موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - اعتقاد حرب الكرماني

  

مجمل اعتقاد السلف رواية حرب الكرماني

مجمل اعتقاد السلف رواية حرب الكرماني

قال حرب الكرماني رحمه الله في ختام مسائله عن الإمام أحمد بن حنبل والإمام

 إسحق بن راهويه رحمهما الله:

هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بها المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي إلى يومنا هذا وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها.

فمن خالف شيئا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق.

قال: وهو مذهب احمد وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم، وكان من قولهم:

* أن الإيمان قول وعمل ونية وتمسك بالسنة.

* والإيمان يزيد وينقص.

* ويستثنى من الإيمان غير أن لا يكون الاستثناء شكاً، إنما هي سنة ماضية عند العلماء، فإذا سئل الرجل أمؤمن أنت فانه يقول أنا مؤمن إن شاء الله أو مؤمن أرجو ويقول آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله.

* ومن زعم أن الإيمان قول بلا عمل فهو مرجئ.

* ومن زعم أن الإيمان هو القول ؛ والأعمال شرائع فهو مرجئ.

* وإن زعم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فهو مرجئ.

* ومن زعم أن الإيمان يزيد ولا ينقص فقد قال بقول المرجئة.

* ومن لم ير الاستثناء في الإيمان فهو مرجئ.

* ومن زعم أن إيمانه كإيمان جبريل أو الملائكة فهو مرجئ، وأخبث من المجيء فهو كاذب.

* ومن زعم أن الناس لا يتفاضلون في الإيمان فقد كذب.

* ومن زعم أن المعرفة تنفع في القلب وإن لم يتكلم بها فهو جهمي.

* ومن زعم أنه مؤمن عند الله مستكمل الإيمان ؛ فهذا من أشنع قول المرجئة وأقبحه.

* والقدر خيره وشره، وقليله وكثيره، وظاهره وباطنه، وحلوه ومره، ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيئه، وأوله وآخره؛ من الله عز وجل، قضاء قضاه على عباده، وقدر قدره عليهم، لا يعدو أحد منهم مشيئة الله، ولا يجاوز قضاؤه، بل هم كلهم صائرون إلى ما خلقهم له، واقعون فيما قدر عليهم لا محالة، وهو عدل منه جل ربنا وعز

* والزنا والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس وأكل المال الحرام والشرك بالله والذنوب والمعاصي؛ كلها بقضاء وقدر من الله، من غير أن يكون لأحد من الخلق على الله حجة؛ بل لله الحجة البالغة على خلقه ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ(1).

 * وعِلْمُ الله عز وجل ماض في خلقه بمشيئة منه سبحانه وتعالى.

فهو سبحانه قد عَلِمَ من إبليس ومن غيره - ممن عصاه من لدن أن عُصِيَ الله تبارك وتعالى إلى قيام الساعة- المعصيةَ وخلقهم لها. 

* وعلم الطاعة من أهل طاعته، وخلقهم لها، فكلٌ يعمل لما خلق له وصائر إلى ما قُضي عليه وعُلم منه، لا يعدو أحد منهم قدر الله ومشيئتُه. 

* والله الفعال لما يريد

* ومن زعم أن الله سبحانه وتعالى شاء لعباده الذين عصوه ؛ الخيرَ والطاعةَ وأن العباد شاءوا لأنفسهم الشرَ والمعصيةَ ؛ فعملوا على مشيئتهم ؛ فقد زعم أن مشيئة العباد أغلبُ من مشيئة الله تعالى، وأي افتراء على الله أكبر من هذا.

* ومن زعم أن أحدا من الخلق صائر إلى غير ما خُلق له؛ فقد أنفى قدرة الله عن خلقه، وهذا أفك على الله وكذب عليه.

* ومن زعم أن الزنا ليس بقدر‍! قيل له: أرأيت هذه المرأة حملت من الزنا وجاءت بولد هل شاء الله عز وجل أن يخلق هذا الولد؟ وهل مضى في سابق علمه؟ فإن قال: لا فقد زعم أن مع الله خالقاً! وهذا قول يضارع الشرك بل هو الشرك.

* ومن زعم أن السرقة وشرب الخمر وأكل المال الحرام ليس بقضاء وقدر؛ فقد زعم أن هذا الإنسان قادر على أن يأكل رزق غيره! وهذا القول يضارع قول المجوسية والنصرانية، بل أَكَل رزقه الذي قضى اللُه أن يأكله من الوجه الذي أَكَله.

* ومن زعم أن قتل النفس ليس بقدر من الله عز وجل؛ فقد زعم أن المقتول مات بغير أجله وأي كفر أوضح من هذا.

بل ذلك كله بقضاء من الله عز وجل وقدرٍ، وكل ذلك بمشيئته في خلقه وتدبيره فيهم، وما جرى من سابق علمه لهم، وهو العدل الحق الذي يفعل ما يريد.

* ومن أقر بالعلم؛ لزمه الإقرار بالقدر والمشيئة، على الصِّغرِ والقماءة.

* والله الضار النافع، المضل الهادي، فتبارك الله أحسن الخالقين.

* ولا نشهد على أحد من أهل القبلة انه في النار؛ لذنب عمله؛ ولا لكبيرة أتاها؛ إلا أن يكون في ذلك حديث، فيروى الحديث كما جاء على ما روي، ويصدق به ويقبل، ويعلم أنه كما جاء ولا ينصب الشهادة.

* ولا نشهد لأحد انه في الجنة بصالح عمله، ولا لخير أتاه، إلا أن يكون في ذلك حديث، فيروى الحديث كما جاء على ما روي، ويصدق به ويقبل، ويعلم أنه كما جاء ولا ينصب الشهادة.

* والخلافة في قريش ما بقي من الناس اثنان، وليس لأحد من الناس أن ينازعهم فيها، ولا نخرج عليهم، ولا نقر لغيرهم بها إلى قيام الساعة.

* والجهاد ماض قائم مع الأئمة؛ بروا أو فجروا، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والجمعة والعيدان، والحج مع السلطان، وأن لم يكونوا بررة عدولاً ولا أتقياء.

* ودفع الصدقات والخراج والأعشار والفيء والغنائم إليهم؛ عدلوا فيها أو جاروا.

* والانقياد لمن ولاه الله عز وجل أمرَك، لا تنزع يدك من طاعة ولا تخرج عليه بسيفك حتى يجعل الله لك فرجا ومخرجا، وأن لا تخرج على السلطان، وتسمع وتطيع ولا تنكث بيعته، فمن فعل ذلك فهو مبتدع مخالف مفارق للسنة للجماعة.

* وإن أمرك السلطان بأمر فيه لله معصية؛ فليس لك أن تطيعه البتة، وليس لك أن تخرج عليه ولا تمنعه حقه.

* والإمساك في الفتنة سنة ماضية، واجب لزومها فان ابتليت فقدم نفسك ومالك دون دينك.

* ولا تعن على الفتنة بيد ولا لسان ولكن اكفف لسانك ويدك وهواك والله المعين.

* والكف عن أهل القبلة؛ فلا تُكفِّر أحدا منهم بذنب، ولا تخرجه من الإسلام بعمل ؛ إلا أن يكون في ذلك حديث، فيروى الحديث كما جاء وكما روي، وتصدق به وتقبله، وتعلم انه كما رُوي، نحو ترك الصلاة وشرب الخمر وما أشبه ذلك، أو يبتدع بدعة ينسب صاحبها إلى الكفر والخروج من الإسلام، واتبع الأثر في ذلك ولا تجاوزه.

* ولا أحب الصلاة خلف أهل البدع، ولا الصلاة على من مات منهم.

* والأعور الدجال خارج لا شك في ذلك ولا ارتياب، وهو أكذب الكاذبين.

* وعذاب القبر حق؛ يُسال العبدُ عن ربه وعن نبيه وعن دينه، ويرى مقعده من الجنة أو النار.

* ومنكر ونكير حق؛ وهما فتانا القبر نسال الله الثبات.

* وحوض محمد صلى الله عليه وسلم حقٌّ؛ حوض ترد عليه أمته، وله آنية يشربون بها منه.

* والصراط حق؛ يوضع على سواء جهنم ويمر الناس عليه والجنة من وراء ذلك نسأل الله السلامة والجواز.

* والميزان حق؛ يوزن به الحسنات والسيئات كما شاء الله أن توزن به.

* والصور حق؛ ينفخ فيه إسرافيل فيموت الخلق ثم ينفخ فيه الأخرى فيقومون لرب العالمين للحساب، وفصل القضاء، والثواب والعقاب، والجنة والنار.

* واللوح المحفوظ حق؛ يستنسخ منه أعمال العباد لما سبق فيه من المقادير والقضاء.

* والقلم حق؛ كتب الله به مقادير كل شيء وأحصاه في الذكر فتبارك ربنا وتعالى.

* والشفاعة يوم القيامة حق؛ يشفع قوم في قوم فلا يصيرون إلى النار.

* ويخرج قوم من النار بعدما دخلوها بشفاعة الشافعين ويخرج قوم من النار برحمة الله بعدما لبثوا فيها ما شاء الله، وقوم يخلدون في النار أبدا وهم أهل الشرك والتكذيب والجحود والكفر بالله عز وجل

 * ويذبح الموت يوم القيامة بين الجنة والنار.

* وقد خلقت الجنة وما فيها وخلقت النار وما فيها، خلقهما الله عز وجل ثم خلق الخلق لهما، لا يفنيان ولا يفنى ما فيهما أبدا، فإن احتج مبتدع أو زنديق بقول الله عز وجل: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ(2)

وبنحو هذا من متشابه القرآن! فقل له: كل شيء مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك، والجنة والنار خلقهما الله للبقاء لا للفناء ولا للهلاك وهما من الآخرة لا من الدنيا.

* والحور العين لا يَمُتْن عند قيام الساعة ولا عند النفخة ولا أبدا لأن الله عز وجل خلقهن للبقاء لا للفناء، ولم يكتب عليهن الموت، فمن قال خلاف هذا فهو مبتدع مخالف وقد ضل عن سواء السبيل.

* وخلق الله سبع سماوات بعضها فوق بعض وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض وبين الأرض العليا والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام وبين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة عام، والماء فوق السماء العليا السابعة، وعرش الرحمن عز وجل فوق الماء، والله عز وجل على العرش، والكرسي موضع قدميه، وهو يعلم ما في السماوات السبع وما في الأرضين السبع وما بينهن وما تحتهن وما تحت الثرى وما في قعر البحار ومنبت كل شعرة وكل شجرة وكل زرع وكل نبت ومسقط كل ورقة وعدد ذلك كله وعدد الحصى والرمل والتراب ومثاقيل الجبال وقطر الأمطار وأعمال العباد وآثارهم وكلامهم وأنفاسهم وتمتمتهم وما توسوس به صدورهم ويعلم كل شيء لا يخفى عليه من ذلك شيء

* وهو على العرش فوق السماء السابعة ودونه حجب من نار ونور وظلمة وما هو اعلم بها، فإن احتج مبتدع أو مخالف أو زنديق بقول الله عز وجل: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ(3).

وبقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(4).

 وبقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا(5).

و نحو هذا من متشابه القرآن! فقل: إنما يعني بذلك العلم. لأن الله عز وجل على العرش فوق السماء السابعة العليا يعلم ذلك كله

* وهو بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان.

* ولله عز وجل عرش وللعرش حملة يحملونه وله حد والله أعلم بحده.

* والله على عرشه عز ذكره وتعالى جده ولا إله غيره.

* والله عز وجل سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقضان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يتكلم يتحرك، ويسمع ويبصر وينظر، ويقبض ويبسط، ويضحك ويفرح، ويحب ويكره، ويبغض ويرضى، ويغضب ويسخط، ويرحم ويعفوو يغفر، ويعطي ويمنع، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء وكما شاء ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ(6).

* وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ويوعيها ما أراد

* وخلق آدم بيده على صورته

* والسموات والأرضون يوم القيامة في كفه وقبضته.

* ويضع قدمه في جهنم فتنزوي.

* ويخرج قوما من النار بيده.

* وينظر أهل الجنة إلى وجهه يزورونه فيكرمهم ويتجلى لهم فيعطيهم.

* ويعرض عليه العباد يوم الفصل والدين فيتولى حسابهم بنفسه ؛لا يولي ذلك غيره عز ربنا وجل وهو على ما يشاء قدير.

* والقرآن كلام الله تكلم به؛ ليس بمخلوق، فمن زعم أن القرآن مخلوق فهو جهمي كافر.

* ومن زعم أن القرآن كلام الله ووقف؛ ولم يقل ليس بمخلوق فهو أكفر من الأول وأخبث قولا.

* ومن زعم أن ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة؛ والقرآن كلام الله فهو جهمي خبيث مبتدع.

* ومن لم يكفر هؤلاء القوم والجهمية كلهم فهو مثلهم.

* وكلم الله موسى تكليما منه إليه، وناوله التوراة من يده إلى يده، ولم يزل الله عز وجل متكلما عالما فتبارك الله أحسن الخالقين.

* والرؤيا من الله وهي حق إذا رأى صاحبها شيئا في منامه مما ليس هو ضغث فقصها على عالم وصدق فيها وأولها العالم على أصل تأويلها الصحيح ولم يحرف فالرؤيا وتأويلها حينئذ حق. وقد كانت الرؤيا من الأنبياء وحيا، فأي جاهل اجهل ممن يطعن في الرؤيا ويزعم أنها ليست بشيء. وبلغني أن من قال هذا القول لا يرى الاغتسال من الاحتلام وقد روي عن النبي أن رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده وقال الرؤيا من الله وبالله التوفيق.


(1) الأنبياء: 23.
(2) القصص: ٨٨
(3) ق: 16.
(4) الحديد: 4.
(5) المجادلة: 7.
(6) الشورى: 11.


 مواد ذات صلة: