عاقد مع نفسه، فهنا يجوز، هذه الصورة الأولى، ما لم يكن العبد مُكَاتَبًا فإنه لا يجوز الربا بينهما، فلا يُعَجِّزُ السيد المُكَاتَبَة مالًا بفائدة ربوية، لأنه ربما لم يسددها إلّا بعد ذلك مِن غير تعجيز أي لم يُعَجّز السيدُ المُكَاتَبَ فحينئذ يكن رِبًا واجبًا في الذمة، هذا الأمر الأول.

بعض أهل العلم يتساهل فيما يتعلق بين الأب وابنه؛ فيقول: يجوز الربا بين الأب وابنه بحيث أنّ الأب يكن هو الآخذ، وذلك بُنِيَ على أنّ الأب يجوز له أنْ يأخذ مِن مال ابنه، وهذا القول الحقيقة فيه نظر، فقهاؤنا لا يعتبرونه.

الأمر الثالث: أنّ بعض الفقهاء يتساهل في الربا بين المسلم والحربي، وهذه طريقة أبي حنيفة النعمان وهي رواية عن أحمد لكنها خلاف المشهور، فيجيزون الربا مع الحربي، قالوا: لأنه يجوز أَخْذُ ماله فيجوز الربا معه، هذا قول الحنفية، ولكنّ الجمهورَ أنه لا يصح.

الصورة الرابعة: أنّ بعض أهل العلم – وكله بعض ما عدا الأولى - أنّ بعض أهل العلم أجاز الربا بن المرء وبين بيت المال، يعني إذا كان الذي يُقْرِضُك بربًا هو بيت المال، مثال ذلك في زماننا: إذا كان البنك مملوكًا للدولة مئة بالمئة، فبعض أهل العلم يُجيز أنْ يُقرضك بيتُ المال بفائدة، والعكس، أو أنت تقرض الدولة بفائدة، مثال: إقراض الدولة بفائدة ما هو؟ ما يسمى بالسندات الحكومية، يوجد سندات شركات ويوجد سندات حكومية، تطرح بعض الدول سندات بالملايين تسمى السندات الحكومية تقول: أنا أسددها لك بعد عشر سنين وتصل إلى ثلاثين سَنَة أو أكثر، هذه السندات الحكومية مَن أجاز الربا بين المرء وبين بيت المال؛ فإنه يُجيز شراؤها، هذا قول لبعض أهل العلم، لكنّ الجمهور أنّ الصحيح أنه لا يجوز، فلا يجوز الربا بين المرء وابنه ولا بينه وبين بيت مال المسلمين ولا مع الكافر.

أنا ذكرتُ هذه الأمور مِن باب الاستطراد لنعرف المستثنيات، وأنا أقول لكم دائمًا: معرفة المستثنيات هذه مِن أهم المسائل، دائمًا اربطوا مسائل الفقه بعضها ببعض، إذا ربطت المسائل بعضها ببعض فتكون كما قال عمر: "واعرف الأشباه والنظائر، ثم قِسِ الأمور عند ذلك"(4)، هذا ما يتعلق به، أمّا الغَرَر فقاعدته في التوسع أوسع، فالغَرَر أصلًا جائز بين المسلم وبيت المال هذا أوسع، وهذه قاعدة ذكرناها قبل ذلك.

وليس له وطء مكاتَبَتِه ولا بنتها ولا جاريتها، فإنْ فعل فعليه مهرُ مثلِها، وإنْ ولدتْ منه صارتْ أمَّ ولدٍ، فإنْ أَدَّتْ عتقت


ليس له الوطء، لأنه هذا الوطء إتلاف، وهذا الإتلاف ليس له فعلُه مع المُكَاتَبة إلّا إذا رجع وعجّز المُكَاتب و المُكَاتَبَة.

وإنْ مات سيدها قبل أدائها عتقت وما في يدها لها إلّا أنْ تكون قد عَجزت فيكون ما في يدها للورثة


إلّا أنْ تكون قد عَجَزت أو عُجِّزَت – أنْ يُعَجِّزَها سيدها -.

ويجوز بيع المُكَاتَبِ لأنّ عائشة رضي الله عنها اشترت بريرة وهي مُكَاتَبَة لأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ويكون في يد مشتريه مبقًا على ما بقي مِن كتابته، فإنْ أدى عتق وولاؤه لمشتريه، وإنْ عجز فهو عبد، وإنْ اشترى المُكَاتَبان كلُّ واحد منهما الآخر، صحَّ شراء الأول وبطل شراءُ الثاني، فإنْ جُهِلَ الأول منهما بطل البيعان


بطل البيعان لأنّ الولاء لا يصح فيه التشريك بينهما فيبقى على الأصل - وهو عدم صحة البيعين -، فيبقى الولاء للأول، لأنه يترتب على هذا البيع - لو كان البيعان متعلقان بعين؛ فيمكن الاشتراك فيه - لكن الولاء لا يمكن الاشتراك فيه.

وإنْ مات المُكَاتَبُ بطلت المُكَاتَبَة وإنْ مات السيد قبله


بطلت المُكَاتَبَة ما معناها؟ أنه يصبح هذا العبدُ المُكَاتَب كلُّ ماله ملك سيده - ولو بذل أغلب المال -.

وإنْ مات السيد قبله فهو على كتابته يؤدي إلى الورثة وولاؤه لمُكَاتِبِه


هذا بناه المصنف على أنّ الكتابة عقد لازم وليس بعقد جائز، وإنْ كانت الرواية الثانية في المذهب – وهي القوية عند كثير مِن المتأخرين - أنّ الكتابة عقد جائز وليس بلازم.

والكتابة عقد لازم ليس لأحدهما فسخها


نصَّ عليها المؤلف هنا صراحة.

وإنْ حلَّ نجم فلم يُؤَدّه لسيده تعجيزُه


فيرجعه قنًا، ولسيده إنْظاره؛ فيقول: لا، يكون النجم هذا يبقى مع النجم الثاني.

وإذا جنى المُكَاتَب بُدِئ بجنايته


بُدِئ بجنايته فيباع وتُسدد قيمة الجناية مِن رقبته.

وإنْ اختلفَ هو وسيدُه في الكتابة أو عوضها أو التدبير أو الاستيلاد فالقول قولُ السيد مع يمينه


لأنّ القاعدة عندنا في مَن القولَ قولُه: "أنّ كلَّ مَن كان مستمسكًا بالأصل فالقولُ قولُه" والسيد مستمسك بالأصل وهو ثبوت عقد الرِّقّ، فإنْ قال هذا القِنّ: بل كاتبتني! فهو مستمسك بالأصل، أو قال: كاتبتني بعشرة فالقول قول السيد لأنه هو الذي معه الأصل وهكذا.

باب أحكام أمهات الأولاد


أم الولد مِن هي؟ هي الأَمَة إذا وطئها سيدُها فولدت منه ما استبانت خِلْقَتُه وهو أنْ يبلغ أكثر مِن ثمانين يومًا، فكل مِن استبانتْ خِلْقَتُه؛ فإنه حينئذ أمه الدم الذي يخرج منها يكون نفاسًا، والأمر الثاني: أنها تكون أم ولد، ولذلك يُعَبّرون دائمًا في هذه المسألة يقولون: إذا ولدت ما تكون به أم ولد، وسأتكلم عن مدته بعد قليل.

إذا حملتِ الأَمَة مِن سيدها فوضعت ما يتبيّن فيه شيء مِن خَلْقِ الإنسان صارت بذلك له أم ولد تعتق بموته وإنْ لم يملك غيرها


يقول الشيخ: إذا حملت الأَمَة مِن سيدها بأنْ وطئها سيدُها وطئًا، طبعًا ليس بعقد، لأنه لو تزوجها أصلًا لا يصح زواجُه منها لأنّ الملك أقوى مِن النكاح فيدخل الصغر في الأكبر، هذه قاعدة، عندنا قاعدة فقهية "أنّ الأضعف يدخل في الأقوى" كما أنّ الحدث الأصغر يدخل في الحدث الأكبر، فكذلك في قضية النكاح مع عقد الملك، يقول: إذا حملت الأَمَة مِن سيدها فوضعت ما تبيّن فيه شيء مِن خَلْقِ الإنسان، الفقهاء يقولون بأنْ يكون أكثر مِن ثمانين يومًا، وبعض فقهاء المذهب يقول – وهو الذي عليه العمل الآن - أنّ ما يتبيّن به خَلْقُ الإنسان أحدُ أمرين: الأمر الأول: أنْ يكون فوق الأربعين يومًا، وينظر إليه؛ فيرى في شكله هيئة بَدْء التخلق كاليدين والرجلين مثلًا أو الرأس ونحو ذلك، إذًا كل مَن كان بعد الأربعين ولو قَبْلَ الثمانين فقد تستديم خلقتُه، وهذا مبنيٌّ أنه قد جاء في بعض روايات الحديث ثم يكون مضغة في مثل ذلك، ليس عند تمام الأربعين وإنما في الأربعين التي تكون بين الأربعين والثمانين، ولذلك في الطِّبِّ الحديث يقول: إنّ التخلق للجنين يبدأ غالبًا في نحو واحد وخمسين يوم أو اثنين وخمسين يوم وقد ينقص يوم، وهناك مَن يتخلق في تسع وأربعين يوم، لكنْ جزمًا إذا وصل الثمانين؛ فإنه يكون قد تَخَلّق، إذًا نعرف التخلق بأحد أمرين، الأمر الأول: أنْ يُرى هذا الجنين، بشرط أنْ يكون طبعًا قد جاوز الأربعين قطعًا، يعني أصلًا لا يمكن قبل الأربعين أنْ يتخلق، لا يمكن إلّا أنْ تكون المرأة مخطئة في الحساب، لا بُدّ أنْ يكون بعد الأربعين، وأنْ ينظر القوابل إليه، انظر القوابل إليه، فوجدوا فيه بدء خَلْقِ آدميّ يدينن ورجلين وهكذا، الأمر الثاني: أنْ يكون قد جاوز الثمانين، يعني واحد وثمانين فأكثر وإنْ لم يرى، أحيانًا المرأة تجري تنظيفًا - الذي يعرف التنظيف؛ والذي لا يعرف يسأل - قد تعمل تنظيف فيتقطع الجنين؛ فتسأل المرأة هل رأيتموه؟ يقولون: ما رأينا إلّا قطع لحم مقطعة! لم نرى شيئًا! فلم يعرفوا خلقة الآدمي ابتداءً مِن غيره! فنقول: كم عمر الجنين؟ فإنْ جاوز الثمانين فقد نحكم بأنّ مثلها تكون أمًا لولد، هذا مقدار الحمل تترتب عليه أحكام، منها ما ذكرتُ لكم قبل قليل أنّ أمه تكون أم ولد، منها ما ذكرتُ لكم قبل قليل أنّ الدم الذي يخرج مِن المرأة إذا كان الجنين الذي خرج منها تكون به أم ولد يكون دمَ نفاس، وإنْ كان قبل ذلك فإنّ الدم يكون دم استحاضة، منها أنّ الولادة هذه تخرج بها المرأة مِن العدة إذا كانت مطلقة، إذًا أحكام كثيرة تتعلق بمعرفة سِنّ المولود.

قال: صارت بذلك أم ولد، نسميها أم ولد سواء أكان المولود ذكرًا أو أنثى، سواء كان حيًا أو ميتًا، ولد حيًا ثم مات أو ميتًا قبل أنْ يولد، فمادام قد وصل الثمانين وجاوزها أو استبانت فيه خِلْقَة الآدمي فإنها تُسمى أم ولد؛ تعتق بموته مباشرة وإنْ لم يملك غيرها، فيكون عتقُها مِن رأس المال، لماذا؟ لأنّ الشرع متشوف للعتق، فكأنّ - انظر معي - فكأنّ هذه الأم ولدت ولدًا حيًا؛ فلما مات سيدُها ملكها ولدُها، والمرء إذا ملك أمه عتقت عليه، فكأنها ولد هذا الشيء فلذلك إنّ أم الولد تعتق مِن رأس المال، لا نقول: مِن الثلث! وإنما مِن رأس المال، بخلاف المدبر، المدبر يعتق مِن الثلث.

وما دام حيًّا فهي أمته؛ أحكامها أحكام الإماء


وما دام حيًّا، هل المقصود المالك أم الولد؟ المالك، ما دام المالك حيًّا، طبعًا خذوا هذه القاعدة، الفقهاء يتعمدون في المختصرات الفقهية كثرة الضمائر - سواء المخفية أو المظهرة -، يتعمدون عمدًا، يعني مقصودًا عندهم هذا الشيء، لماذا؟ منها هذا الشيء، أنّ الذي في أثناء الدرس يكون مُسَرّحًا يرجع له ذهنُه ليعيد الضمائر إلى محلها، لأنّ العلم إذا كان سهلًا صدقني أنّ الناس لن يتحصلوا عليه! الشيء السهل لن يتحصلوا عليه! الآن لَمّا صارت عندنا آلة حاسبة أغلب الطلاب ما يحفظ جدول الضرب لأنه أصبح سهلًا، لكنّ العلم إذا كان لا يُنال إلّا بالسهر وبتعب وبكَدّ الذهن وبذل الغالي والنفيس ولا يناله أيُّ أحد؛ هنا يبدأ الشخص يُحصّل العلم حقيقة ويتعب فيه، ولذلك العلماء تقصدوا الضمائر لكي يَكَد المرء ذهنه في عَوْدِها فيفهم المسألة أكثر، لو كانت واضحة قرأها بسرعة وضحت له؛ فينساها بعد قليل، لكن لو كَدّ ذهنَه في حل ألفاظها وعود ضمائرها؛ فإنه حينئذ ما الذي سيحدث؟ سيفهم المسألة لأنه جلس في هذا السطر خمس دقائق، خمس دقائق في سطر واحد حتى فهمته! فيبقى في ذهنك لن تنساه واضح، إذًا لا تقل: إنّ المختصرات صعبة! بل إنّ مِن آفة العلم - كما ذَكَرَ بعض العلماء الشافعية في القرن السابع – "تسهيل العلم" هذا آفة العلم، ويدل على أنّ تسهيل العلم هو مِن آفاته أنّه جاء في بعض الأخبار والأحاديث أنّ في آخر الزمان "يقرأ القرآن كلُّ أحد، ويحفظ القرآن كلّ أحد، حتى يحفظه الصبيُّ والمرأةُ وكلُّ أحد"(5) كلُّ الناس يحفظون القرآن، أصبح سهلًا! لكن هل العلم في آخر الزمان أفضل أم العلم في أوله؟ في الأول، إذًا سهولة العلم ومَن ينادي دائمًا بتسهيل العلم أصاب مِن وجه وأخطأ مِن وجه، فليس تصعيبُ العلم عيبًا بل قد يكون ميزة لطالب العلم - وليس لعامة الناس -، طالب العلم يجب أنْ يتعب ويسهر الليل ويكدّ ذهنه فيه كدًّا شديدًا، وضربنا مثالًا بجدول الضرب، جدول الضرب نفس الفكرة، هل أحد يحفظ جدول الضرب الآن؟ لأنّ الجوال معك فيه آلة حاسبة إلّا مَن نَدَر.

أحكام الإماء في حِلّ وطئها وملك منافعها وكسبها وسائر الأحكام


يجوز وطؤها ويجوز تزويجها لغيره وهكذا.

 إلّا أنّه لا يملك بيعها ولا رهنها ولا سائر ما ينقل الملك فيها أو يُراد له


قال: ولكن لا يجوز بيع أم الولد، لا يجوز بيعها مطلقًا، ولا يجوز رهنها، لأنّ رهنَها قد يقتضي بيعَها إذا لم يُسدد الدين! فإنّها تُباع حينئذ ويُسدد بها الدين - كما مرّ معنا في باب الرهن -، فلا يجوز رهنها، لأنّ الرهن قد يكون مظنة لبيعها، قال: ولا سائر ما ينقل الملك فيها، كالهبة مثلًا وكالهبة بقصد الثواب، أو غير ذلك، قال: أو يُراد له ذلك.

وتجوز الوصية لها وإليها


وتجوز الوصية لها بأنْ يوصي امرؤ بثلثه لأم ولده، وإليها بأنْ يُوصى إليها، فيقول الرجل: أوصيتُ إلى أم ولدي أنْ تكون وليّةً على أولادي القُصّر في مالهم، فيجوز الوصية لها وإليها، لماذا؟ لأنّ الوصية لها وإليها إنّما هي في حال عتقها لأنها تعتق عند وفاته، مباشرة حين يموت تعتق، فتكون حينئذ مُعتقةً.

فإنْ قتلتْ سيدَها عمدًا فعليها القصاص، وإنْ قتلته خطأً فعليها قيمة نفسِها وتعتق في الحالين


قال: وإنْ قتلتْ سيدَها عمدًا فعليها القصاص، أي يجب عليها أنْ تُقتص به، وهذا واضح، النفس بالنفس، قال: وإنْ قتلته خطأً فعليها قيمةُ نفسها، وتعتق في الحالين، لماذا قلنا: عليها قيمة نفسها وليس عليها الدية؟ أولًا لأنّها أصلًا ليس عليها عاقلة، ومَن لا عاقلة عليه لا يقومون مقامه في خفض الديات، هذا واحد، الأمر الثاني: أنّ القاعدة عند أهل العلم أنّ العبد إذا جنى على غيره؛ فإنّه يَدفع، تكون الدِّيَة متعلقة برقبته، فتكون أصل الجناية أو الدِّيَة متعلقة برقبته، كيف؟ عبدٌ قتل زيدًا مِن الناس خطأ؛ فهذا القتل أو أرش الجناية تكون متعلقة برقبته، فيباع هذا العبد ثم تُسدد به القيمة لهذا الذي جُنيَ عليه، هذا هو الأصل، إذًا الدِّيَة دائمًا متعلقة بالرقبة، هنا لَمّا قلنا: إنّها تعتق، قال: إنّها تدفع قيمتها لأنّها عتُقت، لمّا قتلته عتقت، لكنّها تدفع القيمة كما لو كانت أمَةً، فباعتبار وقت ابتداء الجناية، وعتقت باعتبار نهاية الجناية.

وإنْ وَطِئ أَمَة غيره بنكاح ثم ملكها حاملًا عتق الجنين وله بيعها


يقول: وإنْ وَطِئ أَمَة غيره بنكاح، يعني بنكاح صحيح، ثم ملكها حاملًا، اشترى زوجتَه التي كانت رقيقة، طبعًا الأصل الرجل لا يجوز له أنْ يتزوج إلّا أن يكون عاجزًا الطول، ثم ملكها حاملًا ثم ولدت على فراشه عَتَقَ الجنين، وله بيعُها، أي وله بيعُ هذه الأَمَة.

بذلك أنهينا كتاب المواريث والعتق، بعد غدٍ بمشيئة الله عزّ وجلّ نبدأ بكتاب النكاح.

أرجع فقط لمسألة - التي جعلناها واجبًا – هناك أحد حلّ هذه المسألة أو أحلُّها، في كتاب الوصايا: وإنْ كان معه ذو فرض كالأم صححت مسألة الورثة بدون الوصية مِن ثمانية عشر وزدتَ عليه مثل نصيب ابنٍ فصارت مِن ثلاث وعشرين، هناك أحد حلَّها؟؟ طيب، أريدها حلًّا عن طريق شبكة.

الشيخ القارئ – جزاه الله خيرًا – قال: نريد أنْ نؤخرها إلى بعد الفرائض لأنها مبنية على علم الفرائض.

يقول الشيخ أبو محمد: ولو وصى بمثل نصيب أحدهم، رجل مات وله ثلاثة أبناء - كما سبق في المثال السابق - له ثلاثة أبناء، قال: ووصى بمثل نصيب أحدِهم، ما معنى هذا الشيء؟ يعني موصى له بنصيب، إذًا ووصى بمثل نصيب أحدهما ولآخر - شخص ثاني - بسدس باقي المال، ركّز معي، بسدس باقي المال، ما معنى سدس باقي المال؟ يعني السدس الذي يبقى بعد خروج نصيب المُوصَى له فقط، ليس كل المال! بعد أنْ يخرج الورثة والمُوصَى له! لا، نقول: أخرج نصيب المُوصَى له وحده، ثم انظر السدس الباقي المال كله حتى ولو لم تعط أبنائي نصيبهم فأعطه سدسه، إذًا الثالث نسميه ماذا؟ نقول: مُوصَى له بالسدس، ركزوا معي في حلّ هذه المسألة، نبدأ بإخراج السدس، نقول: الذي له سدس واحد وثلاثة الأبناء والمُوصَى له بالنصيب خمسة، كي نخرج صاحب السدس، معًا جميع الأبناء لم نقسم بعد الفرائض! هذه قسمة عقلية، الأبناء جميعًا مع المُوصَى له بالنصيب كلهم يأخذون خمسة والمُوصَى له بالسدس أعطيناه واحدًا، لماذا؟ لأنّه قال: أعط هذا سدس الباقي بعد إخراج النصيب، فكأننا قلنا: النصيب زائد الورثة سدسُه واحد مِن ستة قطعًا، إذًا أخرجنا الوصية الثانية، بقي عندنا الوصية الأولى، ما وضحت لكم هذه المسألة؟؟ ما وضحت! انظر معي، يقول: ولو وصّى بمثل نصيب أحدهم، الأول وصّى له بمثل نصيب أحد أبنائه، نحن قلنا: لو كان ثلاثة أبناء فقط وموصى له بمثل النصيب؛ فالمسألة مِن كم؟ مِن أربعة، لأنّها تقسم هكذا، أمّا إذا كان معهم مال فلها حساب آخر، طيب، قال: ولثانٍ أوصى له بسدس باقي المال، قال: أَخرج نصيبَ الأول الذي أوصيتُ له بنصيب، ومالي بعد إخراج نصيب الأول أعط الثاني السدسَ، بعد إخراج نصيب الأول، يعني أول شيء أخرج هذا رقم اثنين ثم أعط الثالث، لمّا نريد أنْ نقسمها ماذا نفعل؟ نبدأ بالثاني صاحب السدس لأنّه مريح، فنقول: له السدس واحد مِن ستة والباقي خمسة يكون بين الأبناء الثلاثة والمُوصَى له بنصيب، ما وضحت؟ لم أبدأ بَعْدُ بالفرائض، ما بدأنا بالصعب الآن! هذا السهل، الشبكة الثانية والثالثة هي الصعبة يا شيخ، امشوا معي الآن، هذا الآن يقول: أعط اثنان السدس، بعدما تعطي الرجل نصيبَه أعطه السدس، طلعنا له سدس المال، طيب، ثم بعد ذلك ماذا نفعل؟ نخرج نصيب الأبناء، الأبناء ثلاثة والمسألة مِن خمسة، أو نعدلها لكم لكي نفهمها - أنا فهمتُ إشكالك الآن -، لنكتبها هكذا، للأبناء خمسة، ولِمَن له نصيبٌ نسميه نصيب "س" بعلم الجبر الحديث نسميها "س"، طيب، الأبناء خمسة، هي مِن ستة هنا، صح؟ تنقسم على ثلاثة عدد رءوسهم؟ لا، لا تنقسم، إذًا تكون مِن ثمانية عشر، فيكون لكل واحد خمسة مِن خمسة عشر، وصاحب السدس يضرب بثلاثة، طيب، المُوصَى له بنصيب لمّا كان نصيب كل واحد مِن الأبناء خمسة؛ إذًا المُوصَى له بنصيب كم يأخذ؟ خمسة، اجمع خمسة عشر للأبناء زائد خمسة، عشرين، زائد ثلاثة، ثلاثة وعشرون، ولذلك قال المصنّف: فصارت مِن ثلاثة وعشرين، كيف جاءت الثلاثة وعشرين؟ أولًا طلعنا السدس - سدس المُوصَى له بالسدس - وهو الثاني، ثم بعد ذلك أبقينا الخمسة والنصيب، ثم جعلنا للأبناء صححنا مسألة لنعرف نصيب كل واحد مِن الأبناء ثم أعطينا الابن مثل ذلك، طبعًا عندي هنا سؤال، في هذه المسألة، فَكّر فيها، في الأرقام النهائية التي هي ثلاثة وعشرين فيها شيء، مَن يستطيع أنْ يكتشفه؟ الحل انتهى، هذا هو حلها، لكنْ فيها شيء آخر ليس له تعلق بالفرائض؛ وإنّما له تعلق بالوصية، تأملوها، مِن المُوصَى له؟ كم واحد؟ اثنان، كم أخذوا؟ ثمانية مِن ثلاث وعشرين، هل هي أقل مِن الثلث أم أكثر؟ أكثر مِن الثلث، فنقول: هذه لا بدّ فيها مِن إجازة الورثة؛ فإنْ لم يُجِزِ الورثة ذلك رجعنا عليهم بالنقص، فنقول: ننظر كم الثلث؟ نضربها حينئذ في ثلاثة ثم نعطي المُوصَى له بنصيب خمسة مِن ثمانية ونعطي المُوصَى له بالسدس ثلاثة مِن ثمانية مِن الثلث فقط! هي مسألة حسابية محضة.

- سؤال – من الطالب -: ما يصير للمُوصَى بسدس الباقي يكون له سدس الثلاثة أرباع؟

أي ثلاثة أرباع؟!

- إذا أجازوا أم لم يجيزوا؟

يكون الأولاد الثلاثة مع الرابع الموصى الأول لهم القسمة متساوية يخرج نصيب هذا فيبقى باقي الثلاثة يؤخذ سدسُه؟

لا، ما معنى هذا الكلام؟ انتبهوا معي، انظروا معي، إذا فهمت أول شبكة انحلّ الباقي، المُوصَى له بالسدس ماذا يقول؟ يقول: أوصي أنا - أيها الميت - لزيد – هذا الثاني نسميه زيد والأول عمرو -، أولًا أوصيتُ لعمرٍ بنصيبٍ، ما هو النصيب؟ يعني مثل واحد مِن عيالي أوصيتُ له بنصيب أحدِ أبنائي، طيب، هذا النصيب إذا أُخرج مِن التركة فالسدس الباقي يكون لزيد، فالسدس الباقي بعد إخراج النصيب يكون لفلان، هذا معنى كلامه، وبناءً على ذلك فإنّ المسألة تكون مِن سدس لزيد ونصيب لعمر وهو "س" والباقي للأبناء وهم خمسة، فتكون مِن خمسة، ثم تصحح بهذه الطريقة.

نحلّ الثانية أم تكفي الأولى؟ الثانية سهلة جدًا - إنْ شاء الله - لأنّ الثالثة مبنية على الثانية، أحلُّ الثانية ثم الثالثة لأنها سهلة جدًا.

الثانية ماذا يقول؟ يقول الشيخ: وإنْ كانت وصية الثاني بسدس باقي الثلث، يعني له ثلاثة أبناء، والأول نفس الشيء له نصيب، موصى له بنصيب، والثالث موصى له بسدس باقي الثلث، انظر معي، سدس الثلث كم؟ بالحساب الكفيّ، واحد على ثمانية عشر، نفس المسألة التي مرت للتو، الآن للتوّ مسألتنا مِن كم؟ قلنا: السدس، فجعلنا أول مسألتنا مِن ستة، هنا نجعل المسألة مِن ثمانية عشر، أول مسألة نجعلها مِن ثمانية عشر، لماذا؟ لأنّ سدس الثلث هو واحد مِن ثمانية عشر، فنقول: مِن ثمانية عشر، للموصى له بباقي الثلث واحد، واحد مِن ثمانية عشر، وللأبناء الثلاثة سبعة عشر، وللمُوصَى له بنصيب "س" قل: "س"، أو قل: مجهول، أو قل: نصيب أو سَمِّه ما شئت، طبعًا نجمع هؤلاء على بعض، فنقول: المُوصَى له يعتبر واحدًا والأبناء ثلاثة يعبرون أربعة رءوس، أربعة ضرب ثمانية عشر أربعة كم؟ المجموع اثنان وسبعون، إذًا المسألة تصح مِن كم؟ كما قال الشيخ(6)؟ على العموم هي تكون مِن ثمانية وستين، لا بُدّ أن تكون ثمانية وستين، إذًا اضرب في ثلاثة بدل أربعة، اضرب في ثلاثة ثم تضيف له الباقي، نفس طريقتنا السابقة، تضيف لها الواحد، إذًا عمومًا كما ذكر الشيخ أنها مِن تسع وستين.

وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمد


(1) النور: 33.
(2) النور: 33.
(3) السنن الكبرى للنسائي (5017).
(4) سنن الدارقطني (4471).
(5) صحيح. أبو داود (4611) موقوفًا على معاذ، وصحح إسناده الشيخ عبد القادر الأرناؤوط رحمه الله في تحقيق جامع الأصول.
(6) هنا كلام متداخل بين الشيخ والطلاب حول الرقم الصواب.


 مواد ذات صلة: