موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح عمدة الفقه لابن قدامة

  

باب الموصَى إليه

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

قال المصنف رحمه الله تعالى:

باب الموصَى إليه

تجوز الوصية إلى كل مسلم عاقل عدل مِن الذكور والإناث بما يجوز للموصي فعلُه مِن قضاء ديونه وتفريق وصيته والنظر في أمرِ أطفاله.


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله وسلّم وبارك على نبيّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

ثم أما بعد:

مرَّ معنا في أول باب الوصايا أنّ الوصيةَ خمسةُ أشياء، أولها: العِظَة والتذكير، وهي مِن باب الأدب، والثاني: أنْ يذكر ديونَه، والثالث: أنْ يذكر أمواله وما له مِن حقوق على الآخرين، وهذا مِن باب نفع ورثتِه والثاني نفعِ نفسه، والثالث والرابع هما اللذان يتكلم عنهما الفقهاء، فإنّ الثالث: هو الوصية بالتبرعات، والخامس: هو الإيصاء، وسنتكلم عن الإيصاء بعد قليل.

هذه الأمور الخمسة هي التي تتعلق بها الوصية، وما عدا ذلك فليست مِن الوصية وليست بلازمة، ومِن أمثلة ذلك: لو أنّ امرئً كَتَبَ في وصيته صفة قسمة الميراث، فنقول: إنّ هذه ليست بلازمة وليست بمستحبة، للورثة أنْ ينفذوها، بعض الناس إذا حضرته الوفاة أو كتب في وصيته: أوصي أنّ البيت لفلان والبيت الثاني لفلانة والبيت الثالث أو العقار أو الحلال مِن الغنم ونحوها لفلان، هذه الوصية غير مشروعة أساسًا! فالأصل في قسمة الأموال كما قسمها الله سبحانه وتعالى، هذا هو الأصل ولا يَلزم الورثةُ ولا يُستحبُّ لهم إنفاذُها إلّا إذا طابتْ أنفسُهم بإنفاذها ورغبوا بذلك فالأمر لهم، هذا واحد.

الأمر الثاني الذي لا يلزم نفاذه: ما يتعلق بكَلَفَة على الورثة ولا بِرّ فيه على المورِّث - أي الميت -، مثل أنْ يوصي الميت بأنْ يُدفن في بلدة بعينها، بعض الناس يوصي مثلًا أنْ يدفن في مكة في المدينة في غيرها؛ فالفقهاء يقولون: إنّ هذه الوصية لا يُشرع إنفاذُها، لأنّ السُّنَّةَ المبادرةُ والإسراعُ في الدفن، فحيث مات الشخص يدفنُ، والنَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أكرمُ الخلق وقد بَيَّنَ أنه يدفن حيثما مات، أي في البقعة التي مات فيه، والناس يُستحب أنْ يُدفنوا في المقابر في البلدة التي هم فيها؛ وأنْ لا يُنقلوا إلى بلد آخر أو نحو ذلك مِن الأمور التي فيها كلفة ومشقة على المورِّثين، فقط نريد أنْ نعلم أنّ الوصية التي يجب إنفاذها هي الأمور الخمسة فقط التي أوردها أهل العلم.

الخامس مِن هذه الأمور هو الذي بدأ المصنف رحمه الله الحديث عنه وختم به هذا الباب، ونختم به درسنا اليوم، وهو قضية الإيصاء، والإيصاء يتعلق بثلاثة أشياء:

إما إيصاء بالتبرعات، مَن الذي يقوم بإنفاذ التبرعات؟ ويدخل فيها النِّظَارة على الوقف.

النوع الثاني: الإيصاء على القُصَّرِ مِن الأبناء، وهم الذين دون سِنِّ البلوغِ أو كانوا فاقدين الأهلية كجنون و سفهٍ ونحوه.

النوع الثالث: الإيصاء في التزويج.

هذه ثلاثة أشياء.

نبدأ بالأول، يقول المصنف: تجوز الوصية إلى كل مسلم، أي أنّ الموصَى له في الأمور الثلاثة يجب أنْ يكون مسلمًا، لأنّ الإيصاء فيه وِلاية ولم يجعل الله عزّ وجلّ للكافرين على المؤمنين سبيلًا، وأنْ يكون عاقلًا لأنّ المجنون لا يصح تصرفه لنفسه فكذلك لغيره، العدل لأنّ غير العدل غير مأمون مِن الذكور والإناث سواء.

الإيصاء يجوز للذكر والأنثى، كلاهما سواء إلّا في التزويج كما سيأتي في محله إنْ شاء الله، وبناء على ذلك فإنّ الشخص يجوز أنْ يوصيَ إلى زوجته أنْ تكونَ ناظرةً على وقْفِه ومسئولة عن توزيع ثلث ماله مِن باب التبرع، ويجوز أنْ يوصي لزوجه مثلًا أنْ تكون زوجُه هي الوَصِيَّةُ على أبنائه في أموالهم، بل ويجوز أنْ يوصيَ إلى أجنبي، يعني ليس مِن الورثة، بعيد جدًا كإمام المسجد ونحوه وسأشير لها بعد قليل إنْ شاء الله.

قال: بما يجوز للموصي فعلُه مِن قضاء دينه وتفريق وصيته، هذه ما يتعلق بوصية الموصي بنفسه.

والنظر في أمرِ أطفاله، هذا النوع الثاني، إذن الأمر الأول: ما يتعلق بتبرعه بأنْ يُفَرِّقَ وصيتَه ويقضي دينه - ما يتعلق بالميت نفسه -، فيوصي لشخص يعرف ديانتَه أنه سوف يُنفذُ الوصية على وجهها؛ وأنه سيؤدي الديون كما أَمَرَ اللهُ عزّ وجلّ.

الأمر الثاني: أنْ ينظر في أمرِ أطفاله، بأنْ يكون وصيًا عليهم في أموالهم، ولذلك يقول الشيخ: ومتى وصى إليه بوِلاية أطفاله أو مجانينه ثبتتْ له وِلايتهم، يعني: إذا قال: الوصي على ابني الصغير الذي يكون دون سنِّ البلوغ - لأنه بعد سِنّ البلوغ لا وصية عليه مطلقًا -؛ وإنما هو كامل التصرف والأهلية – ذكرًا كان أو أنثى - لا فرْق.

إذن قال: ومتى وصى إليه بوِلاية أطفاله أو مجانينه، قال: فلان هو الوصي، بدأ يتكلم ما الذي يثبت بهذه الوصية، ثبتتْ له وِلايتهم، هو الولي عليهم، فيولي – كما قلتُ - أجنبيًا أو قريبًا، يولي ذكرًا أو أنثى، بشرط أنْ يكون مسلمًا عاقلًا بالغًا عدلًا.

قال: ثبتتْ له وِلايتهم - أي هؤلاء القُصَّر -، وينفذ تصرفه لهم بما لهم فيه الحظ مِن البيع والشراء، هذه مسألة مهمة، الفقهاء يقولون: إنّ الوليَّ لا يبيع مِن أموال مَن وُلِّيَ النَّظَارة عليهم والوصايةَ عليهم إلّا بشرط أنْ يكون الأحَظُّ لهم ذلك - وخاصة العقار -، فليس للولي بيعُ عقارهم ولا شراؤه، ليس له أنْ يبيع ما لهم مِن العقار إلّا أنْ يكون الأحَظَّ لهم، لذلك العمل عندنا أنه إذا كان هناك وصيٌّ على قُصَّرٍ؛ فلا يجوز أنْ يبيعَ شيئًا مِن عقارهم إلّا بإذن القاضي، - حاليًا ثم ستنتقل إلى هيئة النظر للقُصّر التي أُنشأت؛ ولكن لم تباشرْ بعدُ اختصاصها النوعيّ -، ولذلك لابُدّ مِن القيد "بما له الحظ" ليس مِن باب المضاربة والربح! وإنما يجب أنْ يكون حظًّا متأكدًا.

ونفذ تصرُّفُه لهم بما لهم فيه الحظ مِن البيع والشراء وقبول ما يوهب لهم


قال: وقبول ما يوهب لهم، لأنّ الهبةَ فيها مصلحة بالغالب، فهو الذي يَقبلُ عنهم، إلّا أنْ يكون فيه ضرر عليهم، كأنْ يُهدى لهم دوابّ تحتاج إلى مؤنة وأكل فيرُدّها لأنّ فيها إضرارًا بهم.

والإنفاق عليهم.


قال: وينفق عليهم مِن مالهم.

وعلى مَن تلزمهم مؤنتُه بالمعروف


قال: وعلى مَن تلزمهم مؤنتُه بالمعروف، أي القُصّر، مثال ذلك: أنْ يكون عنده إما حيوانات؛ فينفق على هذه الحيوانات التي عندهم مِن خيل وبقر وغنم، لأنّ نفقة الحيوان واجبة، أو عنده أرقاء فيُوجِبُ أنْ يُنفقَ على هؤلاء الأرقاء، أو يكون الولدَ مزَوَّجًا؛ فإنّ الصبي قد يتزوج، والمجنون قد يتزوج، فيُنفق على زوجته مما ينفق عليه وليه.

والتجارة لهم ودفع أموالهم مضاربة بجزء مِن الربح


يعني يجوز له أنْ يُتاجر لهم وأنْ يدفع أموالهم لغيره يضارب بجزء مِن الربح إذا كان العامل غير الولي الذي هو الوصي عليهم.

وإنِ اتَّجَرَ لهم بنفسه؛ فليس له مِن الربح شيء


لأنّ القاعدة عند فقهائنا أنه لا يجوز الجمع بين الأجرة والربح في المضاربة، والوصي الأصلُ أنه له الأكل بالمعروف، وهو بمثابة الأجرة، فليس للوصي إذا تاجرَ بنفسه أنْ يأخذ مِن الربح شيئًا.

وله أنْ يأكل مِن مالهم عند الحاجة بقدر حاجته ولا غُرْمَ عليه.


نعم يأكل بقدر حاجته دون ما زاد عن ذلك.

ولا يأكل إذا كان غنيًا لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ(1)


هذا ظاهر النص لأنّ الأصل في قبول الوصية إنما هو المعروف.

وليس له أنْ يوصي بما أُوصي إليه به؛ ولا أنّ يبيع ويشتري مِن مالهم لنفسه


قال: ليس له أنْ يوصي بما سبق ولكن له أنْ يُوْكِل، فرْق بين الإيصاء وبين التوكيل، التوكيل بنظر مخصوص، وأما الإيصاء فهو مطلق النظر له، فليس له أنْ يوصي، ولكن يوصي الأب فقط، لأنّ الإيصاء مِن خصائص الأب، الأخ لا يوصي على الأبناء، فقط أبوهم، الجدُّ لا يوصي على أبناء ابنه، لا يوصي على الأبناء إلّا أبوهم فقط خاصة.

قال: ولا يبيع ويشتري مِن مالهم لنفسه، لكي لا يتولى طرفي العقد في هذه المسألة، القاعدة عند فقهائنا: أنه لا يجوز للمرء أنْ يتولى طرفي العقد في صورتين:

الصورة الأولى: إذا كان العقدُ مما يُشترط له القبض؛ فلا يجوز تولي طرفي العقد، كالصرف مثلًا، والهبة مثلًا، فكل ما اشتُرِطَ فيه القبضُ فلا يصح تولي طرفي العقد.

الأمر الثاني: كل ما كان فيه تهمةٌ؛ فلا يصح تولي طرفي العقد، كالوصي.

ويجوز ذلك للأب، فلا يلي مالَ الصبي والمجنون إلّا الأب أو وصيُّه أو الحاكم


قال: ويجوز ذلك للأب، أي يجوز للأب أنْ يشتريَ مِن مال ابنِه وأنْ يبيع لنفسه، لأنّ الأب أصلًا يجوز له أنْ يأخذه بلا شراء؛ فمن باب أولى أنْ يجوز له البيع.

قال: ولا يلي مال الصبي والمجنون إلّا الأب، هذا الأصل، لا أخ ولا غيره، أو وصي الأب، أو الحاكم، وبناءً على ذلك فإنّ الصبيَ الأصلُ أنْ الولي على أمواله إنما هو أبوه؛ فإذا مات أبوه ننظر فهل أوصى أبوه إلى أحد أنه يكون مسئولًا عن مالهم؟ إنْ وجدناه فيكون هو المسئول عن الوصي على مالهم، إنْ لم يوجد فلابُدّ مِن حكم قاضٍ بتنصيب شخص يكون وليًّا على أموال هؤلاء القُصَّر مِن الصبي والمجنون، فلابُدّ مِن حكمِ القاضي، فليس للأخ ابتداءً أنْ يتصرف بدون حكم القاضي، فلو تصرف الأخ ابتداءً مِن غير حكم قاضٍ أو إيصاء مِن الأب؛ فإنه حينئذٍ يكون متعديًا، ولا يستحق أنْ يأكل حتى بالمعروف، حتى الأكل بالمعروف لا يجوز له لأنه متعدٍ، فلابُدّ مِن وصية أو حكم قاضي.

فصل

ولوليهم أنْ يأخذ للمميز مِن الصبيان في التصرف ليختبر رشدَه.


ذَكَرَ هنا بعضَ الأمور التي يفعلُها الموصى إليه - وهو الولي – ويدخل فيه أيضًا الأب مع المميز، فقال: أنْ يأذن للمميز مِن الصبيان في التصرف، أي في الأشياء القليلة دون الأشياء الكثيرة ليختبر رشدَه، ثم قال: إنّ الرشد هو الصلاح في المال، وهذا واضحة.

فمَن أَنِسَ رشدَه دفعَ إليه مالَه إذا بلغ، وأشهد عليه ذكرًا كان أو انثى


نعم للآية.

فإنْ عاوَدَ السفهَ أُعيد إليه الحَجْر


فيكون الحَجْر حينئذٍ لجظِّ نفسه.

ولا يَنظرُ في ماله إلّا الحاكم


نعم، ولا ينظر في ماله إلّا الحاكم إلّا أنْ يُنَصِّبَ وليًّا نائبًا عنه.

ولا ينفك عنه الحَجْرُ إلّا بحكمه


لأنّ هذا مِن عقود الإطلاق، وعقود الإطلاق وعقود التقييد لابُدّ مِن حُكْمِ الحاكم، عقود التقييد مثل الحَجِر وعقود إطلاق التقييد هو فك الحَجْر.

ولا يُقبلُ إقرارُه في المال


أي أنّ المحجورَ عليه لسفهه أو حظِّ نفسه لا يُقبلُ إقرارُه في المال.

ويُقْبَلُ في الحدود والقِصَاص والطلاق، فإنْ طلق أو اعتق نَفَذَ طلاقُه دون اعتاقه.


وهذا أيضًا سبق الحديث عنه.

فصل

وإذا أَذِنَ السيدُ لعبده في التجارة صحّ بيعُه وشراؤه واقرارُه، ولا يَنْفُذُ تصرُّفُه إلّا في قَدْر ما أُذِنَ له فيه، وإنْ رآه سيدُه أو وليُّه يتصرف فلم يَنْهَهُ لم يَصِرْ بهذا مأذونًا له


لأنه لابُدّ مِن الأذن الصريح.

عندنا مسألتان نريد أنْ نختم بهما:

المسألة الاولى: أنّ المصنف ذكر الإيصاء في المال ولم يذكر الإيصاء في التزويج، والإيصاء في التزويج أنه الأب فقط دون باقي القرابات، يجوز له أنْ يوصيَ بتزويج بناتِه إلى مَن شاء مِن الذكور؛ فيوصي بأجنبي أو قريب أو بعيد – سواء - بأنْ يُزَوِّجَ بناته، فحينئذٍ فإنّ هذه البنت يكون أولى الناس بزواجها وصيُّ الأب، ثم بعد ذلك ينتقل لباقي الورثة كالأبن أو الجد أو الأخوة على ترتيب الأولياء الذي سيأتي إنْ شاء الله.

إذن هذا ما يتعلق بالنوع الثالث مِن الإيصاء، الشيخ ذكر نوعين فقط، وهو الإيصاء في توزيع التركة وقسمة المال وسداد الديون، والنوع الثاني: الإيصاء على القُصَّر في أموالهم، والنوع الثالث: الإيصاء في تزويج البنات، لكن مِن شرطها أنْ يكونَ مسلمًا وأنْ يكون ذكرًا، فلا يجوز أنْ يُزَوِّجَ البنتَ أنثى! لأنّ الأنثى لا تُزَوِّجُ نفسَها؛ فمِن باب أولى أنها لا تُزَوِّجُ غيرَها، فلابُدّ أنْ يكونَ الإيصاءُ لرجلٍ ولو كان أجنبيًا.

الأمر الأخير: أنه يُلْحَظ على العمدة أنّ الشيخَ – أبا محمد؛ عبد الله بن أحمد بن قدامة - رحمه الله تعالى قد أطال في كتاب الوصايا إطالةً بيِّنَة، وإذا قارنتها ببعض الأبواب على سبيل المثال: باب العارية ذكرها بنصف صفحة، باب الجِعَالة لم يذكر شيئًا فيه يستحق، بعض المسائل كباب الحَجْر ذَكَرَه في ضِمْنِ الوصية، الحَجْر في حَظِّ نفسه ولم يذكرِ الحَجْرِ لحظِّ غيره - الغرماء -!، فالمصنف رحمه الله تعالى توسّع في باب الوصايا توسعًا بيّنًا، ويمكن أنْ يُلتمس لذلك أكثرُ مِن سبب:

السبب الأول: أحيانًا المصنف في أيّ فنٍّ ينشطُ في بعض الأبواب ما لم ينشط في باب آخر، فقد ينشط في بعض الأبواب نشاطًا زائدًا وبعض الأبواب يكسل؛ فلا يكتب فيها، وهذا محتمل، ولكن يعرض على هذا الاحتمال أنّ الموفقَ رحمه الله تعالى لمّا أَلَّفَ العمدةَ وكَتَبَ هذه قُرِأَتْ عليه؛ فلو كان في بعضها تفاوتٌ فإنه عند القراءة سيُصحح ما فاته في كتابته الأولى، هذا الأمر الأول.

الأمر الثاني: ربما أنه في وقته كان هناك حاجة لهذا الباب وكثرة السؤال فيها كثير جدًا، ولذلك - سبحان الله العظيم - كثيرٌ مِن العلماء تلحظ أنه في باب يتوسع فيه توسعًا لكثرة المشكلة، فبعض الأقاليم مثلًا يكثر عندهم ويتوسعون في ما يتعلق بالأوقاف لكثرتها، وفي بعض الأقاليم يتوسعون في أحكام الأضحية – على الميت – خاصة، لكثرة هذا الأمر المنتشر في بعض الأقاليم والبلدان يعرفون الأضحية عن الميت؛ ولذلك في فتاويهم ما لا يوجد في الأقاليم الأخرى، وفي بعض الأقاليم يتوسعون في باب الحَكْر لوجوده عندهم، ولكنّ الحَكْر لا يكاد يوجد إلّا في مذهبين أو ثلاثة - أحكام الحَكْر -، إذن أحيانًا يكون لهذا أثرٌ في إيجاد هذه المسائل، والموفقُ رحمه الله تعالى لم يليَ قضاءً؛ وإنما كان جالسًا للناس؛ فربما كان ينظر في لوصايا أكثر مِن القضاء؛ فلذلك توسّع فيه.

الأمر الأخير: أنّ الموفقَ رحمه الله تعالى كان يحب الحسابَ، وهذا واضح جدًا، فلو قرأتَ في المغني - وخاصة في كتاب الوصايا - ستجد أنه أورد مِن مسائل الحساب التي يُسميها الفقهاء بمسائل الدَّوْر التي لا يمكن حلُّها إلّا بوجود مجهولين – المعادلات رياضية هذه التي تسمى قديمًا بعلم الجَبْر -، هذه لم أقف على أحدٍ مِن الحنابلة - طبعًا هي مذكورة كثيرًا عند الشافعية والحنفية -؛ لكن مِن الحنابلة لم يتوسّع في مسائل الدَّوْر في باب الوصايا والهبات إلّا الموفق في المغني، فيظهر أنّ الموفقَ رحمه الله كان يحب عِلْمَ الحساب، فلذلك مَرَّ معنا قبل قليل ثلاث صفحات – قبل قليل – كلها مسائل في الوصايا تتعلق بالحساب والجزء والنصيب والسهم ونحو ذلك مِن الأمور ربما كان هو السبب، وكل هذه أمور نتوقع أنّ هذا هو سبب توسعه في الباب دون ما عداه - والعلم عند الله عزّ وجلّ -، وهذه المسألة لا ينبني عليها حكمٌ وإنما هي مِن فواكه العلم نختم بها درسنا اليوم، أسأل الله عزّ وجلّ للجميع التوفيقَ والسدادَ.

وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

- ما حكم لبس الحزام والدبابيس؟

الحزام المذهب لا يجوز ويحرم، وأما فتوى مشايخنا يجوز لبس الحزام، وأما الدبابيس فأيضًا على المذهب لا يجوز لأنه سيكون مفصلًا على هيئة عضو يلبسه؛ فإنه عندهم لا يجوز وضع الدبابيس حتى إنهم يقولون: لو زرّها بشوكة فعليه فدية، فتوى مشايخنا رحمهم الله تعالى الشيخ ابن باز والمشايخ أن هذه الدبابيس إن كانت ستجعل الإحرام على هيئة لبس فلا يجوز وإلا فإنه يجوز، وعلى العموم المسلم إذا كان غير محتاج لهذه الدبابيس الأولى له أن يحتاط، والاحتياط معتبر جدًا في الشريعة وله أصل من حديث النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه»(2)، طبعًا الاحتياط عن علم، هناك فرق بين احتياط الجهال واحتياط العلماء، احتياط العلم لا بد أولًا أن يكون فيه خلاف وأن يكون الخلاف قويًا، ولذلك عندنا مبدأ نسميه مراعاة الخلاف، محققي فقهاء الحديث عندهم شيء هو مراعاة الخلاف: أنه إذا قال أحد من أهل العلم بوجوب شيء أو بتحريمه؛ فإنهم يقولون بندبه أو بكراهته، وهذا مذهب أحمد ومالك، من أوسع الناس في مراعاة الخلاف أحمد ومالك ولها قواعدها التي تذكر في غير هذا المحل.

أسأل الله تعالى لي وللإخوة التوفيق والسداد، وصلّى الله على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.


(1) النساء: 6.
(2) صحيح البخاري (52).


 مواد ذات صلة: