موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح عمدة الفقه لابن قدامة

  

باب الوديعة وباب العارية

باب الوديعة:


بدأ المصنف رحمه الله تعالى بذكر باب الوديعة، وباب الوديعة بابٌ يورده أهل العلم رحمهم الله تعالى يتكلمون فيه عن حكم الإيداع، وسمّوه بالوديعة باعتبار اسم المال المُوْدَع، فأسموا الباب باعتبار المال المودع لا باعتبار العقد، فسموه باب الوديعة.

والوديعة في الحقيقة هي توكيل، هو عقد مِن عقود الوكالة، ولذلك يقول أهل العلم: إنّ الوديعة هي توكيل في حفظ المال تبرعًا بغير تَصَرُّفٍ، لأنها لو كانت توكيلًا في حفظ المال مقابل عوض؛ فإنها حينئذٍ تأخذ حكمَ الإجارة، بغير تصرف: لأنه لا يجوز له أنْ يتصرف في الوديعة، إذن هذا هو باب الوديعة.

أحكام الوديعة عند أهل العلم أنها تأخذ حكم الوكالة مطلقًا، سواءً في شروطها مِن المودِع والمودَع، ولذلك يقولون: تصح الوديعة ممن له أهلية الوكالة بأنْ يكون مالكًا للمال، له أهلية التصرف فيه كاملةً أو ناقصة ونحو ذلك، وكذلك تأخذ الوديعة حكمَ الوكالة باعتبار فسْخها، فكل ما يَفسخُ عقدَ الوكالة فإنه يَفسخُ عقدَ الوديعة، ونحن نعلم أنّ عقد الوكالة عقد جائز، فكذلك الوديعة تكون عقدًا جائزًا؛ فتنفسخُ بالوفاء وغير ذلك مِن الأمور المتعلقة بها.

بدأ المصنف في أول مسألة فقال: وهي - أي الوديعة - أمانة لا ضمان فيها على المودع ما لم يتعدَّ، هذه مسألة مِن أهم المسائل المتعلقة بالوديعة وهي مسألة يد المودَع، يد المودَع ما هي؟ الفقهاء يقولون: إنّ يد المودَع يد أمانة لا ضمان، وبناءً على ذلك فإنهم يقولون: إنّ المودَع لا يَضمن أيَّ تلف يقع على العين المودعة، كل تلف وضرر يقع على العين المودعة فإنه لا يضمنها المودَع إلّا إذا تعدّى، وسيأتي بعد قليل صفة التعدي في كلام المصنف، والدليل على أنه يضمنها إذا تعدى ما جاء أنّ عمر رضي الله عنه ضَمّن بعضَ الصحابة رضي الله عنهم وديعةً فُقِدَتْ مِن داره(1)، قالوا: وهذا محمول على أنه كان مُفَرِّطًا في حفظها، فكل مَن تعدى - سواءً في الحفظ أو تعدى في الإتلاف - فإنه حينئذٍ أنه يضمن، وهذا معنى أنّ اليدَ يدُ أمانة، لأنّ اليد نوعان: إما يد أمانة أو اليد تكون يد ضمان، دائمًا اليد إما يد أمانة أو يد ضمان أو يد ملك، فالشخص إذا كان مالكًا لماله هذه مسألة أخرى، وأما إذا كانت يده على غير ماله؛ فهو إما أنْ تكون يدُه يدَ أمانة فلا يضمن إلّا بالتعدي، أو يد ضمانٍ وتعدي فيضمن مطلقًا.

وهي يد أمانة عند المودَع لا ضمان عليه فيها إلّا أنْ يتعدى، وإنْ لم يحفظها في حرْز مثلها أو مثل الحرْز الذي أُمِرَ بإحرازها فيه أو تصرف فيها لنفسه أو خلطها بما لا تتميز منه أو أخرجها لينفقها ثم ردّها أو كسر ختمَ كيسها أو جحدها ثم أقرّ بها أو امتنع عن رَدّها عند طلبها مع إمكانه: ضَمِنَها.


بدأ يتكلم المصنف رحمه الله تعالى عن صور مِن صور التعدي، فقال: أول هذه الصور: وإنْ لم يحفظها في حرْز مثلها، لو أنّ شخصًا أودع مالًا فلم يجعله في حرْز مثله كما جاء في تضمين عمر رضي الله عنه لبعض الصحابة عن المال الذي أُخِذَ مِن بيته(2)؛ فإنه حينئذٍ يكون ضامنًا، والعبرة في حرْز مثلها هو العرف - كما سنقول إنْ شاء الله ويقول الفقهاء في باب السرقة -، فالمراد بالحرز حرزها عرفًا، كحال السرقة تمامًا، قال: أو مثل الحرْز الذي أُمِرَ بإحرازها فيه، وذلك أنّ المودِع إذا عَيّنَ حرزًا معينًا فوضع المودَع العينَ في دون هذا الحرز؛ فإنه حينئذٍ يكون متعديًا فيَضْمَن، فلو أنّ المودِع قال: اجعلها في الدرج؛ فلم يجعلها في الدرج! أو قال له: اجعلها في الخزينة؛ فجعلها بدل الخزينة في الدرج؛ فحينئذٍ يضمن، مع أنّ الدرج ربما كان حرْز مثلها لكن لمّا نصّ المودِع على أنه يجب أنْ يجعلها في محل معين فخالف شرطَه؛ فإنه حينئذٍ يضمن، وهذا معنى قوله أو مثل الحرْز الذي أُمِرَ بإحرازها فيه، لكن لو أنّ المودَع جعلها في حرْز أعلى مِن الحرْز الذي أَمَرَ بإحرازها فيه؛ فإنه لا ضمان عليه، إذن قوله "مثل" يُخرج ما كان دونه، أما ما كان من الحرْز أعلى منه؛ فإنّ مفهوم الأولوية يقتضي عدم الضمان.

قال: أو تصرّف فيها لنفسه، انظر معي، الشخص إذا أُودِع وديعة وتصرف بالوديعة في هذه الوديعة لنفسه - أي لمصلحة نفسه - بأيّ استخدام ولو كان الاستخدام قليلًا؛ فإنه حينئذٍ تنقلب يده مِن كونها يد أمانةٍ إلى كونها يد ضمان مباشرة، انظر معي: فلو أنه على سبيل المثال أودع زيدٌ عمروً كأسًا فقال: احفظه عندك، فمكث عنده أسبوعًا كاملًا في حرزه، اليد هنا يد ماذا؟ يد أمانة، لا يضمنها إلّا بالتفريط ولم يُفرط لأنه حفظها في حرز، بعد أسبوع أخذ هذا الكأس فشرب بواسطته ثم بعد ذلك أرجعها في الحرْز مرة أخرى، نقول: استخدامه لهذه العين ولو مرة واحدة يقلب اليد مباشرةً إلى كونها يد ضمان، فيصبح كالغاصب، ولذلك لما ذَكَرَ الفقهاء – ومنهم شارح المنتهى - أنّ الغصب عشرة أنواع ومنها المودَع إذا استخدم العين؛ فإنه يكون حينئذٍ في حكم الغاصب ولو انقضى استخدامُه، انظر حتى بعد انقضاء الاستخدام، ليس في وقت الاستخدام يكون ضامنًا؛ بل بعدها، وبناءً على ذلك فلو أنّ رجلًا أودع عند آخر سيارة ثم بعد شهر جاء شيءٌ فأتلف هذه السيارة مِن غير عمل منه؛ فأراد صاحب العين أنْ يُطالب المودَع بالضمان؛ فقال المودَع - الذي عنده العين -: أنا مودَع ويدي يد أمانة! نقول: صحيح، لكن إنْ أثبتَ صاحبُ العين أنّ المودَع استخدم السيارة لمصلحة نفسه ولو لحظات قبل الإتلاف حينئذٍ نقول: يصبح ضامنًا للعين؛ لأنها انقلبت يده مِن كونها يد أمانة إلى كونها يد غصب وضمان، لأنها مِن صور الغصب لأنه خالف الأمانة، أنت ممنوع مِن الاستخدام، فلما استخدمتها انقلبت يدك، خلاص، تتغير اليد مباشرة، إذن فقول المصنف: أو تصرف فيها لنفسه؛ فتلفت وقت التصرف أو بعد التصرف ولو في حرْز مثلها؛ فإنه يضمن، مطلقًا، قال: أو خلطها بما لا تتميز منه، سواءً كان خلَطها بما يملك أو ما لا يملك؛ فإنه في هذه الحال يكون ضامنًا مطلقًا، أو خلَطها في جنسها أو بغير جنسها يكون ضامنًا، لأنّ القاعدة عند أهل العلم - وهذه القاعدة تطبيقاتها بالعشرات - وهو أنّ الخلط إتلاف، ويترتب عليه مِن باب الطهارة إلى باب القضاء لمّا يتكلمون عن القسمة وما يتعلق في القسمة، فيها العديد بل عشرات المسائل، فإنّ هذا المودع إذا خلط المال الذي عنده بغيره فإنه يكون مفرطًا؛ فتصبح يده يد ضمان، صورة ذلك: رجل أعطى آخر مالًا قال: اجعله عندك وديعة، هذه خمسمئة ريال اجعلها عندك وديعة، ليست قرضًا! قال: هي وديعة، فحينئذٍ أخذ هذه الوديعة فجعلها في محفظته وخلطها بماله، نقول: حينئذٍ اختلط المال! ما لك حق أنْ تخلطها بمالك! فحينئذٍ تصبح ضامنًا لها على كل حال، وخاصةً - على مشهور المذهب - أنّ الدراهم والدنانير تتعين بالتعيين، فحينئذٍ يلزم ردُّ عينها، وأما إذا لم يخلطها وجعلها في ظرف وجعلها بجانبه؛ فلا تُضمن إلّا بالتفريط، إذن مسألة الخلط مهمة، والخلط تُتصور بالأموال التي هي النقدين الأثمان، وتُتصور فيما يتعلق بالمثليات مِن البرّ والشعير والرز وغيره.

قال: أو أخرجها لينفقها ثم ردها، لو أنّ شخصًا أُودع عينًا ثم أراد - مجرد التفكير - أنْ يستخدمها؛ فنقول: مجرد التفكير لا ينقل اليد مِن كونها يد أمانة إلى كونها ضمان، بل لابُدّ أنْ يصاحب هذه النيةَ والعزمَ عملٌ، وأقل العمل أنْ يخرجها مِن حرزها، أقله أنْ يخرجها مِن حرزها، فلو أنّ شخصًا أودع آخر كأسًا أو مالًا فجعله في الحرْز وهو الدرج؛ ففتح الدرج في لحظة مِن اللحظات وأخرجه لينفقه - سأستخدمه أنا - ثم ندم وأرجعه؛ نقول: انقلبت يدُه مِن كونها يد أمانة إلى كونها يد ضمان، ولكن لابُدّ مِن العمل مع النية، لذلك يقولون في اللقطة: مَن التقط لقطة بغير نية التعريف؛ فإنّ يده تضمن مباشرة، لأنها التقط، ونيتها عدم نية التعريف، حتى لو انقلبت نيته بعد ذلك للتعريف؛ فإنه تبقى يدُه يدَ ضمان، لذلك قضية الأمانة قضية مهمة جدًا، فبمجرد إخراجها مِن محلها بقصد الإتلاف أو الاستخدام يجعل اليد يد ضمان لأنه حينئذٍ يد ضمان لأنه مفرط.

قال: أو كسر ختم كيسها، هذا يُتصور في الأموال قديمًا عندما كانت تجمع في خرائط - وهي كيس - ثم تُجعل في ختم ويربط، الختم هذا مثلًا موجود عندنا في البريد، في البريد عندما يكون كبيرًا يجعلونه بحديدة ثم يُضرب عليه بنوع مِن المعادن يغلقونه، هذا عندما يكسر المرء هذا الختم؛ أو يكون عنده صندوق فيفتح هذا الصندوق الذي عليه قفل - وهو ليس مفتوحًا أساسًا - فكسر القفل هذا تعدي - إذ ليس مِن حق المودَع أنْ يكسر ما فيه - فحينئذٍ يضمن، ولو تلف المال بغير فِعْلِه وإنما بآفة سماوية؛ فإنه يضمن لأنه تعدى، ابتداءً.

قال: أو جحدها، لو أنّ مودَعًا أُعطي مالًا ثم لمّا جاء صاحب المال للمطالبة به جحدها قال: ليس لك عندي شيء! جحد! والجحد ظلمٌ، ولذلك قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَطْلُ الغني ظلمٌ»(3) فدلَّ على أنه لا يجوز، فمن باب أولى إذا كان الامتناع مِن التسليم ظلم؛ فمن باب أولى الجحد، فحينما جحد أصبح ظالمًا فأصبح متعديًا؛ فلو تلفت بعد ذلك فإنه يكون ضامنًا.

قال: أو امتنع عن ردها عند طلبها مع إمكانه، أي مع إمكان ردها، ضنّها، لأنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «مطل الغني ظلمٌ»(4) وفي الحديث الآخر «ليُّ الواجدِ ظلم؛ يُحِلُّ عقوبتَه وعرضه»(5) ليّ الواجد – وهو الامتناع مِن سداد الحق - يحل عقوبته، ومن عقوبته أنه يُضَمّن هذه العين التي أُودِعت عنده.

إذن هذه الصور التي أوردها المصنف في التعدي وإنْ لم يكن تلفُ العين بسبب الشخص؛ وإنما تلفت بآفة سماوية أو بفعل آدمي آخر.

أو امتنع من ردّها عند طلبها مع إمكانه ضَمِنَها، وإنْ قال: ما أودعتني؛ ثم ادعى تلفَها أو ردَّها لم يقبل منه، وإنْ قال: مالك عندي شيء؛ ثم ادعى ردَّها أو تلفَها قُبِلَ.


بدأ يتكلم المصنف عن مسألة الاختلاف المدعي في بعض المسائل.

فقال: وإنْ قال: ما أودعتني! أنكر لجهله - ليس جحودًا مع علمه بها! - وإنما جهلًا، ثم ادعى تلفها، يعني ثم ثبتت الوديعة بإقرار منه مرة أخرى، رجع في إقراره، قال: نعم تذكرتُ الآن؛ بل أودعتني، ثم ثبتت، إذن لمّا ادعى أنه ما أودعه ثبتت الوديعة بإقرار منه أو ببيّنة ثم ادعى تلفها أو ردها، ادعى بعد ذلك أنه تلفت هذه العين أو قد ردها لم يقبل منه ذلك، طبعًا هم يفرقون بين حالتين: الحالة الأولى أنهم يقولون: إذا ادعى ردّها أو ادعى تلفها قبل الجحود؛ قال: إنها تلفت قبل أنْ أجحدها؛ حينئذٍ فإنه لا يُقبل منه مطلقًا ولو أتى ببينة تدل على ذلك، وأما إنِ ادعى تلفها بعد الجحود فإنه يُقبل منه ذلك بالبيّنة، فقط هذا الترتيب من باب تقييد ما أطلقه المصنف، لأنّ الفقهاء يقولون - هذه الفائدة مهمة جدًا، وهذه ذكرها الدوماني في حاشيته على الدليل - قال: وفقهاؤنا يقولون: إنّ إطلاق ما يحتاج إلى تقييد خطأ، فالمصنف هنا أطلق أنه لا يُقبل مطلقًا، والصواب أنه يُفرّق بين حالتين كما ذكرتُ لكم قبل قليل، فمِن المناسب ذكرُ هذه التقيدات، وهناك كتبٌ ألّفها أهل العلم في ذِكْرِ تقييد المطلقات، وهذه الكتب التي تسمى كتب التصحيح، كتصحيح المنهاج وتصحيح التنبيه وتصحيح الفروع، جزء كبير منها في تقييد المطلقات، فتقييد المطلقات هذا مهم جدًا، وهو أنْ يأتي بعض أهل العلم بعبارة مطلقة تشمل كل الأحكام؛ فيأتي مَن بعده بذكر المحترزات التي فاتته.

ثم قال المصنف: وإنْ قال: ما لك عندي شيء - بأنْ منعه أو ماطله – قال: ثم ادّعى ردها أو تلفها قُبِلَ منه، لأنّ الأولى إنما هي مِن باب الجحود، والفرق بين الأولى والثانية أنّ الثانية مِن باب المطل والمنع فقط، إذن قال: قُبِلَ منه، قُبِلَ منه بالبيّنة.

والعارية مضمونةٌ ولو لم يتعدَّ فيها المستعير.


المصنف رحمه الله تعالى اختصر باب العارية ولم يأت إلّا بجملة واحدة مِن أحكامها فقط، وأوردها في باب الوديعة، وإلّا عادة أهل العلم أنهم يجعلون أحكام العارية - تصح بالتشديد والتسهيل – فتقول: العاريَة أو العاريّة – يصح الوجهان - أورد فيها جملة واحدة فقط وهي قوله: والعارية مضمونة وإنْ لم يتعدَّ فيها المستعير، مشهور المذهب أنّ كل مَن أعار غيره عينًا لينتفع بهذه العين؛ فإنه يكون ضامنًا لها سواءً كان تلفُ العين بتفريط أو بدون تفريط، بفعله أو بدون فعله، بأمرٍ قليل فيها أو كثير، هذا هو المشهور أنها مضمونة مطلقًا، والدليل عليها ما جاء عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لمّا استعار أدرعًا مِن صفوان فقال: «بل عارية مضمونة»(6) فدل ذلك على أنها تضمن مطلقًا، فلو أعار رجلٌ آخرَ قلمًا، وهو يكتب به سقط منه؛ فانكسر ذلك القلم؛ نقول: يجب على المستعير(7) أنْ يضمنه إلّا أنْ يُسقط صاحبُ الحق حقَّه، إذن المستعيرُ يكون ضامنًا مطلقًا.

قول المصنف رحمه الله تعالى: والعاريّة، المقصود بها العاريّة المقبوضة دون غير المقبوضة، لأنّ غير المقبوضة لا ضمان فيها، والمراد بالعاريّة كما تعلمون هي العين المُعَارة.

قال: مضمونةٌ، دليلها عرفناه قبل قليل، والضمان يكون بالقيمة أو بالمثل في المثليات، والمثليات غالبًا لا تُعار وإنما تكون بالقيمة أو بالمثل، والعبرة بالقيمة في يوم التلف لا بوقت العقد، ولا في وقت السداد، وإنما يكون في وقت التلف، كم قيمتها في وقت التلف؟

قال: وإنْ لم يتعدَّ فيها المستعير مطلقًا، سواء تعدى أو لم يتعدَّ، بل إنّ فقهاؤنا يقولون: ولو شرط المستعيرُ عدمَ الضمان؛ فإنّ هذا الشرط يلغو، لأنّ هذا الشرط يخالف مقتضى العقد، تذكرون لمّا تكلمنا عن الشروط قلنا: إنّ الشروط ثلاثة أنواع، صحيحة، وفاسدة تفسد العقد، وفاسدةٌ وحدها ولا تفسد العقد، الفرقُ بين الشروط التي تبطل العقد - التي تكون باطلة مفسدة للعقد - هي الشروط التي تخالف مقتضى العقد بحيث تنقله مِن صورة إلى صورة محرمة، كالفائدة في القرض تجعله ربًا؛ فيكون عقدًا باطلًا، وأما الشروط التي تبطلُ وحدها دون العقد؛ فهي التي تخالف مقتضى العقد، ومِن الشروط التي تخالف مقتضى العقد اشتراط نفي الضمان في العارية على المشهور بالمذهب، وأنا أكرر على المشهور، ولماذا قلتُ لكم على المشهور؟ هذه قاعدة عند فقهائنا، خُذْ هذه القاعدة: إذا وجدتَ في كتب فقهائنا أنهم يقولون: المذهب كذا أو المشهور كذا! فمعناه أنّ هذه المسألة فيها خلافٌ في المذهب، وهو خلافٌ قوي في الغالب، إذا نصّوا على المذهب والمشهور، ولذلك لمّا يأتيك واحد ويقول مثلًا: المذهب أنّ الصلوات خمس؛ كلامه صحيح؟ هذا إجماع المسلمين، فما يكون فيه إجماع بين المسلمين لا نقول: هذا المذهب! هذا مجمعٌ عليه، ولذلك تجد بعض الناس عندما يأتي ببعض الأسئلة يريد أن يقول: إنه صاحب مذهب؛ يقول: المذهب كذا! ما فيها مذهب! هذا إجماع المسلمين، النص ورد بها، فإذا وجدتَ في كتب الفقهاء قالوا: المشهور كذا أو المذهب؛ فهو إيماء إلى أنّ هناك اختلاف آخر في المذهب وله اعتبار عند المتأخرين.

فقط هنا مسألة في قضية الاستثناءات كما ذكرتُ لكم، سأورد بعض الاستثناءات فيما يتعلق في الضمان.

مما استثناه العلماء - مِن: تبعيضية – يعني مما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: أنّ المستعير لا يضمن العين إذا تلفت، ذكروا منها صورًا:

الصورة الأولى: قالوا: ما تلف مِن العين بالاستعمال المعتاد، مثال ذلك: عندما يستعير شخص مِن آخر سيارة، فقطعًا فإنّ "عجلاتها" ستصبح مستعملة وستتلف أجزاؤها، وقطعًا أنّ زيت السيارة سيصبح تالفًا، فهذا التلف الذي يكون مع الاستعمال المعتاد معفو عنه، عندما تأخذ نعلًا مِن آخر وتلبس هذا النعل قطعًا سيأتيه شيء مِن أسفله ربما آذاه، فهو الاستعمال المعتاد، هذا لا يكون مضمونًا، إذن هذا هو الأمر الأول.

الأمر الثاني: قالوا: إذا كانت العين المستعملة وقفًا، كالكتب، فإنها لا تُضمن حين ذاك، فمن استعار كتابًا موقوفًا ثم تلف هذا الكتاب الموقوف في يده مِن غير تفريط؛ فإنّ الفقهاء يقولون: لا يضمن، وهذا مستثنى مِن قاعدة "كل معارٍ يضمن" هذه الثانية.

الامر الثالث: مَن أركبه دابة في سبيل الله جلّ وعلا؛ فتلفتِ الدابة تحته - وهذا فيمن جهّز غازيًا – فإنها مستثناة كذلك، وقد حُكي الإجماع عليها.

الأمر الرابع: قالوا: إذا كان المستعار منه لا يَضمن، مثل مَن استعار عينًا مستأجرة، المستأجِر لا يضمن إلّا بالتفريط، فلو أنّ هذا المستأجر أعار العين المستأجرة لغيره؛ فإنّ المستعير ينوب مقام الأصيل، فلو تلفت منه مِن غير تفريط فالأصيل لا يضمن فكذلك المستعير منه لا يضمن، إذن هذه مِن الصور - التي حسب الذهن - ذكر أهل العلم أنها على المشهور يسقط فيها تضمين المستعير.


(1) عن أنس؛ أنّ عمر رضي الله عنهما "ضمَّنَه وديعةً سُرقتْ مِن بيتِ ماله". صحيح. البيهقي في الكبرى (12702). الإرواء (1548).
(2) سبق تخريجه.
(3) صحيح البخاري (2287) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(4) سبق تخريجه.
(5) حسن. أبو داود (3628) من حديث عمرو بن الشريد رضي الله عنه مرفوعًا. صحيح الجامع (5487).
(6) صحيح. أبو داود (3562). الإرواء (1513).
(7) هنا قال الشيخ – حفظه الله -: "يجب على المُعير أنْ يضمنه" ويظهر أنه سبق لسان! وصوابه ما أثبتناه. والله أعلم.


 مواد ذات صلة: