موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح عمدة الفقه لابن قدامة

  

كتاب الوصايا

كتاب الوصايا


بدأ يتكلم المصنف عن كتاب الوصايا وأحكامها، وأورد فيها عددًا مِن الأحكام المتعلقة بالوصية، والوصية - كما تعلمون جميعًا - يتعلق بها خمسة أشياء في الحقيقة وليس شيئًا واحدًا.

أول هذه الأمور الخمسة هو قضية العظة، فإنه يستحب للمرء أنْ يعظ مورثيه قبل وفاته، وقد جاء أنّ عددًا مِن أهل العلم كتبوا وصيتهم ومازالت، منهم الموفق؛ فإنّ وصيته لأهل بيته موجودة ومطبوعة، وابن الجوزي له وصية مطبوعة، وابن الحبّال مِن فقهاء الحنابلة أيضًا وصيته مطبوعة، فالأمر الأول هو الوصية والعظة.

الأمر الثاني في الوصية: أنه يُستحب أنْ يتصدق المرء بثلث ماله، وهذه يتكلم عنها الفقهاء بتوسع.

الأمر الثالث: أنه يُستحب للمرء أنْ يكتبَ ما عليه مِن الديون لتبرأ ذمتُّه وتُسدد عنه بعد وفاته.

الأمر الرابع: أنه يُستحب للمرء أنْ يذكر أموالَه والديونَ التي له على غيره لمصلحة مورّثيه، فإنّ كثيرًا مِن الناس يكون لهم مال عند بعض الناس - قرض أو في بعض الحسابات البنكية - ولم تكتشف! وقريبًا حدثني شخصٌ يقول: والدي توفي تقريبًا سَنَة أربعة وثمانين هجري - يعني ثلاث وخمسين سَنَة -، يقول: أحد حساباته في أحد البلدان العربية ما اكتشفناه إلّا قبل سَنَة، هو حدثني قبل بضعة أشهر، ولذلك لو أنّ هذا الأب كتب حسابته البنكية وكتب ديونَه التي عند الآخرين؛ هذا مِن باب الإحسان لأبنائه «أنك إنْ تذر ورثتَك أغنياء خيرٌ مِن أنْ تذرهم عالةً يتكففون الناس»(1) هذا هو الأمر الرابع.

الأمر الخامس: وهو الإيصاء، والإيصاء يتعلق بالمال، الإيصاء بمال القُصّر مِن الورثة، والإيصاء على البنات في تزويجهن، فقد يُوصي المرء لبناته أنْ يزوجهن مَن شاءوا - وسيأتي إنْ شاء الله باب الإيصاء في آخر كلام المصنف -.

روي عن سعد قال: قلتُ: يا رسول الله قد بلغ بي الجَهْدُ ما ترى؛ وأنا ذو مال ولا يرثني إلّا ابنةٌ، أفأتصدقُ بثلثي مالي قال: «لا» قلتُ: فالشطر؟ قال: «لا» قلتُ: فالثلث؟ قال: «الثلثُ؛ والثلث كثيرٌ، إنك إنْ تدع ورثتَك أغنياء خيرٌ مِن أنْ تدعَهم عالةً يتكففون الناس»(2).


نعم فقط هنا مسألة واحدة أنّ المصنفَ قال: روي، اشتهر أنّ هذا الاستخدام إنما يكون للضعيف مِن الحديث، ولم يستخدمه المصنف هنا لأنّ هذا الحديث في الصحيحين وهو ثابت؛ ولكن كما ذكر علماءُ النحو أنّ البناء لغير المعلوم - الذي يسمى البناء للمجهول - له أغراضٌ: منها التعظيم والشهرة، فقد تَبْنِي العربُ الفعلَ لغير المعلوم لِمَا لم يُعلم فاعلُه - وهو المجهول – لأجل تعظيم هذا الحديث أو الخبر الذي بنوه عليه، ولعل غرضَ المصنف مِن تعبيره بـ "روي" هذا الغرض – ربما، لا أجزم بغرض المصنف - ولكن الحديث لا شك أنه في الصحيحين.

يُستحبُ لِمَن تركَ خيرًا الوصيةُ بخُمُس ماله


قوله: لِمَن تركَ خيرًا، يعني مالًا يعني يكفي لأبنائه فيجعلهم في حدّ الغنى.

قال: الوصية بخُمُس ماله بأنْ ينقص عن الثلث، ثبت ذلك عن أبي بكر وعلي رضي الله عنهما(3).

وتصح الوصية والتدبير مِن كل مَن تصح هبتُه، ومِن الصبي العاقل والمحجور عليه لسفهه.


قال: وتصح الوصية أي التبرعات المالية، والتدبير، التدبير هو أنْ يُعتقَ عبدَه عن دُبُر، وأظن سيأتي له باب – إنْ لم أكن واهمًا -، بمعنى أنْ يقول: عبدي هذا - إذا مِتُّ - فهو حرٌّ، هذا بمعنى مدبر، وإذا كُتب عبدي مدبرٌ عرفنا أنه بمعنى أني إذا مِتُّ يكون حرًا، ويكون عتقُه إذن مِن الثلث، هذا معنى التدبير.

قال: مِن كل مَن تصح هبتُه، وهو العاقل البالغ.

قال: ومِن الصبي العاقل، هذا هو مشهور مذهب، فإنه تصح الوصيةُ مِن البالغ ومِن المميِّز - وإنْ لم يكن بالغًا - وهو أصح الروايتين في المذهب.

قال: والمحجور عليه لسفهه، المحجور عليه لسفهه ولمصلحة نفسه، والأصل في الوصية أنها لمصلحته.

ولكل مَن تصح الهبةُ له، وللحمل إذا عُلِمَ أنه كان موجودًا حين الوصية له.


قال: ولكل مَن تصح الهبةُ له، بأنْ يكون يملك أو في حكم مَن يملك كالأوقاف ونحوها.

قال: وللحمل إذا عُلِمَ أنه كان موجودًا حين الوصية له، إذا أوصى رجل فقال: لحَمْلِ فلانة أو قال: لِمَا ستحمل به فلانة، انظر العبارة كيف، إذا أوصى فقال: ثلث هذا المال لِمَا ستحمل به فلانة؛ فهو باطل، لأنّ معناه ليس موجودًا وقت الحمل - لِمَا ستحمل - لم تحمل به! وإنْ قال: أوصيتُ لحمل فلانة؛ نقول: يصح بشرط أنْ يكون موجودًا في وقت الوصية، ولذلك قال: وللحمل إذا عُلِمَ أنه كان موجودًا حين الوصية له، لأنّ ما لم يوجد لا يصح تملُّكُه.

وتصح بكل ما فيه نفعٌ مباح ككلب الصيد والغنم


وتصح بكل ما فيه نفعٌ مباح، بخلاف ما فيه نفع محرم؛ فلا تصح الوصية به كالخمر ونحوه، وأما المباح فككلب الصيد والغنم، مثَّلَ بهما مع أنه لا يجوز بيعهما لأنّ فيهما منفعة، كلب الصيد والغنم يورثان وتصح الوصية بهما ولكن لا يجوز بيعهما.

وما فيه نفع مِن النجاسات


قال: وما فيه نفع من النجاسات، مرّ معنا سابقًا أنّ فقهاءنا يقولون: إنّ النجاسات لا يجوز بيعها لأنه لا منفعة فيها عندهم، عندنا لا يجوز بيع السرجين ولا أي نجاسة مِن النجاسات، وإنما أجازوا الانتفاع بصور قليلة مِن النجاسات، إنما أجازوا الزيت المتنجس بشيء واحد وهو للاستصباح فيه في غير مسجد، إذن عندنا قاعدة "أنّ كل نجس لا يجوز أكله" مطردة، وعندنا قاعدة "كل نجس لا يجوز بيعه" مطردة - أنا أتكلم على مشهور المذهب -، وعندنا قاعدة ثالثة "أنّ كل نجس لا منفعة فيه ولا يجوز الانتفاع به مطردة - إلّا عندهم استثناء واحد - وهو الاستصباح بالزيت المتنجس" ليس النجس بعينه، وإنما المتنجس، أي الطارئ عليه النجاسة، فينتفع به في الاستصباح في غير مسجد، إذن يجوز الوصية بهذا الزيت فقط وهو الزيت المتنجس للاستصباح في غير المسجد، وضح؟ يجب أن تعرف قاعدتهم في هذه المسألة.

وبالمعدوم كالذي تحمل أمَتُه أو شجرته، وتصح بما لا يقدر على تسليمه كالطير في الهواء والسمك في الماء، وبما لا يملكه كمئة درهم لا يملكها، وبغير معين كعبد مِن عبيده، ويعطيه الورثة منهم ما شاءوا


هذه أمثلة لِمَا لا يصح بيعه، ذكرها كلها: المعدوم، وما لا بقدر على تسليمه، هذا واضح، وما لا يملكه كغير المعين، قال: وبغير معين كعبد مِن عبيده، ويعطيه الورثة منهم ما شاءوا، يعني أنه لو أوصى وقال: أوصيتُ لفلان بعبد مِن عبيدي هنا، هنا الورثة هم الذين يُعيّنون فيختارون مَن شاءوا ممن يَصْدُقُ عليه الاسم، فلو قال مثلًا: أوصيتُ لهم بسيارة مِن سياراتي - وعنده مئة سيارة - فيختار الورثة أيّ سيارة غالية أو رخيصة ما دامت تسمى سيارة؛ فتُعطى له، الفقهاء دائمًا يُمثّلون بالعبيد لأنّ العبد أوصافه واضحة، لأنّ العبد أوصافه أوصاف الآدمي، فكل وصف بالعبد تعرفه أنت لا يتغير بتغير الزمان بخلاف غيره مِن المصنوعات وبخلاف غيره مِن العقارات، فإنّ كل زمان له لغته وله استخدامه وله قيوده التي تختلف عن الثاني، فكانوا يمثلون دائمًا بالعبد لأجل الأوصاف أنها لا تتغير - وإنْ كان العبيد اليوم لا نكاد نجد منهم أحدًا -.

وبالمجهول كحظ مِن ماله أو جزء، ويعطيه الورثة ما شاءوا، وإنْ وصى له بمثل نصيب أحد ورثته فله مثل أقلِّهم نصيبًا يزاد على الفريضة


انظروا معي، لنأخذ مسألة، رجل مات وله زوجة وله بنت، وأوصى لرجل غريب أنْ يأخذ مثل نصيب أحد الورثة، له زوجة وله بنت فأوصى – كما ذكر المصنف - مثل أحد نصيب الورثة، يقول المصنف: فله مثلُ أقلِّهم نصيبًا يُزاد على الفريضة، الزوجة كم نصيبها؟ الثمن، والبنت؟ النصف، إذًن يأخذ هذا الموصى لهم الثمن أم النصف؟ إذن نقول: الزوجة الثمن، والبنت نصف، والوصية الثمن، تصبح المسألة مِن ثمانية، واحد والبنت أربعة والوصية واحد، إنْ كان هناك معصب يأخذ الباقي، وضح؟ لأنك لو عرفت هذا لعرفت ماذا بعده – نكمل بعد الأذان -.

فلو خَلّف ثلاثة بنين ووصّى بمثل نصيب أحدهم فله الربع


إذن عرفنا قبل قليل بأنّ وصية الشخص بمثل النصيب؛ فإنه يُعطى أقلَّهم نصيبًا

أتى المصنف بمثال آخر، فقال الشيخ: لو أنّ رجل مات عن ثلاثة أبناء، لو أردنا أنْ نحلها فإنها مِن ثلاثة قطعًا، ولكل واحد منهم واحد مِن ثلاثة، له ثلاثة أبناء وأوصى لشخص - وهذا موجود كثيرًا مِن الأمثلة الموجودة في المحاكم لكي نعرف هذا المثال كثير جدًا ليس بالقليل - عندما يكون الشخص له أربعة أبناء فيموت أحد أبنائه في حياته فيوصي أنّ ابنَ ابني له مثلُ نصيبِ أبيه لو كان حيًا، أو يقول: ابنُ ابني هذا له نصيبُ أحد أبنائي، فكيف نقسمها حينئذٍ؟ نفرض أنّ الأبناء أربعة فنزيد واحدًا فتكون مِن أربعة، هذه سهلة جدًا.

انظر الثالثة، هي سهلة لكن فيها إشكال عند بعض الناس.

فإنْ كان معهم ذو فرضٍ كأمٍ صححت مسألة الورثة بدون الوصية مِن ثمانية عشر وزدت عليها بمثل نصيب ابنٍ فصارت مِن ثلاثة وعشرين


هذه المسألة التي أوردها المصنف، رجل مات عن أم وثلاثة أبناء، نبدأ أولًا بحلها، هذه مِن كم؟ مِن ستة، للأم واحد وللأبناء خمسة، صح؟ تصح مِن كم(4)؟ ستة في ثلاثة ثمانية عشر، الخمسة لا تنقسم على ثلاثة! فتصح المسألة مِن ثمانية عشر، فيكون للأم ثلاثة من ثمانية عشر وللأبناء خمسة عشر لكل واحد منهم خمسة، إلى الآن مسألة عادية ما فيها صعوبة، جاء الميت المتوفى فأوصى فقال: له مثلُ أحدِ الأبناء – كذا قال - فكيف نعطيه؟ هل نعتبر الأبناء أربعة؟ إذا اعتبرناهم أربعة لجعلتَ النقص على الأبناء دون الأم! لا يصح، واضح؟ لو جعلنا الأبناء أربعة فنصححها حينئذٍ مِن كم؟ تصبح مِن أربعة وعشرين، هذا خطأ لأنّ الأم ما دخل عليها نقص، فأصبح النقص على الأبناء دون الأم! فماذا نفعل؟ نجعل الوصية كأنه وارث جديد – ليس من الأبناء -، نعتبره وارث جديد، فنقول: فلما قال: مثل أحد أبنائي فنقول: للموصى له خمسة، فتصبح المسألة مثل العول مِن ثلاثة وعشرين – هذا إذا أوصى بمثل أحد الأبناء -، وإنْ أوصى بنصيب فيعتبر مِن ثلاثة لأنّ الأم هي الأقل، وضحت هذه المسألة؟ لماذا أقول هذه المسألة؟ لأنه في أحد المحاكم قريبًا قبل بضعة أشهر أحدُ القضاة أخطأ فيها؛ فظن أنها قسمتها على أربعة أبناء! وهذا خطأ فاحش ومصيبة، ونُقِضَ الحكم مباشرةً، هذا غير صحيح، واضح الخطأ ما هو؟ نعيدها

رجل مات عن أم وعن ابنين، هذه المسألة مِن ستة، للأم واحد وللابنين خمسة، أليس كذلك؟ جاء المتوفى وقال: أوصيتُ لابن ابني بنصيب ابني المتوفى، لو أردتَ أنْ تقسمها فقلت: بدل ابني نضع ثلاثة أبناء؛ نقول: أتيت بالعيدة! وهذا خطأ فاحش، القسمة الصحيحة أنْ تقسم المسألة كاملة مِن ستة، اثنان في ستة مِن اثني عشر؛ فيكون نصيب الأم اثنان، ونصيب الأبناء كل واحد خمسة، فإنْ كان الموصي أوصى بمثل نصيبِ الابن فنقول مِن خمسة، للموصى له خمسة، فتصح المسألة مِن سبعة عشر، فإنْ كان الميت قد أوصى بمثل نصيب أحد الورثة؛ فنعطيه اثنين لأنه الأقل فتصبح المسألة مِن أربعة عشر، واضحة؟

باقي المسائل مثلها تمامًا، الدرس الذي سيأتي بعد غدٍ؛ فالمطلوب سيقرأها أخونا القارئ بسرعة، المطلوب أنْ تحلوها في أوراق وسآخذ الأوراق منكم وأصححها الدرس القادم، وكل واحد أحضر درجة كاملة فله جائزة بإذن الله عزّ وجلّ - الله أعلم ما هي -، والجُعْلُ يجوز أنْ يكون مجهولًا، العمل مجهول والعامل مجهول ويجوز أنْ يكون الجُعْلُ مجهولًا على أحد الروايتين.

سنقرأ المسائل الباقية – وشرحها سيأخذ وقتًا - حتى ننهي كتاب الوصايا اليوم.

ولو وصى بمثل نصيبِ أحدهم وللآخر بسدس باقي المال؛ جعلتَ صاحبَ سدس الباقي كالذي فُرِض


لاحظ المسألة الأولى قال: فإنْ كان معهم ذو فرض كالأم صحت مسألة الورثة بدون الورثة مِن ثمانية عشر وزدتَ عليها مثل نصيب الابن، طبعًا هذه المسألة الأولى وليست هذه التي معكم، يعني أشرح لكم الأولى بسرعة من أجل الصلاة، هي أم وثلاثة أبناء، مِن ستة، الأم واحد والأبناء لهم خمسة، تصح المسألة مِن كم؟ خمسة في ستة؛ فتصبح ثمانية عشر، للأم ثلاثة وللأبناء كل واحد خمسة، خمسة عشر لكل واحد خمسة، الموصى له ماذا؟ قال: أوصى له مثل نصيب الابن، نصيب الابن كم؟ خمسة، إذن الموصى له خمسة، المجموع خمسة زائد خمسة عشر: عشرون، زائد ثلاثة؟ ثلاثة وعشرون، تكون المسألة كفكرة العول ولكن ليست عولًا، ولذلك يقول: فصارت مِن ثلاثة وعشرين، إذن حلنا صحيح، ولكن لو أخطأنا - مثل صاحبنا ذاك - فجعلهم أربعة أبناء! تصحح مِن أربع وعشرين، الأصل مِن ستة وتصحح مِن أربع وعشرين لأنّ أربعة في ستة أربع وعشرين.

ولو وصى بمثل نصيب أحدهم وللآخر بسدس باقي المال جعلتَ صاحب سدس الباقي كذي فرض وصححتها كالتي قبلها، فإنْ كانت وصية الثاني بسدس باقي الثلث صححتها كما قلنا سواء ثم زدتَ عليها مثليها فتصير تسعة وستين وتعطي صاحب السدس سهمًا واحدًا والباقي بين البنين، والوصي الآخر أرباعًا، وإنْ زاد البنون على ثلاثة زدتَ صاحب سدس الباقي بقدر زيادتهم، فإنْ كانوا أربعة أعطيته ما صحت منه المسألة سهمين، وإنْ كانوا خمسة فله ثلاثة، وإنْ كانت الوصية بثلث باقي الربع والبنون أربعة؛ فله سهم واحد، وإنْ زاد البنون عن أربعة زدتَه بكل واحد سهمًا، وإنْ وصى بضعف نصيب وارث أو ضعفيه فله مثلا نصيبه وثلاثة أضعاف ثلاثة أمثاله، وإنْ وصى بجزء مشاع كثلث أو ربع أخذتَه مِن مخرجه وقسمتَ الباقي على الورثة، وإنْ وصى بجزأين أخذتَهما مِن مخرجهما وهو اثنا عشر وقسمتَ الباقي على الورثة، فإنْ ردّوا جعلتَ سهامَ الوصية ثلثَ المال وللورثة ضعف ذلك


هذه المسائل أوردها عن المصنف وفي بعضها تحتاج إلى حلّ تأتون بها إنْ شاء الله بعد غد.

وإنْ وصى بمعيّن مِن ماله فلم يُخْرَج منه الثلث؛ فللموصى له قدْر الثلث إلّا أنْ يُجيز الورثة.


يقول: وإنْ وصى بمعيّن، بدأ يتكلم عن الأسهم والأجزاء، بدأ يتكلم عن معيّن، رجل مات وحين حضرته الوفاة أوصى أنّ هذا البيت لفلان – أوصى بمعيّن -، لمّا جيء للبيت؛ لو كان هذا البيت يعادل الثلث مِن تركته فما دون؛ نَفَذَتِ الوصية، لكن لمّا جئنا للبيت وقومناه وجدناه أنه يزيد عن ثلث التركة! فإننا حينئذٍ نقول: هذا الموصى له لا تنفذ هذه الوصية في العين لكنه يستحق الثلث لأنه أقل حقيه، واضح؟ فيكون حينئذٍ يستحق ثلث التركة - وإنْ كانت نقدًا وإنْ كانت عينًا - ولا يستحق هذه العين المعينة.

وإذاْ زادتِ الوصايا على المال كرجل وصى بثلث ماله لرجل ولآخر بجميعه ضممت الثلث إلى المال فصار أربعة أثلاث وقسمت التركة بينهما على أربعة - إنْ أُجيزت لهما -، والثلث على أربعة إنْ رُدّ عليهما


يقول: لو أنّ شخصًا كتب وصيتين، الوصية الأولى قال: أوصيتُ بمالي كله لزيد – وطبعًا زيد ليس بوارث -، وكتب وصية أخرى: أوصيتُ بثلثي مالي لعمرو(5)، هذا بكل مالي وهذا بثلثي مالي، طبعًا لا يمكن إنفاذ كلا الوصيتين لسببين، السبب الأول: أنّ ليس له أنْ يُنفذ إلّا ثلث المال، والسبب الثاني: أنه لو جمعتَ كامل المال زائد الثلثين أصبح أكثر مِن المال كاملاً، فحينئذ نقول: نحسبها بالرؤوس، الثلثان بسهمين وكامل المال بثلاثة أسهم، فنقول: لهما خمسة أسهم، فنأتي بثلث المال فنقسمه خمسة أسهم؛ فنعطي أحدهما سهمين والثاني ثلاثة أسهم ،وإنْ قال الورثة: أجزنا الوصيتين فيأخذون المال كله مقسومًا بنفس الطريقة.

عفوًا أنا أخطأتُ، أنا قلتُ: بثلثيه! ليس بثلثيه، العبارة: بثلثه، فالثلث بسهم والكل بثلاثة أسهم فيكون أربعة، أنا ظننتُ بثلثيه، فتكون مِن أربع بدل الثلاث.

ولو وصّى بمعيّن لرجل ثم وصى به لآخر أو أوصى لرجل ثم أوصى إلى آخر فهو بينهما، وإنْ قال: ما أوصيتُ به للأول فهو للثاني بطلتْ وصيةُ الأول


نعم، لأنّ هذا رجوع، وأما الصفة السابقة فليست رجوعًا، وإنما اشتراك في الاستحقاق، ويمكن اشتراكهما بما فيه

فصل إذا بطلت الوصية

إذا بطلت الوصية أو بعضُها؛ رجع إلى الورثة، فلو وصى أنْ يشتريَ عبدَ زيدٍ بمائة فيعتق فمات أو لم يبعه سيده؛ فالمائة للورثة


نعم، بدء يتكلم المصنف عن قضية الوصية إذا بطلت كاملة أو بطل بعضُها فإنه ترجع هذه الوصية للورثة فتكون ميراثًا، وضرب أمثلة لذلك، فقال: فلو وصى أنْ يُشترى عبدُ زيدٍ بمئة فيعتق؛ فمات أو لم يبعه سيده – يعني مات العبد - فلا يمكن إنفاذ هذه الوصية فبطلت، أو رفض سيده أنْ يبيعه، قال: فالمئة تكون للورثة ولا تصرف في مصارف البِرِّ الأخرى.

ثم قال: وإنْ وصى بمئة تنفق على فرس حبيس، عنده مئة دينار أو درهم أوصى أنها تُنفق على فرس حبيس للغزو فمات - الفرس - فهي للورثة ولا تصرف للفقراء، لأنه فَرْق بين الوصية والوقف، الوقف المنقطع يكون للفقراء، بخلاف الوصية المنقطعة فإنها تكون للورثة.

قال: ولو وصّى بأنْ يحج عنه زيد بألف فلم يحج؛ فقضى زيد أنْ يحج، لأنه نصّ أنّ زيدًا هو الذي يحج عنه، فهي للورثة، لأنه لابُدّ مِن إعمال الكلمتين: الحج، وأنْ يكون زيد بعينه.

قال: وإنْ قال الموصَى له أعطوني الزائد على نفقة الحج؛ لم يُعْطَ شيئًا، لأنه لا يستحق الزائد على نفقة الحج لأنه لا يجوز أخذُ الأجرة على ما زاد عن نفقة الحج، بل يعطى نفقة الحج فقط، وما زاد عنها تُرَدُّ للورثة، لأنّ هذا مِن باب أخذ الأجرة على القُرَب.

قال: ولو مات الموصَى له قبل موت الموصي أو ردَّ الوصية، يعني رفض أنْ يقبلها، قال: رُدَّ إلى الورثة كذلك ولا تصرف للفقراء، لأنّ القاعدة عندهم أنه إذا بطلت الوصية رجعت إلى الورثة.

قال: ولو وصى لحي أو ميت فللحي نصف الوصية لأنهم اشتركا، الورثة تقتضي الاشتراك والجمع، فعندما بطلت في جزئها لا يستحق الثاني كامل الوصية.

قال: وإنْ وصى لوارثه وأجنبي بثلث ماله فللأجنبي السدس، لأنّ هذا نصيبه، ويقف السدسُ الوارث على الإجازة، أي إجازة الورثة، إنْ شاءوا أجازوها وإنْ شاءوا لم يجيزوها فتكون للورثة جميعًا.

نكون بذلك أنهينا أغلب باب الوصايا، باقي شيء قليل إنْ شاء الله بعد الصلاة، أقل مِن نصف ساعة ننهي، ثم نتكلم عن سبب لِمَ أطال المصنف في كتاب الوصايا بالخصوص؟

والله أعلمُ وصلّى الله على نبيّنا محمد.


(1) صحيح البخاري (1295) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه مرفوعًا.
(2) صحيح البخاري (1295) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه مرفوعًا.
(3) أثر أبي بكر رضي الله عنه رواه البيهقي في الكبرى (12574) وضعّفه الشيخ الألباني رحمه الله في الإرواء (1649)، وأما أثر عليّ فعزاه الشيخ الألباني رحمه الله إلى سنن البيهقي (6/270) وضعّفه أيضًا في الإرواء برقم (1650)، ولكنه أورد عن ابن عباس رضي الله عنه نحوه وصححه، وأثر ابن عباس هذا رواه البيهقي في الكبرى (12355).
(4) هنا يشرح الشيخ على شاشة.
(5) هنا سيرجع الشيخ – حفظه الله – ويستدركُ على نفسه بأنه ثلثٌ وليس ثلثين ويعيد الحساب عليها بعد قليل.


 مواد ذات صلة: