موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - عمدة الفقه لابن قدامة

  

كتاب الوصايا

كتاب الوصايا

روي عن سعد قال: قلت يا رسول الله قد بلغ بي الجهد ما ترى، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا قلت: فالشطر ؟ قال: لا قلت: فالثلث ؟ قال: الثلث والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس.

ويستحب لمن ترك خيراً الوصية بخمس ماله. وتصح الوصية والتدبير من كل من تصح هبته، ومن الصبي العاقل والمحجوز عليه لسفه، ولكل من تصح الهبة له، وللحمل إذا علم أنه كان موجوداً حين الوصية له، وتصح بكل ما فيه نفع مباح ككلب الصيد والغنم وبما فيه نفع من النجاسات.

وبالمعدوم كالذي تحمل أمته أو شجرته، وتصح بما لا يقدر على تسليمه كالطير في الهواء والسمك في الماء، وبما لا يملكه كمائة درهم لا يملكها، وبغير معين كعبد من عبيده، ويعطيه الورثة منهم ما شاءوا، وبالمجهول كحظ من ماله أو جزء ويعطيه الورثة ما شاءوا، وإن وصى له بمثل نصيب أحد ورثته فله مثل أقلهم نصيباً يزاد على الفريضة.

فلو خلف ثلاثة بنين ووصى بمثل نصيب أحدهم فله الربع، فإن كان معهم ذو فرض كأم صححت مسألة الورثة بدون الوصية من ثمانية عشر، وزدت عليها بمثل نصيب ابن فصارت من ثلاثة وعشرين.

ولو وصى بمثل نصيب أحدهم ولآخر بسدس، باقي المال جعلت صاحب سدس الباقي كذي فرض وصححتها كالتي قبلها، فإن كانت وصية الثاني بسدس باقي الثلث صححتها كما قلنا سواء، ثم زدت عليها مثليها فتصير تسعة وستين تعطي صاحب السدس سهماً واحداً والباقي بين البنين والوصي الآخر أرباعاً.

وإن زاد البنون على ثلاثة زدت صاحب سدس الباقي بقدر زيادتهم، فإن كانوا أربعة أعطيته مما صحت منه المسألة سهمين، وإن كانوا خمسة فله ثلاثة، وإن كانت الوصية بثلث باقي الربع والبنون أربعة فله سهم واحد، وإن زاد البنون على أربعة زدته بكل واحد سهماً.

وإن وصى بضعف نصيب وارث أو ضعفيه فله مثلاً نصيبه، وثلاثة أضعاف ثلاثة أمثاله.

وإن وصى بجزء مشاع كثلث أو ربع أخذته من مخرجه وقسمت الباقي على الورثة وإن وصى بجزءين أخذتهما من مخرجهما، وهو اثنا عشر وقسمت الباقي على الورثة، فإن ردوا جعلت سهام الوصية ثلث المال وللورثة ضعف ذلك، وإن وصى بمعين من ماله فلم يخرج من الثلث فللموصى له قدر الثلث إلا أن يجيز الورثة.

وإن زادت الوصايا على المال كرجل وصى بثلث ماله لرجل ولآخر بجميعه ضممت الثلث إلى المال فصار أربعة أثلاث وقسمت التركة بينهما على أربعة إن أجيزت لهما، والثلث على أربعة إن رد عليهما، ولو وصى بمعين لرجل ثم وصى به لآخر أو أوصى إلى رجل ثم أوصى إلى آخر فهو بينهما، وإن قال ما أوصيت به للأول فهو للثاني بطلت وصية الأول.

فصل إذا بطلت الوصية

إذا بطلت الوصية أو بعضها رجع إلى الورثة. فلو وصى أن يشترى عبد زيد بمائة فيعتق فمات أو لم يبعه سيده فالمائة للورثة، وإن وصى بمائة تنفق على فرس حبيس فمات الفرس فهي للورثة، ولو وصى أن يحج عنه زيد بألف فلم يحج فهي للورثة، وإن قال الموصى له: أعطوني الزائد على نفقة الحج لم يعط شيئاً، ولو مات الموصى له قبل موت الموصي أو رد الوصية ردت إلى الورثة ولو وصى لحي وميت فللحي نصف الوصية.

ولو وصى لوارثه ولأجنبي بثلث ماله فللأجنبي السدس ويوقف سدس الوارث على الإجازة.

باب الموصى إليه

تجوز الوصية إلى كل مسلم عاقل عدل من الذكور والإناث بما يجوز للموصي فعله: من قضاء ديونه، وتفريق وصيته.

والنظر في أمر أطفاله، ومتى أوصى إليه بولاية أطفاله أو مجانينه ثبتت ولايته عليهم، ونفذ تصرفه لهم بما لهم فيه الحظ: من البيع والشراء، وقبول ما يوهب لهم، والإنفاق عليهم وعلى من تلزمهم مؤنته بالمعروف، والتجارة لهم، ودفع أموالهم مضاربة بجزء من الربح. وإن اتجر لهم بنفسه فليس له من الربح شئ، وله أن يأكل من مالهم عند الحاجة بقدر عمله ولا غرم عليه، ولا يأكل إذا كان غنياً لقول الله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ غَنِياًّ فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ(1).

وليس له أن يوصي بما أوصى إليه به ولا أن يبيع ويشتري من مالهم لنفسه، ويجوز ذلك للأب، فلا يلي مال الصبي والمجنون إلا الأب أو وصيه أو الحاكم.

فصل: ولوليهم أن يأذن للمميز من الصبيان بالتصرف ليختبر رشده

ولوليهم أن يأذن للمميز من الصبيان بالتصرف ليختبر رشده، والرشد هنا الصلاح في المال، فمن آنس رشده دفع إليه ماله إذا بلغ وأشهد عليه ذكراً كان أو أنثى، فإن عاود السفه أعيد عليه الحجر، ولا ينظر في ماله إلا الحاكم، ولا ينفك عنه الحجر إلا بحكمه.

ولا يقبل إقراره في المال، ويقبل في الحدود والقصاص والطلاق، فإن طلق أو أعتق نفذ طلاقه دون إعتاقه.

فصل: وإذا أذن السيد لعبده في التجارة صح بيعه

وإذا أذن السيد لعبده في التجارة صح بيعه وشراؤه وإقراره، ولا ينفذ تصرفه إلا في قدر ما أذن له فيه، وإن رآه سيده أو وليه يتصرف فلم ينهه لم يصر بهذا مأذوناً له.


(1) النساء: ٦.


 مواد ذات صلة: