موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح عمدة الفقه لابن قدامة

  

باب موانع الميراث وباب مسائل شتى

باب موانع الميراث: وهي ثلاثة


بدأ يتكلم الشيخ عن موانع الإرث، فبيّن أنّ موانع الميراث ثلاثة، أي التي تجعل المرء لا يرث، وإنْ كان مِن ذوي السبب أو النسب، السبب كالقرابات في النسب، والسبب كالزواج.

أحدها: اختلاف الدين، فلا يرث أهلُ ملةً أهلَ ملةٍ أخرى لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يرثُ المسلمُ الكافرَ ولا الكافرُ المسلمَ»(1)


نعم حُكي الاتفاق على هذه المسألة وهو أنّ اختلاف الدين يمنع الإرث، فإذا كان المورث مسلمًا أو الوارث مسلمًا والآخر كافرًا - مهما كانت ملته كتابيًا أو غير كتابي - فإنّه لا يرث منه، حُكي إجماعًا أقول، ولم أقل: إنّه إجماع! لماذا؟ لأنّ فيه خلافًا متقدمًا وهو لمعاوية وجاء أيضًا عن بعض الصحابة كمعاذ وغيره، ونصّ عليه أحمد في بعض المسائل فقد نقل الخلّال في ثلاث مسائل في كتاب "أحكام أهل الملل" أنّ أحمد قال: "يرث المسلم الكافر ولا العكس" الكافر لا يرث المسلم، وهذا القول - وهو أنّ المسلم هو الذي يرث الكافر - انتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية وبالقوة وتلميذه، قالوا: وأمّا الحديث «لا يرث المسلمُ الكافرَ»(2) فهو محمول على أنّ الكافر إذا كان حربيًا لا يُورث وأمّا إنْ كان غير حربي فإنّه يورث، والحقيقة إنّ هذا القول الذي أفتى به الشيخ تقي الدين فيه مصلحة لكثير مِن حديثي العهد بالإسلام، فإنّ كثيرًا مِن حديثي العهد بالإسلام قد يكون أبواه أغنياء وهو مِن الفقر والحاجة في مسكنةٍ كبيرة؛ فكيف يكون أنه في مسكنة ويأخذ مِن مال الزكاة؛ مع إنّه يمكن أنْ يأخذ مِن مال أبويه؟؟ طبعًا أنا استدل لِمَن قال بالقول الثاني ولا أنتصر له، قال: أنتم تقولون: لو أوصى له أبوه بمالٍ مِن باب الوصية جاز له أنْ يأخذ الوصية؛ فلم لا يأخذ المال ميراثًا؟؟ والحقيقة إنّ هذا القول - القول الثاني -فيه مصلحة لكثيرٍ مِن المسلمين خاصة حديث العهد في البلدان التي يكون المسلمون فيها أقليةً، ولذلك يفتي به كثير مِن أهل العلم المعاصرين في هذه المسألة، إذًا هذا الحديث «لا يرث المسلم الكافر» الجمهور على العموم، والقول الثاني أنّه خاصٌّ - كما ذكرتُ لكم - بالكافر الحربي الذي يكون الموالاة الظاهرة والباطنة منفيتان، لأنّ الشيخ تقي الدين فَصَّل أنّ الموالاة نوعان - موالاة المؤمن للكافر نوعان - ظاهرةٌ وباطنة، فأمّا الحربي فإنّه لا يُوالى لا ظاهرًا ولا باطنًا، وأمّا غير الحربي فإنّه يُوالى ظاهرًا لا باطنًا، فرْق بين الموالاة الظاهرة والباطنة، ولذلك حتى في مسائل الاعتقاد يجب أنْ نفرق بين الموالاة الظاهرة والباطنة، وبعض الناس يظن أنّ كل موالاة تكون كفرًا! هذا خطير جدًا، وهو جهلٌ بأحكام الشرع، بل إنّ هناك فرْق بين الموالاة الظاهرة والباطنة.

ولقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يتوارثُ أهلُ ملتين شتى»(3)، والمرتد لا يرثُ أحدًا وإنْ مات فماله فيء


قال: والمرتد لا يرث أحدًا مِن قرابته - سواءً كانوا مسلمين أو غير مسلمين -، بل حتى لو كانوا مرتدين مثله، لأنّه لا يُقَرّ على دينٍ أساسًا، قال: وإنْ مات فماله فيء، لم يقل: إنه يورث! لأنه يكون فيئًا؛ فيوضع في بيت مال المسلمين للمصالح، وليس بيت مال المسلمين وارثًا - على المذهب - خلافًا للشافعي، ولذلك يقول: يوضع، وإنما هو جهة توضع فيها المال للمصلحة، جهة ومصلحة، وليس وارثًا، ولذلك لَمّا عَدّدوا الوارثين لم يذكروا من بينهم بيت المال! وهم منضبطة قاعدتهم، وأما مَن يرى أنّ بيت المال يرثُ؛ فإنه يراه في الرَّدّ، في مسألة لا رَدّ فيها، أو يرى في مسائل عدم توريث ذوي الأرحام، هو الذي يجعل بيتَ المال وارثًا، وأمّا نحن فنقول: لا، بيت المال ليس وارثًا، وإنما يُجعل فيه للمصلحة.

الثاني: الرِّق، فلا يرث العبدُ أحدًا، ولا مال له يورث


قال: الرِّق، فلا يرث العبدُ أحدًا، لأنه الحقيقة ليس هو الوارث وإنما الذي سيرث سيده، وهو ليس مِن الورثة! لذلك لا يرث العبد، قال: ولا له مال يورث، لأنه ليس له ملك، وإنْ مَلَّكَه سيده لأنّ ملكه ناقص، ولذلك لا تجبُ عليه الزكاة وإنما تجب الزكاة على سيده.

ومَن كان بعضُه حُرًّا وَرَثَ ووُرِّثَ


قال: ومَن كان بعضُه حُرًّا، هذا الذي يسمى المُبَعّض، بأنْ يُعتق بعضُه دون بعض، ولا يسري العتق إلى باقيه، لأنّ مِن أعتق شركًا له مِن عبد سرى إلى الباقي، لكن في حالات معينة ربما يشار لها في مسائل نادرة الوجود قد يعتق بعض الحرّ دون بعضه، قال: وَرَثَ ووُرِّثَ وحَجب بقدر ما فيه مِن الحرية، يعني بالتبعيض، وهذا يسمى التبعيض.

الثالث: القتل، فلا يرثُ القاتلُ المقتولَ بغير حق، وإنْ قتله بحق – كالقتل حدًّا أو قصاصًا أو قتل العادلُ الباغي عليه - فلا يمتنعُ ميراثُه


قال: الثالث مِن موانع الإرث القتل، لقوله صلّى الله عليه وسلّم في أكثر مِن حديث: «لا يَرِثُ القاتلُ شيئًا»(4)، قوله: فلا يرث القاتلُ المقتولَ بغير حق، المصنف أطلق، فسواء كان قتله عمدًا أو شبه عمد أو خطأ فكل الأنواع الثلاثة تمنع الميراث بلا استثناء، هذا هو مشهور المذهب، وهو الذي عليه الفقهاء، وقد كان مقضيًا به إلى عهد قريب إلى نحو عشر سنوات، ثم صدر قرار مجلس القضاء بأنّ القتلَ الخطأ لا يمنع الميراث – على الرواية الثانية مِن المذهب، وهي التي وافقتْ قول المالكية -، ولكن مشهور المذهب أنّ كل أنواع القتل الثلاثة تكون مانعة للإرث لعموم الحديث، قال: وإنْ قتله بحق فإنه لا يُمنع ميراثَه، ومثّل بحق القتل حَدًّا سواء كان القاتل هو المباشر للقتل كالسياف مثلًا أو القاتل هو الحاكم به، لأنه متسبب، نحن عندنا قاعدة إذا اجتمع المتسبب والمباشر أَخَذَ حكم المباشر إلّا إذا انتفى عنه فينتقل إلى المتسبب، فالقاضي الذي حكم وأَمَرَ بالتنفيذ هو في الحقيقة قاتل، ومع ذلك فإنّ هذا الحكم بالقتل لا يمنع الميراث، قال: أو قصاصًا، أي ولو كان القتل قصاصًا، مثال ذلك: رجل قتل أخاه؛ فحُكِمَ عليه بالقتل، فجاء أخوه الثالث فقال: نعم يقتل، فقُتِلَ بإذنه فيكون متسببًا أو باشر هو القتل مِن باب القصاص، فنقول: قَتَلَه ويرثه كاملًا، يرث كلَّ ماله لأنه قتله بحق، طيب، لاحظ هنا، المصنف قال: قتله حَدًّا أو قصاصًا، بقي نوع ثالث مِن القتل - الذي يُعتبر قتل حق عن طريق الحكم القضائي - القتل تعزيرًا، أنا أسأل لماذا الشيخ، وأنتم تعلمون إذا أطلق "الشيخ" عند الحنابلة ما المقصود بها؟ صاحب هذا الكتاب - نحن دائمًا نقول: الشيخ الشيخ الشيخ إلّا لَمّا جاء صاحب "الإقناع" غَيّر المصطلح، فجعل الشيخ مَن؟ الشيخ تقي الدين، وأمّا أغلب العلماء فإنهم إذا أطلقوا الشيخ فإنهم يعنون به صاحب هذا الكتاب "أبو محمد"، طيب، الشيخ رحمه الله تعالى لماذا لم يذكرِ القتل تعزيرًا؟ لأنّ المذهب المجزوم به أنه لا يجوز التعزير بالقتل، وإنما التعزير إمّا بالجلد أو نحوه كالحبس ونحوه، ولا يجوز عندهم التعزير بالقتل، قال: أو قتل العادلُ الباغي، الباغي هنا له صورتان، إمّا قتل للصَّائِل أو قتل مقاتلة، انظر قتل أو مقاتلة، القتل للصَّائِل، الصَّائِل يسمى باغٍ، رجل صال على شخص ليعتدي عليه أو على عرضه؛ فيجب عليه أنْ يدفع عن نفسه أو عن عرضه بالقتل، فإنْ صال عليه ليفسد ماله الذي يتضرر بإتلافه جاز له دفعُه؛ فإنْ لم يندفع إلّا بالقتل جاز له قتلُه، أمّا الوجوب فهو إذا صال على نفسه أو صال على عرضه - وهذا سيأتي إنْ شاء الله في باب آتي-، هذا يسمى الصَّائِل لأنه باغٍ فرد، هذا باغٍ فرد ويسمى صائل، باغي الجماعة لا يقتل فردًا وإنما يقاتل، فإذا بغت جماعة واعتدوا وكانت لهم شوكة وتأويل سائغ فحينئذ يُقاتَلون ولا يُقتلون، ما معنى يقاتلون؟ يعني يقاتلون - كما سيأتي إنْ شاء الله في باب قتال أهل البغي - لكن لا يؤتى إلى أحدهم فيقتل على سبيل الانفراد، لأنه مِن باب الرأفة بهم لعلهم أنْ يرجعوا، فمَن قُتِلَ في أثناء المقاتلة فدمُه هدرٌ ولا يمنع الإرثَ.

باب: مسائل شتى


قال: باب مسائل شتى، يذكرها في هذا الباب، مثل الحَمْل والمفقود وغيرها.

إذا مات عن حَمْل يرثه وقفتَ ميراث اثنين ذكرين إنْ كان ميراثهما أكثر؛ وإلّا ميراث اثنتين وتعطي كل وارث اليقين وتقف الباقي حتى يتبين


يقول: إذا مات ميت ومِن ورثته حَمْل، نحن نعلم أنّ الإنسان قبل ثبوت أنْ يكن جنينًا في بطن أمه لا أهلية له لأنه نطفة لا قيمة له مادام لم يكن جنينًا، فإنْ أصبح جنينًا في بطن أمه ولو ابن يوم؛ فإنّ له أهلية وجوب، لكنها ناقصة، فإذا وُلِدَ أصبحت أهلية الوجوب له كاملة، انتبه معي وسأرجع بعد قليل للوجوب، فإذا صار مميزًا اكتسب أهلية الأداء الناقصة، فإذا بلغ عاقلًا رشيدًا صارت له أهلية الأداء كاملة، إذًا أربعة أشياء، أهلية وجوب ناقصة ثم أهلية وجوب كاملة ثم أهلية أداء ناقصة ثم أهلية أداء كاملة، أهلية الوجوب الناقصة يعني يتملك لكنها ليست تملكًا كليًا! موقوف، مثل ما سيأتي معنا بعد قليل، فلذلك يوقف للحمل فوجب له الحق، فإذا وُلِدَ حيًا صارخًا ثبت كامل ملكه، والأداء هو التصرف – وقد تكلمنا عن التصرف في أول الباب(5) –، لو أنّ شخصًا مات وله مِن ورثته حَمْل كابن له في بطن أمه أو أخ له في بطن زوج أبيه أو نحو ذلك؛ فنقول حينئذ: لو انتُظر هذا الحمل ولم تقسم التركة حتى يخرج ويولد انتهت المشكلة، لا نحتاج أي مشاكل، لكن إنْ قال باقي الورثة لا والله! الحمل طويل! تسع شهور! أو ربما زاد عن ذلك لأنّ أكثر العلماء يقولون: إنّ الحمل أقصى مدة له يصل إلى كم؟ أربع سنوات، ما دليلهم في ذلك؟ الوجود، نساء بني عدنان كما قال مالك، وسيأتي - إنْ شاء الله - في باب النكاح غدًا أو بعد غد، إذًا هذا ما يتعلق بالميراث، قال الورثة: نريد القسمة، فما هي طريقة القسمة؟ نقول: نجعل لورثة الميت والحمل حالتان، نعتبر أحيانًا ذكرين وأحيانًا نعتبره انثيين بنتين، ثم نقسمها، فننظر ما هو الأكثر فنبقيه، وما هو الأقل فنعطيه للورثة مِن الحالتين.

وإنْ كان في الورثة مفقود لا يُعرف خبرُه أعطيتَ كل وارث اليقين، ووقفتَ الباقي حتى يُعلم حالُه؛ إلّا أنْ يُفقد في مهلكة أو مِن بين أهله فيُنتظر أربعة سنين ثم يقسم


بدأ يتكلم المصنف عن ميراث المفقود، وميراث المفقود الذي فُقِد فلم يُعلم خبرُه، لا يعلم أين، هو يُعرف بلده لكن لم يتصل خبره، هذا ليس بمفقود! المفقود الذي لا يُعرف أين هو قال: إنّ له حالتان: الحالة الأولى: أنْ يُفقد في مهلكة، والحالة الثانية: أنْ يُفقد في غير مهلكة، أنْ يُفقد في مهلكة مثل أنْ يكون ذهب في البحر وغرقت السفينة، هذا يسمى مهلكة، أو فُقِدَ مِن بين أهله، لم يقل: أنا خرجتُ من البيت! فجأة افتقدوه، جالس معهم يتعشى؛ وعلى الفجر لم يجدوه! قبل ساعتين معهم! إذًا معنى ذلك أنّ الرجل قُتل في الغالب وأُخفي، احتمال كبير جدًا، لا يمكن أنْ يكون رجل يخرج مِن بيته مِن غير سبب وهو معهم! لذلك يُعتبر بمثابة المهلكة، الحالة الثانية: أنْ يكون مِن غير مهلكة، في مهلكة فإنه يُنتظر ولا يحكم بوفاته إلّا إذا بلغ السبعين مِن عمره، وقيل: التسعين، وسيأتي إنْ شاء الله في باب المفقود، الشيخ ماذا يقول؟ إذا كان المفقود لا يُعلم خبرُه تقسم التركة؛ فيُعطى كلُّ وارث اليقين، ووقفتَ الباقي حتى يُعلم حالُه، يعني تقسم التركة؛ فإذا تيقنت أنّ أحدًا مِن ورثته سيكون وارثًا في هذه الحال فحينئذ يُعطى وإلّا فيوقف، قال: إلّا أنْ يُفقد في مهلكة أو مِن بين أهله فيُنتظر أربع سنين ثم يُقسم ماله بعد ذلك، طبعًا هذا الكلام بناءً على ما مشى عليه المصنف، والآن طبعًا العمل القضائي على خلاف ذلك.

وإنْ طلق المريضُ في مرض الموت المَخُوْف امرأتَه طلاقًا يُتهم به بقصد حرمانِها مِن الميراث؛ لم يسقط ميراثُها مادامت في عدته


تكلم المصنف عن ما يسمى بطلاق الفارّ، وهو الذي يطلق امرأته وهو في مرض مَخُوْف، وسبق معنا ما هو المرض المَخُوْف، فقال الشيخ: وإنْ طلق المريض في مرض الموت المَخُوْف امرأتَه طلاقًا يُتهم فيه بقصد حرمانها مِن الميراث لم يسقط ميراثُها مادامت في عدته، مَن طلق امرأته في مرضه المَخُوْف فله ثلاث حالات:

الحالة الأولى: أنْ يطلقها وهو متهم بكونه يقصد حرمانَها، فالمرأة ترث منه ولو كان الطلاق باتًّا، المصنف هنا قال: مادامت في عدتها، وأمّا المشهور عند المتأخرين؛ فإنها وإنْ خرجت مِن عدتها فإنها ترث كذلك، هذه الحالة الأولى.

الحالة الثانية: إذا طلقها وهو غير متهم بحرمانها مِن الميراث، مثال ذلك: امرأة طلبت مِن زوجها أنْ يطلقها وهو في مرض الموت، هو غير متهم وهي التي طلبت، أو يكون الزوج قد عَلّق طلاقَها على شرط ووجد هذا الشرط في مرض الموت، قال: إنْ جاء الشهر القادم فأنت طالق، فلما جاء الشهر فإذا به في مرض الموت؛ فحينئذ ليس بمتهم، لكنْ لو عَلّق طلاقها على مرض الموت فهو متهم، فحينئذ لا ترث، غير متهم لا ترث، إذا كان الطلاق بائنًا غير رجعي.

النوع الثالث: إذا كان مجهولًا - لا يُعلم أهو متهم أم ليس بمتهم - فالمشهور مِن المذهب أنها ترث كذلك، كما جاء في قصة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه المعروفة، أنا قلتُ قبل قليل: إذا طلقها طلاقًا بائنًا، أنواع الطلاق أربعة سيأتي - إنْ شاء الله - بعد غد، لكن نعرفها الآن، هناك طلاق اسمه الطلاق الرجعي، ما هو الطلاق الرجعي؟ هو أنْ يطلق المرء زوجتَه الطلقة الأولى أو الثانية فهذا سواء طلقها في مرض مَخُوْف أو ليس بمرض مَخُوْف إذا مات عنها في العدة ورثتْهُ، هذا الطلاق الرجعي، النوع الثاني: الطلاق البائن بينونة كبرى، والبينونة الكبرى هو أنْ يطلقها ثلاث طلقات، فهذه لا ترث إلّا أنْ يكون قد طلقها في مرض مَخُوْف، النوع الثالث مِن الطلاق: البينونة الصغرى، وهي تعتبر طلقة واحدة - ليست بثلاث - فيمكنه أنْ يراجعها لكن بعقد جديد، ما هي البينونة الصغرى؟ نقول: كل طلاق يكون بعوض مِن الزوجة، وسيأتينا - إنْ شاء الله – باب الخلع، النوع الرابع مِن الفُرْقة: الفسخ، وهو أنْ يفسخ القاضي بينهما؛ فحينئذ ما كان فسخًا وما كان بينونة صغرى وبينونة كبرى - ويسمى الطلاق البائن النوع الثاني - فإنّ في الجميع لا ترث المرأة في عدتها أو بعد انتهاء عدتها إلّا أنْ يكون قد طلقها في مرض مَخُوْف.

وإنْ كان الطلاق رجعيًا توارثا في العدة سواء أكان في الصحة أو في المرض


هذا الذي ذكرتُه قبل قليل.

وإنْ أَقَرّ الورثة كلهم بمشارك لهم في الميراث فصَدَّقَهم أو كان صغيرًا مجهول النسب ثبتَ نسبُه وإرثُه


يقول: وإنْ أَقَرّ الورثة بمشارك لهم في الميراث فصَدَّقَهم، أو كان صغيرًا مجهول النسب ثبت نسبُه وإرثه، انظر معي، هذه مسألة تتعلق بالنسب، الشخص في هذه الدنيا إمّا أنْ يكون معلوم النسب أو مجهول النسب أو مقطوع النسب، انتبه للفرق بين الثلاثة، لماذا ذكرتُ لك هذا التقسيم؟ لكي نفهم مجهول النسب الذي سأذكره بعد قليل، معلوم النسب: هو الذي يُعرف أبوه، الذي يُعرف أبوه يسمى معلوم النسب، كلُّ مَن قال: إنّ هذا الرجل ابن لي أو أخ لي فإنه لا يثبت نسبُه بذلك، لأنه معلوم النسب، الناس يعرفون أنه ابن فلان، انتهينا منه، هذا ليس داخلًا في مسألتنا، النوع الثاني: مقطوع النسب، سُمّي مقطوع النسب لأنّ الشرع قطعه فلا يمكن أنْ يتصل، لا يمكن أبدًا، وهو مَن كان ابن زنى أو في حكم ابن الزنى أو مَن كان في حكم ابن الزنى، مَن هو مَن كان في حكم ابن الزنى؟ كلُّ مَن وُلِدَ مِن امرأة وهي ليست فراشًا، كلُّ مَن وُلِدَ بعد عقد نكاح بعد أقل مِن ستة أشهر مِن عقد النكاح، كلُّ مَن لُوْعِن عليه، المرأة إذا تحملت ولم تكن ذات زوج، فكل هذه الصور وملحق بها غيرها أيضًا تسمى مقطوع النسب، يعني أنّ الشرع قطع نسبه، حتى لو جاء أبوه الحقيقي أبوه مِن الزنا قال: هذا الابن ابني؛ لا يُنسب له، حُكي إجماعًا -،خالف اسحاق بن راهويه وبعض أهل العلم -، إذًا هذا يسمى مقطوع النسب، لا ينسب مقطوع النسب إلّا في حالة واحدة فقط، إذا كان في جاهلية، كيف يكون في جاهلية؟ قبل الإسلام حديث عمر أنه كان يلوط أبناء الجاهلية بمَن ادعاهم(6)، أبناء الجاهلية عندنا ماذا؟ رجل أبواه ليسا بمسلمين؛ ووُلِدَ على فراش الزنى ثم استلحقاه؛ فحينئذ نقول: يلحق بهما، لأنه وُلِدَ قبل الإسلام فيعتبر في حكم جاهلية، لكن لو كان أبواه مسلمين وزنيا وأنجبا ولدًا فلا يلحق بهما وإنْ استلحقاه، إذًا هذا يسمى مقطوع النسب ليس لنا دخل به، ولد الملاعنة، لو جاء إخوان أبناء الزوجة التي لاعنت أرادوا أنْ يدّعوه في هذه المسألة نقول: لا يُقَرّ له لأنه مقطوع النسب، مجهول النسب مَن هو؟ هو الذي لا يُعرف نسبه فليس معلومًا؛ ولا يُعرف سببُ إلغاء نسبه، لا يُعرف سبب إلغاء النسب، رجل وُجِدَ لقيطًا، أو لا يُعرف، عاش في بلدة لا يَعرف مَن أهله، وهكذا، هذا يسمى مجهول النسب، إذًا لَمّا قال المصنف: لمجهول النسب، عرفنا مجهول النسب، ليس المقصود به لا المقطوع ولا المعلوم النسب، يقول الشيخ: الأصل أنّ النسب لا يثبت إلّا بإقرار الأب فقط، إذا ادَّعى الأب أنّ هذا الولد هو ابن له فقد ثبت نسبه له، فقط بالأب، هذا الأصل، هنا تكلم المصنف عن صورة أخرى وهو إذا أَقَرَّ الورثة، قال: وإذا أَقَرَّ الورثةُ كلهم بمشارك لهم في الميراث فصَدَّقَهم، جاءوا بشخص قالوا: إنّ هذا يشاركنا في الميراث لأنه أخ لنا؛ لأنه عم لنا؛ لأنه ابن عم لنا؛ وهكذا؛ فصَدَّقَهم قال: نعم؛ نعم فحينئذ يرث معهم، قال: أو كان صغيرًا مجهول النسب، صغير لكنه ليس مقطوع النسب ليس ابن زنى وإنما هو مجهول النسب، ثبت نسبه مِن غير تصديق، لأنّ الصغير ننظر للأصلح له، والأصلح له إثبات النسب، قال: ثبت نسبُه وإرثُه؛ فيرث معهم.

وإنْ أَقَرّ به بعضُهم لم يثبت نسبُه، وله فضلُ ما في يد المُقِرِّ مِن ميراثه


قال: وإنْ أَقَرَّ بعضُهم دون بعض؛ فإنه يأخذ نسبة الميراث ممن أَقَرّ، وأمّا مَن لم يُقِرّ فلا يأخذ ذلك منه.


(1) صحيح البخاري (6764) مِن حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما مرفوعًا.
(2) سبق تخريجه.
(3) حسن. أبو داود (2911) مِن حديث ابن عمرو رضي الله عنهما مرفوعًا. الإرواء (1719).
(4) حسن. أبو داود (4564) مِن حديث ابن عمرو رضي الله عنهما مرفوعًا. الإرواء (1671).
(5) كلمة غير واضحة.
(6) صحيح. الموطأ (2738). يُنظر الإرواء (6/ 25).


 مواد ذات صلة: