موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الفوائد المستنبطة من كتاب الحج من عمدة الأحكام

  

كتاب الحج

بسم الله الرحمن الرحيم

كتابُ الحجِّ

الحجُّ إلى بيت الله الحرام أحدُ فروضِ الإسلام ومبانيه العظام، وهو الخامِسُ منها؛ في قوله صلى الله عليه وسلم: «بُني الإسلام على خمس» فلذا درج المصنِّفون في أحاديث الأحكام على ذكره بعد الصيام.

والحجُّ لغةً: القصدُ إلى معظَّم، وفي الشَّرع: القصدُ إلى البيت الحرام والمشاعر حوله، وفعل المناسك من الإحرام في الميقات إلى طواف الوداع.

وقد دلَّ على فرض الحج قولُهُ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا(1).

بابُ المواقيتِ

المواقيت جمع: ميقات، وهو الزمان أو المكان المقدَّرُ المحدودُ لفعلٍ من الأفعال؛ فالمواقيت زمانية ومكانية، والمراد هنا: مواقيت الحج المكانية، وهي خمسةُ الأربعةِ المذكورة في حديثي الباب، وهي: ذو الحليفة، والجحفة، ويلملم، وقرن المنازل، والخامس ذات عرق؛ فقيل: الذي وقَّته الرسول صلى الله عليه وسلم، وقيل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، والأقرب -والله أعلم- أن الذي وقَّته الرسول صلى الله عليه وسلم ثم عمر، وهو لم يعلم بتوقيت النبي صلى الله عليه وسلم؛ فكان هذا من موافقاته لربِّه.

٢١٦- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ: ذَا الْحُلَيْفَةِ. وَلأَهْلِ الشَّامِ: الْجُحْفَةَ. وَلأَهْلِ نَجْدٍ: قَرْنَ الْمَنَازِلِ. وَلأَهْلِ الْيَمَنِ: يَلَمْلَمَ، «هُنَّ لَهُن وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهن, مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ  والْعُمْرَةَ. وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ: فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ, حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ».

٢١٧-وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ, وَأَهْلُ الشَّامِ مِنْ الْجُحْفَةِ, وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ» .

قَالَ عبدالله: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «وَمهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ: مِنْ يَلَمْلَمَ».

الشرح:

هذان الحديثان هما الأصل في حكم المواقيت المكانية للحج والعمرة وتعيينُها، وفي الحديثين فوائد منها:

١-تعيُّن المواقيتِ الأربعة المذكورة في الحديثين.

٢-أنَّ الذي وقَّتها الرسول صلى الله عليه وسلم.

3-تعيُّن مَن هي له من أهل الآفاق.

4-أنَّ "ذو الحليفة" ميقات أهل المدينة.

5-أن الجحفة لأهل الشام.

6-أن يلملم لأهل اليمن.

7-أن قرن المنازل لأهل نجد، والميقات الخامس ذات عرق لأهل العراق، وتقدمت الإشارة إلى من وقَّته.

8-أن من كان دون هذه المواقيت يُهِلُّ من المكان الذي عزم فيه على الحج أو العمرة.

9-أن مكة ميقاتٌ لأهل مكة في الحج دون العمرة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «حتى أهلَّ مكة من مكة».

10-وجوب الإحرام من هذه المواقيت على مَن مرَّ بها يريد حجًا أو عمرة؛ لأن معنى (يهلُّ) لِيُهِلّ، وقوله: (يهل) خبر بمعنى الأمر، والإهلال: رفع الصوت بالتلبية، وقيل: يجب الإحرام على كلِّ من أراد دخول مكة ولو لغير حج وعمرة كزيارة وتجارة؛ لأثر جاء عن ابن عباس، والراجح ما دل عليه هذا الحديث في قوله: (ممن أراد الحج أو العمرة).

11-أن من تعظيم البيت: الإحرامُ والإهلالُ من هذه المواقيت في الحج والعمرة.

12-فيه فضل الكعبة البيت الحرام، وفضيلة مكة والحرم، ومشاعر الحج تبعًا لفضيلة البيت، وأصل هذا الفضل كله إضافته البيت إلى نفسه؛ فقال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ(2).

13-أن تحديد النبي صلى الله عليه وسلم مواقيتَ لأهلِ بلدانٍ لم يُسلِموا بعد كالشام ونجد والعراق = علمٌ من أعلام نبوِّته صلى الله عليه وسلم، وبشارةٌ بظهور الإسلام في تلك البلدان.

باب ما يلبس المُحْرِمُ من الثيابِ

أي: هذا باب ذكر ما جاء في السُّنَّةِ في لباس المحرم، وكان المناسب أن يقول: (باب ما لا يلبس المحرم) ليطابق جواب النبي صلى الله عليه وسلم، والمحرم من دخل في أحد النُّسكين، الحج أو العمرة، أو فيهما، وليس هو لبس الإزار والرداء كما يظن العامة، بل لابد من نية الدخول في النسك.

٢١٨-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما؛ أَنَّ رَجُلاً قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ , مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَلْبَسُ الْقَمِص, وَلا الْعَمَائِمَ, وَلا السَّرَاوِيلاتِ, وَلا الْبَرَانِسَ, وَلا الْخِفَافَ, إلاَّ أَحَدٌ لا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ, وَلا يَلْبَسْ مِنْ الثِّيَابِ شَيْئاً مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ».

*وَلِلْبُخَارِيِّ: «وَلا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ وَلا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ».

٢١٩-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ, وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَاراً فَلْيَلْبَسْ سَّرَاوِيلَ لِلْمُحْرِمِ».

الشرح:

هذان الحديثان هما الأصل في بيان ما يلبس المحرم وما لا يلبس من الثياب، وفيهما فوائد:

١-من محظورات الإحرام في حق الرجل: لبسُ هذه المذكورات: القمص، والعمائم، والبرانس، والسراويلات، والخفاف.

٢-الرخصة في لبس السراويل لمن لم يجد إزارًا، وأنه لا يشقُّه ليتَّزر به خلافًا لمن زعم ذلك، وقد حُكي عن محمد بن الحسن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بشقه كما أمر بقطع الخفين.

٣-الرخصة في لبس الخفين لمن لم يجد نعلين؛ بشرط قطعهما أسفل من الكعبين كما في حديث ابن عمر، وفي حديث ابن عباس الرخصة مطلقًا، فبين الحديثين تعارض في الظاهر، وبعض العلماء جمع بينهما؛ فحمل حديث ابن عباس على حديث ابن عمر حملًا للمطلق على المقيد، ومنهم من قال: حديث ابن عباس ناسخ لحديث ابن عمر؛ لأن حديث ابن عمر كان في المدينة، وحديث ابن عباس كان في عرفة؛ فعلى القول الأول يجب قطع الخفين بكل حال، وعلى القول الثاني لا يجب القطع لأنه قد نسخ، والقول الأول أحوط.

٤-عدم الرخصة في لبس الخفين ولو مقطوعين، لمن كان واجدًا للنعلين.

٥-في حديث ابن عمر شاهد لما يُعرف بالأسلوب الحكيم؛ وذلك في جواب النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأل عمَّا يلبسه المحرم ببيان ما لا يلبسه المحرم؛ لأن ما لا يلبسه محصورٌ، وما يلبسه غير محصور.

٦-حسن تعليمه صلى الله عليه وسلم باستعمال الأسلوب الحكيم في الجواب.

٧- نهيُّ المُحرِمة عن لبس القفازين في اليدين، وعن النقاب على الوجه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «ولا تتنقب المرأة ولا تلبس الخفين» في سياق ما لا يلبسه المحرم.

٨-أن من أهم طرق العلم: سؤال أهل العلم.

٩-أن من أعظم طرق نشر العلم: رواية الحديث.

١٠-أن من أعظم طرق نشر السنة: رواية الحديث، وهكذا فعل الصحابة رضي الله عنهم، ومنهم ابن عمر وابن عباس في هذين الحديثين وغيرهما.

١١-مشروعية الخطبة بعرفة، وبيان أحكام المناسك.

١٢-عظم شأن الحج والعمرة لما شرع فيهما من المأمورات والمنهيات الخاصة بهما.

١٣-تحريم ما فيه ورس أو زعفران من الثياب على المحرم.

١٤-اليسر في شريعة الإسلام.

٢٢٠-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما؛ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ, لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ, إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ».

قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَما: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ, وَسَعْدَيْكَ, وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ, وَالرَّغْبَاءُ إلَيْكَ وَالْعَمَلُ.

الشرح:

هذا الحديث أصل في مشروعية التلبية للمحرم في حجٍّ أو عمرة، وهو أصل في نصِّ تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويشهد له ما في حديث جابر الطويل عند مسلم في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم. قال جابر رضي الله عنه-: (فلما استوت به على البيداء -يعني: ناقته صلى الله عليه وسلم- أهلَّ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك إلى آخره ...). كما روى ابن عمر رضي الله عنه، وفي الحديث فوائد منها:

١-مشروعية التلبية في الحج والعمرة.

٢-نصُّ تلبيةِ النبي صلى الله عليه وسلم.

٣-أن الحج والعمرة إجابةٌ لأذانِ إبراهيم الذي أمره اللهُ به في قوله تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ .. (3) الآية، كما يدل لذلك التلبية: لبيك اللهم لبيك.

٤-أن التلبية شعار المحرم، وهي ذكر لا يشرع إلا في الحج والعمرة، وبها يكون إعلان الدخول في النسك، ويشرع رفع الصوت بها؛ ولذا سميت إهلال، ومعنى: (لبيك) إجابة لك بعد إجابة، وإقامة على طاعتك بعد إقامة.

٥-جواز الزيادة على تلبية الرسول صلى الله عليه وسلم بألفاظٍ أخرى كما كان ابن عمر يزيد: (لبيك وسعديك، والخير في يديك، والرغباء إليك والعمل) والاقتصار على تلبية النبي صلى الله عليه وسلم أفضل.

٦-أن الحج مبنيٌّ على التوحيد، وقد اشتملت عليه التلبية صريحًا.

٧-إبطال تلبية المشركين إذ يقولون: (إلا شريكًا هو لك، تملكُهُ وما مَلَك).

٢٢١-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلاَّ وَمَعَهَا حُرْمَةٌ».

*وَفِي لَفْظِ للْبُخَارِيِّ: «تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ».

الشرح:

هذا الحديث أصل في تحريم سفر المرأة من غير محرم، وتقييده بيوم وليلة لا مفهوم له، وقد ورد مقيدًا بثلاثة أيام، وورد مطلقًا، والمعنى يقتضي تحريم سفر المرأة بلا محرم مطلقًا؛ لأن المقصود من النهي حفظ عرض المرأة، وسد ذريعة الوقوع في الفاحشة.

وفي الحديث فوائد:

١-تحريم سفر المرأة بلا محرم، ومحرم المرأة كل من تحرم عليه المرأة تحريمًا مؤبدًا بنسب أو سبب مباح، ويشترط في المحرم: أن يكون بالغًا، عاقلًا، ذا غيرة على محرمه، قادرًا على المحافظة عليها.

٢-أنه لا فرق بين الشابة والعجوز؛ لعموم الحديث، والفتنة بالمرأة حاصلة على كل حال، وإن كانت الحالات تختلف، ولكن لا عدول عن ظاهر الحديث.

3-أن الإيمان بالله واليوم الآخر يقتضي اجتناب ما حرَّم الله.

4-في الحديث دليل على قاعدة سد الذرائع.

5-أن ما لا تجد محرمًا لا يجب عليها الحج؛ وبهذا تظهر مناسبة الحديث للباب، وقيل: يجب عليها إن أيست من المحرم أن تستنيب من مالها من يحج عنها، والأول أظهر.

باب الفدية

أي: هذا باب ذكر الدليل من السُّنَّةِ على فدية الأذى، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ(4)، والمراد: بالفدية ما يجب على المحرم جبرًا لترك واجب أو كفارة لفعل محظور، وسُمِّيت فدية لأن المكلَّف يفدي نفسه بها عن المؤاخذة، وفدية الأذى دل النصُّ على وجوبها بحلق المحرم رأسه، وقاس الفقهاءُ على ذلك بعضَ المحظورات.

٢٢٢-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ قَالَ: جَلَسْتُ إلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ. فَسَأَلَتْهُ عَنِ الْفِدْيَةِ؟ فَقَالَ: نَزَلَتْ فِي خَاصَّةً. وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً. حُمِلْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي. فَقَالَ: «مَا كُنْتُ أُرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى» أَوْ: «مَا كُنْتُ أُرَى الْجَهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى - أَتَجِدُ شَاةً؟» فَقُلْتُ: لا. قَالَ: «فصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ, أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ, لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ».

*وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: أَنْ يُطْعِمَ فَرَقاً بَيْنَ سِتَّةٍ, أَوْ يُهْدِيَ شَاةً, أَوْ يَصُومَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ.

الشرح:

هذا الحديث هو الأصل من السُّنِّة في وجوب الفدية.

وفي الحديث فوائد:

١-أن قصة كعب هي سبب نزول الآية: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ(5).

٢-أن السُّنَّةَ تُفسِّرُ القرآن.

٣-أن من محظورات الإحرام: حلق الرأس؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ(6).

٤-أن المحرم إذا احتاج إلى حلق شعره؛ لمرض أو آذى كالقمل، حلق وفدى.

5-أن فدية الأذى وردت على التخيير بين الصيام والإطعام والنسك.

6-أن الصيام ثلاثة أيام.

7-أن الصدقة إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع.

8-أن النسك ذبح شاة أو ما قام مقامها كسبع البدنة.

9-مشروعية الإحسان بما ينتفع به المسلم من تعليم وإرشاد إلى ما يحتاج إليه.

10-فيه شاهد لقوله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ(7).

١1-أن من أصول الطب: الإستفراغ؛ لأن حلق الشعر فيه تخلص من القمل.

12-أن العبرة في حكم الآية بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

١3-جواز حلق المحرم رأسه عند الحاجة مع الفدية.

بابُ حُرْمةِ مكة

أي: هذا باب ذكر الدليل من السُّنَّةِ على حُرْمة مكة، والمراد بحرمة مكة أنها محرَّمة؛ أي: إنها معظَّمة يحرم فيها ما لا يحرم في غيرها، والمعاصي فيها أشدُّ تحريمًا، ولذا سميت البلد الحرام، والمسجد الحرام، واسم الحرم يشمل مكة وما حولها، ومنها مِنى ومزدلفة، ولحدود الحرم أعلام تعرف بها، وقد دل على حرمة مكة: الكتاب والسنة والإجماع، وأصل حرمة مكة وما حولها من حرمة البيت الذي هو الكعبة، وأصل هذه الحرمة والعظمة أنه تعالى أضاف البيت إلى نفسه تشريفًا وتكريمًا، فقال تعالى لإبراهيم وإسماعيل: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ(8).

٢٢٣-عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ - خُوَيْلِدِ بْنِ عَمْرٍو - الْخُزَاعِيِّ الْعَدَوِيِّ رضي الله عنه: أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ - وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إلَى مَكَّةَ - ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أَنْ أُحَدِّثَكَ قَوْلاً قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْح، فَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ, حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، أَنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: «إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ, وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلا يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ: أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَماً, وَلا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقُولُوا: إنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم, وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أُذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ؛ فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ».

 فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، إنَّ الْحَرَمَ لا يُعِيذُ عَاصِياً, وَلا فَارَّاً بِدَمٍ وَلا فَارَّاً بِخَرْبَةٍ.

*الخَرَبَة: بالخاء المعجمة والراء المهملة، قيل: الجناية، وقيل: البليَّة، وقيل: التهمة، وأصلها في سرقة الإبل، قال الشاعر:

الخاربُ اللصُّ يُحِبُّ الخاربا

٢٢٤-عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ - «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ (9), وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا».

وَقَالَ: يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ, وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ, وَلا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ إلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا، وَلا يُخْتَلَى خَلاهُ». فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إلاَّ الإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ، فَقَالَ: «إلاَّ الإِذْخِرَ».

 القينُ: الحَدَّاد.

الشرح:

هذان الحديثان هما الأصل من السُّنَّةِ في حرمة مكة، وبيان ما يحرم فيها.

وفي الحديثين فوائد:

١-أن فتح مكة كان عنوةً على يده صلى الله عليه وسلم، وبقيادته.

٢-أن ذلك كان في الساعة التي أُحلِّت مكة لرسول صلى الله عليه وسلم.

٣-أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب خطبتين؛ الأولى: يوم الفتح كما في حديث ابن عباس، والثانية: الغداة من يوم الفتح؛ أي: في اليوم الثاني كما في حديث أبي شريح.

٤-أن الله حرَّم مكة يوم خلق السموات والأرض.

٥-أنها أُحلِّت للنبي صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار؛ قيل: من الصبح إلى العصر.

٦-أنها لم تحل لأحد قبله صلى الله عليه وسلم.

٧-أن حرمتها قد عادت بانقضاء تلك الساعة.

٨-تحريم القتل والقتال فيها.

٩-بيان ما يحرم فيها من أجل حرمتها.

١٠-تحريم تنفير صيدها.

١١-تحريم قتل صيدها.

12-أنه لا حجة لأحدٍ بقتال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تلك الساعة التي أذن الله لنبيه فيها.

13-التنبيه إلى الفرق بين النبي صلى الله عليه وسلم، وغيره.

14-تحريم القتل والقتال فيها إلا أن يبدؤنا بالقتال فيها.

15-تحريم تنفير صيدها، وقتله من باب أولى.

16-وجوب تبليغ العلم، وهو فرض كفاية.

17-تحريم قطع الشجر والشوك وأن يُختلى الخلا النابت في أرض الحرم، ومعنى: (يعضد) يقطع، ومعنى: (يختلى خلاه) أي: يحشُّ حشيشه، والخلا: العشب الرطب.

18-الرخصة في قطع الإذخر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إلا الإذخر) وهو نبت معروف إلى اليوم طيب الرائحة، وسبب الرخصة أنهم كانوا ينتفعون بالإذخر في أشياء؛ لقول العباس: (فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ)، والقين: الحداد، فإنه ينتفع بالإذخر في إشعال النار، وكذلك في البيوت يوضع على الجريد يمنع نزول التراب والطين من بين الجريد.

19-أن قول العباس رضي الله عنه: (إلا الإذخر) اقتراح لا استدرك، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إلا الإذخر) موافقة للعباس في طلب الرخصة، وذلك باجتهاد أو بوحي.

20-تحريم لقطتها إلا على من يُعرفها.

21-فضيلة أبي شريح -رضي الله عنه- لإنكاره على الأمير عمرو بن سعيد بعثه البعوث إلى مكة لقتال ابن الزبير، واحتجاجه عليه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتأكيده لروايته بكمال تلقيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وحفظه له، وذلك في قوله للأمير : (فَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ, حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ).

22-حكمة أبي شريح في الإنكار على ذي السلطان بقوله: (ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أَنْ أُحَدِّثَكَ)، واكتفاءه في الإنكار بإبلاغ الحجة، وصبره على عدم القبول منه.

23-أن ما قاله عمرو لأبي شريح يتضمن الكبر، وهو رد الحق.

24-أن فضل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه عند الله فوق فضل مكة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في رواية في الصحيح: (إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين).

25-أن حرمة مكة من شرع الله، وليست عُرف الجاهليين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى , وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ»، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ» فالمراد: أنه أظهر تحريمها وبلغ تحريم الله لها.

26-استحباب افتتاح الخطبة والحديث بحمد الله والثناء عليه.

27-أن الإيمان بالله واليوم الآخر يقتضي فعل المأمورات واجتناب المنهيات.

28-أن مكة صارت بالفتح دار إسلام فانقطعت الهجرة منها، ولكن بقي العزم عليها لو حصل موجبها، أما الهجرة من ديار الكفر فلا تنقطع حتى تطلع الشمس من مغربها.

29-أن الجهاد مشروع لأهل مكة بعد الفتح كغيرهم.

30-وجوب النفير للجهاد إذا استنفر الإمام الناس.

31-أن التحريم والتحليل إلى الله.

32-أن من هديه صلى الله عليه وسلم: افتتاح الخطبة بحمد لله والثناء عليه.

٣3-أن من آثار الإمارة فيمن ضعفت فيه الديانة: الكبر، وهو رد الحق.

34-مراعاة الحكمة في دعوة الملوك والأمراء؛ كما يدل له قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى(10)

بابُ ما يجوزُ قتلُهُ

هذا باب مناسب للباب قبله؛ لأن فيه ذكر ما يجوز قتله في الحل والحرم، وذكر فيه حديث عائشة -رضي الله عنها-.

٢٢٥-عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ, وَالْعَقْرَبُ, وَالْفَأْرَةُ, وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ».

*وَلِمُسْلِمٍ: «بقْتَلُ خَمْسٌ فَوَاسِقُ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ».

*الحِدَأَةُ: بكسر الحاء، وفتح الدالِ مهموز.

الشرح:

وفي الحديث فوائد منها:

١-الأمر بقتل هذه المذكورات كما جاء في رواية مسلم، وقوله: (يقتلن) هو خبر بمعنى الأمر؛ أي: اقتلوا.

٢-جواز قتل هذه المذكورات في الحل والحرم، ويجوز ذلك للمحرم.

٣-وقوله: (كلهن فاسق) أي: خارجٌ عن طبع سائر الحيوانات، فطبعهن الأذى والإفساد، وهذه هي علة تحريمهن والأمر بقتلهن، وفي حكمهن كل ما أشبههن في الأذى والإفساد، وما كانت العلة فيه أقوى كان بالحكم أولى، وجاء ذكر فاسق مفردًا ومذكرًا؛ مراعاة للفظ: (كل)، وفي رواية: (كلهن فواسق).

٤-تحريم أكل هذه الحيوانات؛ لأن من القواعد المستنبطة: أن كل ما أُمر بقتله، أو نُهيّ عن قتله؛ فهو محرمٌ، وهذه الخمس: ثلاثة منها تدب على الأرض، وهي الحية والعقرب والكلب، واثنان من الطير، وهما: الغراب والحدأة، وعدُّهن من الدواب تغليبٌ، وقد جاء في رواية: تقييد الغراب بالغراب الأبقع؛ فخرج به غراب الزرع، والحدأة على وزن عِنَبه.

بابُ دخولِ مكةَ وغيرِهِ

أي: هذا باب ذكر ما يتعلق بصفة دخول مكة، وما يفعله الداخل في حجٍّ أو عمرة، وقد تضمن هذا الباب ثمانية أحاديث تتعلق في جملةٍ من أبواب أحكام الحج والعمرة، ويتبين هذا بذكر الفوائد المستنبطة من هذه الأحاديث:

٢٢٦-عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ, وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ: «اُقْتُلُوهُ».

٢٢٧-وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ, مِنْ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ, وَخَرَجَ مِنْ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى.

٢٢٨-وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْبَيْتَ , وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلالٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ, فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ فَلَمَّا فَتَحُوا: كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلالاً, فَسَأَلَتْهُ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قَالَ: نَعَمْ, بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ.

٢٢٩-عَنْ عُمَرَ - رضي الله عنه؛ أَنَّهُ جَاءَ إلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ، وَقَالَ: إنِّي لأَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ, لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ, وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ.

٢٣٠-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم – وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وفد وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاثَةَ, وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ, وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا: إلاَّ الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ.

٢٣١-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ: يَخُبُّ ثَلاثَةَ أَشْوَاطٍ.

٢٣٢-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ, يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ.

*المحجن: عصا محنيِّة الرأس.

٢٣٣-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: لَمْ أَرَ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَلِمُ مِنْ الْبَيْتِ إلاَّ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ.

الشرح

في الحديث الأول:

١-جواز دخول مكة بغير إحرام لمن دخلها لقتالٍ مباح؛ لأنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح؛ أي: فتح مكة، وعلى رأسه المغفر، وهو: ما يغطي الرأس من الدرع، ويقال له: البيضة، والمحرم لا يغطي رأسه؛ فعلم أنه صلى الله عليه وسلم غير محرم.

٢-أن ابن خطل، واسمه عبد العزى، ممن أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه؛ ولذا أمر بقتله وإن كان متعلقًا بأستار الكعبة يظن أن ذلك ينجيه، وسبب ذلك أنه أسلم وارتد عن الإسلام، وكانت له جاريتان تغنيان بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قتله في الساعة التي أحلَّ اللهُ فيها لنبيه مكة.

٣-أن التعلق بأستار الكعبة لا يمنع من قتل من وجب قتله.

4-أن فعل الأسباب لا ينافي التوكل.

5-تحتُّمُ قتلِ السَّابِّ؛ أي: سابِّ النبي صلى الله عليه وسلم.

في الحديث الثاني:

١-استحباب دخول مكة من أعلاها؛ لأن من هديه صلى الله عليه وسلم: دخول مكة من كداء، وهي الثنية العليا، وفي الخروج يخرج من أسفلها.

2-فيه شاهد لهديه –صلى الله عليه وسلم- في مخالفة الطريق في العبادة.

في الحديث الثالث:

١-أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل البيت؛ أي: الكعبة عام الفتح، وصلى فيه بين العموديين اليمانيين، هذا على رواية بلال، وروي عن أسامة أنه لم يصلي، وجُمع بين الروايتين بأن المُثبت مقدَّم على النافي.

2-فضيلة أسامة بن زيد وبلال؛ لاختصاصهما بدخول الكعبة مع النبي صلى الله عليه وسلم.

3-فضيلة عثمان بن طلحة؛ لدخوله الكعبة مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويقال له: الحجبـي؛ لأنه من بني عبد الدار الذين لهم سدانة البيت، ولهذا كان معه مفتاح البيت فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم منه ثم ردَّه إليه على ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا(11)

4-حرص ابن عمر على العلم، ومعرفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

5-الاكتفاء بخبر الواحد؛ لأن ابن عمر اكتفى بخبر بلال.

6-صحة صلاة الفرض والنفل فيها، وهذا قول الجمهور.

7-استحباب الصلاة فيها لمن دخلها.

في الحديث الرابع:

١-فضيلة عمر -رضي الله عنه- لتعظيمه السنة، وبيانها للناس.

٢-فضل الحجر الأسود.

3-أن تقبيله سنة وعباده لله تعالى.

4-أن مبنى العبادة على التشريع.

5-أن تقبيل عمر -رضي الله عنه- للحجر اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومضى على هذا الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وللطائف في الحجر ثلاث سنن مرتبة كلها صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك بحسب الإمكان: فإن تيسر استلمه وقبَّله، وإن لم يتيسر تقبيلُهُ استلمه بيده أو بشيءٍ كعصا وقبَّله، فإن لم يتيسر أشار إليه بيده وكبَّر.

6-التنبيه إلى الفرق بين تقبيل المسلمين للحجر الأسود، وتقبيل المشركين لبعض الأشجار والأحجار، فالمسلمون أصلُ فعلهم: إتِّباعُ النبي صلى الله عليه وسلم، وأصلُ المشركين: إتِّباعُ الظنِّ والهوى، وخطاب عمر للحجر جار على طريقة العرب في خطاب الجماد تخيلًا أنه يسمع ويعقل، وليبين للناس أن تقبيله سنة.

7-احتراز العالم من الباطل الذي قد يتوهمه بعض الناس من فعله.

8-أن مبنى العبادة على الإتِّباع، وأنه لا يتوقف العمل بما صح على معرفة الحكمة.

في الحديث الخامس:

١-مشروعية الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى من الطواف الأول في الحج والعمرة.

2-معرفة سبب مشروعية الرَّملَ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم هو وأصحابه في عمرة القضاء في السنة السابعة معتمرين؛ فقال المشركون: يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب؛ أي: أضعفتهم؛ حمى يثرب: أي: المدينة، وهذا اسمها في الجاهلية، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تسميتها بذلك، وسماها: طيبة؛ فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة لإظهار قوتهم مراغمة للمشركين، وأمرهم أن يمشوا مابين الركنين اليمانيين؛ لأنهم في ذلك المكان لا يراهم المشركون، لأن المشركين يرقبونهم ويرمقونهم من على جبل شامي الكعبة.

3-ذكر سبب الاقتصار في الرمل على الأشواط الثلاثة، وهو: رفقه صلى الله عليه وسلم بأصحابه، وهو معنى قوله: (ولم يمنعه إلا الإبقاء عليهم).

4-أن الرمل بقي سنة في الطواف الأول؛ لأنه صلى الله عليه وسلم خبَّ في طواف القدوم في حجة الوداع كما في حديث ابن عمر، (والخبب، والرمل): معناهما متقارب، وهو الإسراع مع تقارب الخطى، وفي كثيرٍ من مناسك الحج والعمرة تذكير بأسبابها الأولى، فالسعي تذكير بسعي هاجر، وفي الرمل تذكير بما جرى للصحابة، وفي الوقوف بالمشاعر تذكير بحج إبراهيم.

5-أن من مقاصد الشريعة: إغاظة الكفار بإظهار القوة.

6-فيه شاهد لقوله تعالى في النبي: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(12)

7-أن بعض الحوادث الكونية تكون سببًا لتشريع الأحكام الشرعية، فسعي هاجر حادثٌ كوني؛ لأنه لم يكن بأمر، وجعله الله سببًا لمشروعية السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة.

في الحديث السادس والسابع:

١-أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع راكبًا على بعير، والأقرب أن ذلك في طواف الإفاضة.

٢-أن من تعسَّر عليه تقبيل الحجر استلمه بيده أو بشي معه كعصا، والمحجن: عصا معكوفة الرأس، والركن: هو الحجر الأسود.

٣-جواز الطواف راكبًا.

٤-فيه طهارة بول البعير وروثه، وفي حكمه كل ما يؤكل لحمه.

٥-جواز إدخال البعير المسجد.

في الحديث الثامن:

١-أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستلم الركنيين اليمانيين في الطواف، ولا يستلم الركنيين الشاميين.

٢-مشروعية استلام الركنيين اليمانيين، والمراد: بالركنين اليمانيين الركن الذي فيه الحجر الأسود، والركن المقابل له من جهة الغرب، وسُمِّيا يمانيين؛ لأنهما من جهة اليمن، ويقابلهما من جهة الشمال الركنان المتصلان بالحِجر، ويقال لهما الشاميان، وقد قيل: إن الحكمة من استلام الركنين اليمانين دون الشاميين: أن الركنين اليمانين على قواعد إبراهيم فهما حدان للبيت، وأما الركنان الشاميان فهما قاصران عن حد البيت، فإن الحِجر كله أو أكثره من البيت، واستلام الركن لمسه بباطن الكف كالمصافحة.

٣-أن الدين ليس بالرأي بل هو إتِّباعُ السُّنَّة.


(1) آل عمران: 97.
(2) البقرة: 125.
(3) الحج: 27.
(4) البقرة: 196.
(5) البقرة: 196.
(6) البقرة: 196.
(7) التوبة: 128.
(8) البقرة: 125.
(9) قال شيخنا: "الأصح: إثبات الفتح" وهي مثبتة في النسخة التي حققها محمود الأرناؤوط.
(10) طه: 44.
(11) النساء: 58.
(12) التوبة: 128.


 مواد ذات صلة: