موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مدخل لدراسة علوم القرآن

  

مدخل لدراسة علوم القرآن

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

أسأل الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أن يجعلنا ممن إذا أُعطي شكر وإذا ابتلي صبر وإذا أذنب استغفر، وأن يُعيذنا جميعًا من فتنة القول وفتنة العمل أو الإعجاب بالقول أو الإعجاب بالعمل.

وفي هذا اللقاء سيكون الحديث عن مدخل إلى علوم القرآن أو دراسة علوم القرآن، وسيكون في مسائل متعددة حتى ينتظم الموضوع وتحصل منه الفائدة:

أول هذه المسائل: أن القرآن هو كتاب الله المعجز الذي أنزله الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- على نبيه محمد -صَلى الله عَليهِ وسَلم- ليكون باقيًا إلى يوم الدين، قال -تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ(1)، فأنزل الله هذا القرآن ليكون طريق السعادة لكل من سلك هدايته.

فلا كتاب بعد هذا الكتاب، كما أنه لا نبي بعد نبينا محمد -صَلى الله عَليهِ وسَلم-، وهذا فضل من الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ورحمة على هذه الأمة، كما قال الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(2) وفضل الله هو الإسلام ورحمته هي القرآن، وقيل: فضل الله هو القرآن والرحمة من الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لأهل القرآن.

والمسألة الثانية: أن الله -جَلَّ وَعَلَا- قد تحدى بهذا القرآن من نزل عليهم القرآن، حينما شككوا في هذا القرآن وأعرضوا عن هذا القرآن واتهموه بما ليس فيه أنزل الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- آيات يتحداهم فيها.

فمن هذه الآيات أن الله تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن إن كانوا يستطيعون فليأتوا بمثله، قال -تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(3)، وقال -تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ(4)، فلما عجزوا عن ذلك تحداهم الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وتنزل على ما يريدون بأن يأتوا بعشر سور مثله فلم يستطيعوا لذلك، قال -تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ أي أن النبي -صَلى الله عَليهِ وسَلم- كما يزعمون أنه افترى هذا القرآن قال الله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ(5) إن استطعتم ذلك ولم يستطيعوا كذلك.

ثم تحداهم الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إلى أن يأتوا بسورة واحدة كما أخبر الله عن ذلك في سورة "يونس": ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(6)، فعجزوا عن كل ذلك عن هذا التحدي الذي تحداهم الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- به، ودلنا ذلك على أن هذا القرآن هو كلام الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الذي لا يُشبهه كلام من سائر كلام المخلوقين.

المسألة الثالثة: أن القرآن العظيم هو كتاب هداية إلى الصراط المستقيم، قال الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ(7)، وقال -جَلَّ وَعَلَا: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ(8)، وقال -تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(9)، فهذا القرآن هدى يهدي إلى طريق الجنة وإلى رضوان الله، وهو نور يُضيء لصاحبه الطريق في هذه الدنيا للإتباع ولزوم الحق ويُنير له الطريق في اليوم الآخر حتى يدخل الجنة، هذا هو فضل القرآن وهداية القرآن وهو المقصد الأعظم من تنزيل هذا القرآن الكريم.

فمن اتبع هذا القرآن فقد سلك طريق الهداية إلى الصراط المستقيم، قال -تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(10) يهديه الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- في أوقات الظلمات والضلالات والفتن والصراعات والاختلافات، يبقى صاحب القرآن ثابتًا لا تغيره الأحوال.

المسألة الرابعة: أن القرآن العظيم هو كتاب إتباع وقد نبذ التقليد، وإنما أمر بالإتباع إلى ما أمر الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- به وأمر به رسوله -صَلى الله عَليهِ وسَلم-، وحارب التقليد بكل وسيلة، لما نزل القرآن في عهد النبي -صَلى الله عَليهِ وسَلم- وسمعه المشركون أنكروه وقالوا لا نتبع هذا القرآن بل نتبع ما كان عليه آبائنا وأهلونا من قبل، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا(11)، أُمروا بإتباع هذا القرآن أي العمل بما فيه والاهتداء بما فيه فاعترضوا على ذلك، وقالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾.

وفي آية أخرى: ﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ(12) آباءهم مثلهم كانوا في الجاهلية لا يعلمون طريق الحق ولا طريق الهدى فكيف يتبعونهم؟

هذا القرآن جاء الأمر فيه بالإتباع ووجوب الإتباع قال الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(13)، وقال -تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ(14) دعوا هؤلاء الأولياء ودعوا الأصنام والأوثان فإنها لا تضروا ولا تنفع، فاتبعوا ما أمر الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- به.

وقال -تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ(15)، وهكذا آيات تأمر بالإتباع، حتى النبي -صَلى الله عَليهِ وسَلم- وهو المعصوم أُمر بالإتباع؛ أُمر بإتباع هذا القرآن، قال -تَعَالَى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ(16) والذي أوحي إليه هو القرآن الكريم فأمره الله -تَعَالَى- أن يتبع هذا الوحي الذي أنزله الله -تَعَالَى.

والقرآن أنزله الله -تَعَالَى- على قلب نبيه محمد -صَلى الله عَليهِ وسَلم- فأُمرت أمته بإتباعه أي إتباع النبي -صَلى الله عَليهِ وسَلم-، قال -تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(17)، وقال -جَلَّ وَعَلَا: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(18) ولن تحصل للإنسان محبة من الله -تَعَالَى- إلا إذا اتبع النبي -صَلى الله عَليهِ وسَلم-، كما قال -تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(19).

إذًا القرآن حارب التقليد الذي احتج به المشركون وأنهم يسيرون على ما سار عليه آبائهم من قبل، حتى إذا فعلوا المنكر وفعلوا الفواحش احتجوا بما كان عليه آبائهم من قبل، قال -تَعَالَى- مخبرًا عنهم: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ أما في الأولى فصدقوا وأما في الثانية فكذبوا ولم يأمر الله -تَعَالَى- بالفحشاء؛ قال الله ردًا عليهم: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ(20) ، أليس في هذا محاربة للتقليد الأعمى تقليد الأشخاص، تعظيم الأشخاص وترك الوحي المنزل على النبي -صَلى الله عَليهِ وسَلم.

ويدخل في هذه المسألة أيضًا أن القرآن العظيم دعا إلى النظر والتأمل فيما خلق الله -تَعَالَى- في هذا الكون، أمرنا أن نتأمل وأن ننظر في هذا الكون البديع الذي خلقه الله -تَعَالَى-، خلقه فأحسن خلقه وهو يدل على استحقاق الله -تَعَالَى- بالعبودية، قال -سُبْحَانَه وَتَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(21).

العالم العلوي والعالم السفلي هذا الكون بما فيه من عوالم تدعو الإنسان إلى التأمل والنظر، بل بعض العلماء شدد في هذا وقال: إنه يجب على الإنسان أن ينظر ويتأمل في كون الله، ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ(22)، ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ(23) لأولي العقول السليمة الذين ينظرون ويتأملون في مخلوقات الله فيزيدهم ذلك إيمانًا ويزيدهم هدى وثباتًا على هذا الدين، فيتأملون في كلام الله -جَلَّ وَعَلَا- ويتأملون في خلقه وكونه فيزدادون بذلك الإيمان العظيم.

المسألة الخامسة التي هي الدخول إلى الموضوع في معنى علوم القرآن، وهذه اللفظة مركبة من كلمتين من علوم ومن كلمة قرآن، فالعلوم هي جمع علم، والعلم في الأصل هو بمعنى الفهم والإدراك، ثم نُقل هذا المعنى إلى جمل من المسائل المتعددة والمنضبطة بضابط دقيق، هذا هو معنى العلوم.

ولفظ القرآن معنى كلمة القرآن أما من حيث المعنى اللغوي فإن أهل اللغة تفاوت أقوالهم في معنى كلمة القرآن من جهة اشتقاقه أو عدم الاشتقاق، ومن جهة كونه مصدرًا أو وصفًا، ولهم في ذلك أقوال متعددة ولكن إذا تأملنا في كلمة القرآن من هذه المعاني رأينا أنه ليس بينها أي اختلاف تضاد، ومن جهة أخرى أيضًا كونه مهموزًا أو غير مهموز، يعني الاختلاف في المعنى اللغوي جاء من ثلاث جهات:

• الجهة الأولى: كونه مشتقًا أو غير مشتق.

• الثاني: كونه مصدرًا أو وصفًا.

• الثالث: كونه مهموزًا أو غير مهموز.

وأقول إن هذه المعاني قد قال بها كل قول من أهل اللغة وبينوا ذلك في كتبهم ومعانيها وكلٌ يحتج لقوله بحجج، وليس بين هذه الأقوال اللغوية أي تضاد، وإنما هي من اختلاف التنوع والتكامل؛ لأننا إذا رجعنا إلى كلمة قرآن ولعل المختار في هذا والأقرب أنه مصدر من قرأ قرأت قراءة، ثم نُقل هذا المعنى المصدري وحول اسمًا لكلام الله -تَعَالَى- المنزل على نبيه -صَلى الله عَليهِ وسَلم- إلى أن يكون اسمًا لهذا القرآن المنزل على نبينا محمد -صَلى الله عَليهِ وسَلم-، لأن الأصل أن القرآن شيء مقروء ومكتوب يقرأه الإنسان، قال -تَعَالَى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ(24) ولا نخوض في الاشتقاقات اللغوية فليس هذا موضعها.

وأما القرآن في الاصطلاح فهو كلام الله -تَعَالَى- المعجز، المنزل على نبينا محمد -صَلى الله عَليهِ وسَلم-، المتعبد بتلاوته، المكتوب في المصاحف، المنقول بالتواتر، يبدأ من أول "الفاتحة" وينتهي إلى آخر "الناس"، هذا هو تعريف القرآن اصطلاحًا.

هذا معنى كلمة العلم والقرآن بفك التركيب الإضافي وأما بالمركب الإضافي إذا قلنا علوم القرآن فإنها بهذا المعنى تكون هذه العلوم هي العلم الذي يتناول الأبحاث المتعلقة بالقرآن الكريم، المشتملة على كل العلوم والمعارف التي لها صلة بالقرآن الكريم، صلة دقيقة وثيقة؛ كعلم الناسخ والمنسوخ، وعلم أسباب النزول ونزول القرآن، وقصص القرآن، والمحكم والمتشابه وغير ذلك، هذه هي علوم القرآن.

المسألة الثالثة: أهمية دراسة علوم القرآن، أو الفائدة من دراسة علوم القرآن.

دراسة علوم القرآن لها أهمية بالغة وكبيرة لطلاب العلم خصوصًا ولعامة المسلمين عمومًا، وهذه الفوائد قبل أن أسردها أقول إن تتمثل في المقدمات الضرورية التي تُعينك على فهم القرآن وتدبره والوقوف على إعجازه وكنوزه، فليس ثمة سبيل إلى ذلك إلا بمعرفة علوم القرآن الكريم، هذه فائدتها.

ولذلك لن يتأتى لأي طالب علم أن يصل إلى مكنونات القرآن الكريم وبحره وعلمه العميق إلا بمعرفة هذه العلوم المشار إليها آنفًا.

أول هذه الفوائد: أنه يساعد على دراسة القرآن الكريم، وفهمه فهمًا دقيقًا، استنباط الأحكام والفوائد والهدايات والآداب المتعلقة بالقرآن الكريم.

ثاني هذه الفوائد: أنه مفتاح عظيم لمن أراد أن يُفسر القرآن الكريم، فالذي يُفسر القرآن وهو فقير من هذه العلوم أي علوم القرآن فلا يستطيع حينئذ أن يُفسر القرآن تفسيرًا صحيحًا، قد يزل ويضل في ذلك، فلابد من استجماع هذه العلوم علوم القرآن، مثله أيضًا علوم الحديث العلماء ألفوا في مصطلح الحديث وفي علوم الحديث، سواء ما يتعلق بالمصطلح وبالجرح والتعديل وبرواة الأحاديث ودراسة الأسانيد ودراسة متون الأحاديث، هذه كلها علوم الحديث، فلا يصنع علم الحديث إلا علوم الحديث كما أنه لا يصنع علم التفسير إلا علوم القرآن، الوقوف على علوم القرآن.

ولذلك يقول السيوطي -رحمه الله: ولقد كنت في زمان الطلب أتعجب من المتقدمين إذ لم يدونوا كتابًا في أنواع علوم القرآن كما وضعوا ذلك بالنسبة إلى علم الحديث. المتقدمون كتبوا في علوم الحديث القرن الثالث والقرن الرابع ولهم مؤلفات في هذا، فيتعجب السيوطي من أنهم لم يؤلفوا في علوم القرآن، وهذا الكلام ليس على إطلاقه الكلي كما سيأتي.

الفائدة الثالثة: أن دراسة علوم القرآن تزيد المسلم في الثقة واليقين بهذا القرآن العظيم وأنه حق وصدق من الله -تَعَالَى-، فمن أراد أن يتعمق قلبه في حب القرآن الكريم ويزداد تعلقه بالقرآن فعليه بدراسة علوم القرآن الكريم، فسيقف على ما يذهل العقل ويبهر الفؤاد من عظمة هذا القرآن العظيم.

الرابعة: وهو الرد على الشبهات التي يُثيرها أعداء الإسلام حول القرآن الكريم، أعداء الإسلام قديمًا وحديثًا أثاروا شبهات حول القرآن الكريم، لكن الشبهات التي كان يُثيرها المشركون زمن النبي -صَلى الله عَليهِ وسَلم- كان القرآن ينزل ويرد عليها، والمشركون لهم شبهات أثاروها حيث وصفوا القرآن بأنه سحر وبأنه شعر وبأن الذي يأتي به كاهن أو مجنون فرد الله -تَعَالَى- عليهم بآيات في مواضعها، ولا يأتون بشبهة في زمن النبوة إلا وفي القرآن ردها، كما قال -تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا(25).

ولازال أعداء الإسلام يُثيرون الشبهات حول القرآن الكريم، ولا نبالغ إن قلنا أنهم قد ألفوا في ذلك مؤلفات يُثيرون فيها الشبهات حول القرآن الكريم، فقد ألف المستشرق جوزيهر كتابًا سماه "مذاهب التفسير الإسلامي" وانتقد فيه روايات لابن عباس -رضي الله عنه-، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس انتقد عددًا من الروايات، ألفوا في علوم القرآن وألفوا في تاريخ القرآن وفي نزول القرآن، تاريخ القرآن ألف فيه مستشرق ألماني، وفي نزول القرآن وتدوين القرآن وتاريخ القرآن ألف فيه مستشرق فرنسي أيضًا، لكن العلماء يردون عليهم في ذلك ويترجمون كتبهم.

فأعداء الإسلام لازالوا يُثيرون الشبهات في القرآن الكريم، ولم يستطيعوا الوصول إلى تحقيق مرادهم وهدفهم؛ لأن القرآن حق وصدق ومحفوظ بحفظ الله، كما قال الله -تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(26)، وقال -تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ(27) لا يأتيه الباطل مهما حاول الأعداء المغرضون والحاقدون أن يُثيروا أي شبهة في القرآن فإنها ستنكشف بإذن الله ولن يستطيعوا إلى ذلك سبيلًا.

هؤلاء المستشرقون ألفوا في علوم القرآن في مباحث متعددة، وليس قصدهم خدمة القرآن الكريم بل الطعن في القرآن والقدح فيه وإثارة الشبهات وتشكيك المسلمين في قرآنهم، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(28).

الفائدة الخامسة من تعلم علوم القرآن: الوقوف على جهود العلماء السابقين الذين ألفوا في علوم القرآن سواء ألفوا مؤلفات منفردة في موضوعات خاصة أو في موضوعات متعددة.

الفائدة السابعة: زيادة العلم والهدى بهذا القرآن الكريم، وحصول الأجر والثواب لدارس هذه العلوم، هذه المسألة السابعة.

المسألة الثامنة: وهي تاريخ القرآن الكريم، القرآن الكريم حينما كان يتنزَّل على النبي -صَلى الله عَليهِ وسَلم- كان النبي -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- يُبيَّن لهم معاني القرآن، كما أخبر الله تعالى عن ذلك بقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ(29)، فكان يوضح لهم بعض الآيات ابتداءً، ويجيب على أسئلتهم إشكالًا، إذا أشكل عليهم شيء ذهبوا إلى النبي -صَلى الله عَليهِ وسَلم- وسألوه فأجابهم.

ولذلك كما جاء في الحديث الصحيح: أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(30) شقّ ذلك على صحابة النبي -صَلى الله عَليهِ وسَلم- وقالوا: أينا لم يظلم نفسه، جاءوا يشكون إلى النبي -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أن هذا الظلم كلنا يظلم نفسه، فأزال عنهم ذلك الإشكال، وقال: إن هذا الظلم ليس الذي تعنون، إنما هو الشرك، ألم تقرءوا قول العبد الصالح في سورة "لقمان": ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ(31)، فبيّن لهم أن الظلم هنا بمعنى الشرك، فزال عنهم اللبس في هذا.

وعائشة -رَضِيَ الله عَنْهَا- لما جاءت إلى النبي -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وسألته عن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ(32)، قالت: أهو الرجل الذي يزني ويسرق؟ قال: «لَا يَا ابنة الصديق، هم الَّذِينَ يصلون ويصومون ويتصدقون ثُمَّ يخافون ألا يقبلها الله عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُمْ»(33).

المقصود: أنه -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- كان يبين لهم ما أشكل عليهم في ذلك، وكانوا يرجعون في هذا الإشكال إلى النبي -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- ليزيل عنهم هذا الإشكال، ولما مات -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- رجع بعضهم إلى بعض في المعنى، يسأل بعضهم بعضًا، وابن عباس هو حبر الأمة وترجمان القرآن، كانوا يأتون إليه ويسألونه، وبعضهم يسأل بعض، ويسألون الخلفاء الراشدين؛ لأنهم أعلم الناس بالتفسير.

وكانوا يرجعون كذلك إلى المعاني اللغوية والدلالات اللغوية في لغة العرب؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب، ولغة العرب هي المرجع في معرفة المعنى والبيان، فيما كانت عليه العرب؛ ولذلك نزل القرآن بلغة قريش، بلغة العرب وليس بمستنكرٍ عليهم.

وكان الصحابة كذلك قد جمعوا بين حفظ القرآن بين أمرين:

* بين العلم.

* والعمل.

كما أخبر بذلك التابعي الجليل "أبو عبد الرحمن بن أبي ليلي السُلمي" حينما قال: حدثنا الذين كانوا يقرءوننا القرآن أنهم كانوا لا يتجاوزون العشر آيات التي سمعوها من النبي -صَلى الله عَليهِ وسَلم- حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، فجمعوا حينئذٍ بين العلم والعمل، وهذا هو المقصد في هذا.

نقول بعد هذه المقدمة الوجيزة: أن تاريخ القرآن، تاريخ علوم القرآن، أو نشأة علوم القرآن التي هي المسألة السابعة.

نقول: أنه مر بمرحلتين:

المرحلة الأولى: وهي قبل عصر التدوين، كان وقت متنزل الوحي على النبي -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- كان يأمرهم ألا يكتبوا شيئًا عنه؛ حتى لا يختلط القرآن بغيره، فكان يأمرهم ألا يكتبوا ولا يدونوا شيئًا، فمرّ مرحلة ما قبل التدوين هي جمع القرآن وجمع علوم القرآن في صدور الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- فهم يعلمون التفسير، ويعلمون الناسخ والمنسوخ، ويعلمون أسباب النزول، ويعرفون مكان نزول القرآن الكريم، كما جاء ذلك في الآثار عن عبد الله بن مسعود، وجاء في الآثار عن علي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

وإذا قلنا: أن ذلك قبل عصر التدوين، بمعنى أن علوم القرآن كانت واضحة وبيّنة لدى الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- ومن أخصها وأجلها هو تفسير القرآن الكريم، فالخلفاء الراشدون هم أئمة في التفسير، وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، ومعاذ وغيرهم؛ ولذلك كانوا يتورعون عن تفسير بعض الآيات التي لا يعلمون معناها، وذلك خوفًا من القول في كلام الله تعالى بلا علم، وابن عباس وهو حبر الأمة وترجمان القرآن، قد سُئل عن بعض الآيات في التفسير: فلم يعرف معناها، إلا لما جاءه أعرابي وأعطاه المعنى عرف المعنى.

ولهذا جاء في الحديث يقول: أخرج أبو عبيد عن طريق مجاهد عن ابن عباس، قال: (كنت ما أدري ما فاطر) ما فاطر السموات (حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: ابتدأتها).

ورُوي عنه أنه قال: (ما كنت أدري ما قوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ حتى سمعت بنت ديزٍ وقد جرى بيني وبينها كلام تقول: تعالى أفاتحك، تريد أقاضيك وأخاصمك) وقد ذُكر هذا في مقدمة تفسير القرطبي، إلى غير ذلك مما ذُكر عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.

فلم يكن ذلك مدونًا، أي شيء من علوم القرآن، حتى جاء عصر التدوين وهو المرحلة الثانية، علوم القرآن مرت بمرحلتين:

ما قبل عصر التدوين، ما قبل التدوين وعصر التدوين، وإذا أردنا أن نتحدث عن عصر التدوين، فعلوم القرآن في العصر الأول لم تكون مكتوبةً في الكتب ولا في صحف، أين كانت موجودة؟ كانت موجودة في القلوب، فإذا سُئلوا عن مسألة ما متعلقة بعلوم القرآن أجابوا، سواء كانت عن قصص القرآن أو عن الناسخ والمنسوخ أو عن سبب النزول أو عن المحكم والمتشابه، أجابوا، ولم تكن معروفة ولا مكتوبة في كتب، لم تكن معروفة في كتب، وإنما هي في القلوب، فلما جاء عصر التدوين، تدوين علوم القرآن في ذلك.

في القرن الثاني الهجري بدأ عصر التدوين، ولعلي أذكر لكم بعض من دوّن في ذلك على وجه الإيجاز ثم نعود إليه.

في مصادر مستقلة في القرن الثاني الهجري، أصبح هناك مؤلفات مدونة ومستقلة في علوم القرآن، لكنها ليست جامعةً لكل علوم القرآن، بالمعنى العام والتركيب الإضافي، بل مؤلفات منفردة مستقلة، كل علم له مؤلفات، الناسخ والمنسوخ له مؤلفات، أسباب النزول نزول القرآن، المحكم والمتشابه، تفسير القرآن، وهكذا.

ولذلك أول من ألف، أو نقول: من ألف، ولا نقول أول: عطاء بن مسلم المتوفى سنة مائة وخمس عشرة، في الناسخ والمنسوخ، دون النظر عن هذا الكتاب مطبوع أو غير مطبوع.

ومنهم قتادة بن دعامة السدوسي مائة وسبعة عشر هجرية، ألف الناسخ والمنسوخ في كتابه في القرآن.

ومنهم مقاتل بن سليمان البلخي، توفي سنة مائة وخمسين، له كتاب "آيات الأحكام".

ومنهم يحيى بن سلام، المتوفى سنة مائتين، له كتاب "التصاريف في الأشباه والنظائر".

ومنهم الهروي المتوفى سنة مائتين أربعة وعشرين، له كتاب في النسخ والقراءات.

وأيضًا هناك كتاب لابن قتيبة، لأبي عبيد القاسم بن سلام والله أعلم في القراءات، المتوفى سنة مائتين أربعة وعشرين.

وعلي بن المديني شيخ البخاري له كتاب في أسباب النزول، توفي سنة مائتين وأربعة وثلاثين.

ومحمد بن أيوب القيسي مائتين أربعة وستين، له كتاب "فضائل القرآن"، والمكي والمدني.

وابن قتيبة الدينوري، مائتين وستة وسبعين في غريب القرآن ومشكل القرآن.

وابن الأنباري، ثلاثمائة وثمانية وثلاثين "عجائب علوم القرآن" وهكذا.

إنما هذه مؤلفات مستقلة في موضوعات خاصة تتابع العلماء وألفوا فيها مؤلفات، فأصبح كل علمٍ من هذه العلوم يُعد من علوم القرآن الكريم، وهذه كانت في بداية العهد الأموي، حيث اتسعت دائرة التآليف فيه.

ويأتي أيضًا الذي هو عصر التدوين في علوم القرآن بالمعنى الإضافي المركب وإذا أردنا أن نقسم تقسيم دقيق نقول: إن التدوين أو تاريخ علوم القرآن مر بمرحلتين:

• المرحلة الأولى: ما قبل التدوين.

• المرحلة الثانية: قد تنقسم إلى قسمين أو إلى جانبين:

§ الجانب الأول: وهو التأليف في مؤلفات مستقلة في موضوعات خاصة كما تقدم لكم.

§ والجانب الثاني: هو التأليف بالمعنى الذي هو علوم القرآن، أو بالمركب الإضافي في هذا.

ويدخل في ذلك التفسير أيضًا؛ لأن الذين فسروا القرآن الكريم عدد من العلماء من التابعين، منهم مجاهد بن جبر، ومنهم سفيان الثوري، ومنهم وكيع ابن جراح، ومقاتل بن سليمان، هؤلاء كانوا في القرن الثاني الهجري، ألفوا في التفسير، من تفاسيرهم ما وصل إلينا ومنها ما لم يصل إلينا، هذا في جانب التفسير.

إذًا نقول: متى ظهر هذا المصطلح؟ الذي هو مصطلح علوم القرآن، متى ظهر؟

المعروف لدى الباحثين والكاتبين في هذا الفن: أن ظهور هذا المصطلح كان متأخرًا، وجعله السيوطي أن الذي ألف فيه، أول من ألف في هذا المصطلح وليس في هذا الفن هو: ابن الجوزي في كتابه "فنون الأفنان في علوم القرآن" ليس في علوم القرآن، وإنما في كلمة مصطلح علوم القرآن، وأنا أؤكد على هذه الكلمة، لماذا؟ لأننا نعلم أن العلماء تكلموا من قبل: أن أول من ألف في علوم القرآن هو "علي بن إبراهيم الحوفي" المُتوفى سنة ثلاثمائة وأربعين، وابن الجوزي توفي في آخر القرن السادس الهجري، مشرف على القرن السابع، ذكروا: أن علي بن إبراهيم الحوفي المُتوفى سنة ثلاثمائة وأربعين هجري، ألف كتابًا سماه: "البرهان في علوم القرآن".

ويقول عبد العظيم الزرقاني الذي ألّف "مناهل القرآن في علوم القرآن"، يقول: أنه وقف على هذا المؤلف في مخطوط، وهو أقرب ما يكون إلى التفسير وليس إلى علوم القرآن، وإنه يقول: "القول في تأويل قوله تعالى، القول في الإعراب، القول في الناسخ والمنسوخ" وهكذا، إذًا بالمصطلح المعروف: علوم القرآن فلا يكون هو أول من ألف في هذا، قيل بهذا.

لأن العلماء المتقدمون كانوا يطلقون كلمة "علم" على بعض علوم القرآن، فيقولون: "علم التفسير"، ويقولون: "علم القراءات"، ويقولون: "علم الناسخ والمنسوخ"، ويقولون: "علم أسباب النزول"، ويقولون: "علم نزول القرآن"، مجموع هذه ماذا يصير؟ يصير علوم، لكن هل ألف المتقدمون بهذا المصطلح "علوم القرآن"؟ هنا محل الإشكال.

ولذلك قال عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت: "سمعت الشعبي قيل له: إن إسماعيل السُدي قد أُعطي حظًا من علم القرآن"، سماه ماذا؟ "علم القرآن"، فرد عليه وقال: "إسماعيل قد أُعطي حظًا من جهلٍ بالقرآن" لأن إسماعيل السُدي مُتكلَم فيه من حيث رواياته، وهناك سدي كبير وسدي صغير، وليس هذا موضوعنا.

العبرة هنا عندنا هي في مصطلح "علوم القرآن" لا بما كُتب في "علوم القرآن" وهذا ملحظٌ دقيق، إذًا العبرة في مصطلح "علوم القرآن" لا بعنوان المكتوب في علوم القرآن، قلنا لكم: إنه قد ألَّفَ العلماء في القرن الأول سنة ألف ومائة وخمسة عشر، ألفوا في بعض علوم القرآن، من "الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول" وغير ذلك.

إذا أردنا أن نقول: إن من ألف في علوم القرآن على المكتوب و ليس المصطلح، فإننا سنجد للحارث المحاسبي المُتوفى سنة مائتين وثلاثة وأربعين، هو أول ما دوّن في علوم القرآن؛ لأنه ألف كتاب اسمه "فهم القرآن" موضوعاته كلها في علوم القرآن، لكنه لم يسمه علوم القرآن، لم يسمه بهذا المصطلح، ألف في فهم القرآن، وضمنه مواضيع متعددة في علوم القرآن، منها: "فضائل القرآن، فقه القرآن، المحكم والمتشابه، الناسخ والمنسوخ، التقديم والتأخير، الإضمار، الإعجاز" وغير ذلك، ألف في هذا المؤلف وضمنه، أليس يصدق عليه أن يُقال "علوم القرآن"؟ لكنه لم يسمه المؤلف بهذا المسمى.

لكننا إذا أردنا أن نبحث بحثًا دقيقًا عن كتابٍ معنونٍ بعلوم القرآن، فإن ظهوره أولي بالنسبة للعلوم الخاصة المنفردة؛ لأن الأصل عندنا مادة الكتاب وليس عنوان الكتاب، الأصل هو المادة التي تحويه هذا الكتاب وليس العنوان.

منهم من يسمي كتابه "علوم القرآن" ولا يُدخل فيه كل علوم القرآن، يُدخل بعضها، ومنهم من يجتهد في ذلك، فيحذف ما لا يستحق الحذف ويثبت ما لا يستحق الإثبات في هذا.

بهذا يتبيّن لنا هنا في هذه المسألة التي هي مسألة تاريخ القرآن، أو تاريخ علوم القرآن، أو نشأة علوم القرآن، وإذا أردنا أن نؤكد أكثر في هذه المسألة فلنرجع إلى كتب الأحاديث التي أُلفت في الأحاديث كـ"الصحيحين: البخاري ومسلم، أو السنن، أو الحاكم للمستدرك" فسنجد أنهم جعلوا كتابًا لفضائل القرآن، وجعلوا كتابًا للسجدات في القرآن الكريم، وجعلوا كتابًا لفضائل القرآن، وكتابًا للقراءات، هذه كلها أليست من علوم القرآن؟

إذًا نقول: علماء الحديث هم أول من دون في علوم القرآن، والإمام البخاري أول كتاب له في صحيحه ما هو؟ "باب الوحي" الوحي من أي العلوم؟ من علوم القرآن، وضمن الصحيح في كتاب "المغازي والسير" كثيرًا من أسباب نزول الآيات، وبيّن أيضًا أماكن نزول بعض الآيات وألقاب بعض الآيات، يعني: "آية الصيد، آية الشتاء، آية الدين، آية المتعة، آية الحيض، آية الكرسي" وهكذا، هذه موجودة في كتب السنة.

إذًا نقول: علماء الحديث هم أول من ألفوا في هذا المعنى وفي هذا المفهوم، فتبيّن لنا أن الأمر يأخذ جانبين، علوم القرآن بهذا المصطلح لم يظهر إلا متأخرًا، أما علوم القرآن المتفرقة في أبواب كتب علوم القرآن فهي موجودة ومعلومة وألف فيها علماء أجّلاء.

المسألة الثامنة -وهي مسألة دقيقة مهمة- وهي: ضوابط مهمة في معرفة علوم القرآن.

القرآن تحدث عن كل العلوم، تحدث عن خلق الإنسان والمراحل التي مر بها خلق الإنسان، وتحدث عن الكون وما فيه من العجائب؛ إذًا كلما نقرأ في القرآن نقول: هذا علم من علوم القرآن، القرآن تحدث عن الأمم السابقة وماذا جرى لها مع الأنبياء، وماذا حصل لهم من الهلاك، أُهلكوا لما عصوا الأنبياء؛ إذًا يأتي واحد ويقول: نضع علم إهلاك الأمم من علوم القرآن، أيسوغ هذا؟ لا يصح؛

إذًا لابد أن يكون هناك ضوابط نعرف كيف نُدخل هذا العلم أنه من علوم القرآن، وكما سيأتي أيضًا، أن القرآن تحدث عن النجوم في آيات وسور متعددة؛ إذًا نقول: علم النجوم؟! تحدث عن السحر في مواضع متعددة، ما يُقال علم السحر، تحدث عن الفلك، ما يُقال علم الفلك، وهكذا.

ويخطئ من يظن أن مثل هذه العلوم أو علوم التاريخ أو علوم الطب أو علوم مراحل خلق الإنسان أنها داخلة في علوم القرآن، لا تدخل، القرآن فيه علوم شتى متعددة؛ لأن هذا القرآن نزل بالعلم، فيه العلم التام الكامل، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ(34) والعلم الذي جاء هو في القرآن الكريم، فلابد أن نعرف الضوابط التي تعيننا على معرفة ذلك، وأكثر من تكلم فيها -حتى ترجعوا إليه- هو الشاطبي في الموافقات، الشاطبي تكلَّم على هذا كلام دقيق، وما سأقوله الآن هو منقول من كلام الشاطبي، حتى أنه ذكر أن بعض الناس قد تكلَّفَ منهم أهل العلوم الطبيعية وغيرها الاحتجاج على صحة الأخذ في علومهم بآيات القرآن.

يأتي بعلم من العلوم ويؤكد هذا ويقول: هذا في القرآن، مذكور في القرآن، ولو ذُكر في القرآن ليس المقصود به أن تجعله علمًا مستقلاً، هذه هداية من هداية القرآن.

أو يأتي ويقول في قوله تعالى: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا(35): في القرآن علم الهندسة، في هندسة في القرآن، هل هذا يصح؟ هذا لا يصح، هذا من الخطأ وسفاهات العقل، هذه هداية القرآن، والقرآن يضرب الأمثال للعقول، ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ(36).

لا يأتي طبيب ويقول: القرآن فيه حديث عن الطب، في علوم الطب، في علوم الهندسة، علوم الكيمياء، علوم الفيزياء، وهكذا.

إذًا نقول: العلوم المُضافة إلى القرآن الكريم، يعني: كيف نصف هذا العلم أنه من القرآن الكريم؟

أولاً: أن يكون هذا العلم مما يعرفه العرب.

وخرج بهذا اللفظ ضابط العلوم التي لم تنشأ عند العرب ولا عرفتها، كعلم "الفلسفة والمنطق" وغيرها من العلوم التي لم يكن للعرب بصرٌ بها، فإذا لم تعرفها العرب فلا تدخل فيه، تقول العرب تعرف الطب، العرب تعرف الهندسة، العرب تعرف كذا، لكن هذه ليست علوم داخلة في القرآن.

ثانيًا: أن يكون للسلف فيها اعتناء بهذا العلم.

وهذا يظهر في جملة من علوم القرآن كما تقدم لكم اعتناءهم بأسباب النزول، أليس السلف اعتنوا بأسباب النزول؟ واعتنوا بنزول القرآن؟ واعتنوا بالمحكم والمتشابه؟ وعلم المكي والمدني؟

ثالثًا: أن يكون وسيلة لفهم القرآن.

مثل معرفة أسباب النزول، والمكي والمدني، والناسخ والمنسوخ، يعينك على فهم الآية ومعناها، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: "علم أسباب النزول مما يُعين على فهم الآية علم أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ" فإذا كان يعين على الفهم فيجعله من علوم القرآن.

رابعًا: أن يكون منبثقًا منه غير منتسبٍ لغيره.

يكون خارجًا من القرآن نفسه، من ذلك: رسم المصحف، ونقطه، وضبطه، وعد آياته، وعدُّ سوره، هذه داخلة في علوم القرآن، فتدخل في علوم القرآن حينئذٍ؛ إذًا هذا قسم.

• القسم الأول هو -كما تقدم لنا- نقول: قسم متعلق بالقرآن الكريم.

• وقسم ناشئ عن القرآن الكريم.

• القسم المُتَعَلِّق -كما تقدم- الناسخ والمنسوخ، ما يعرفه العرب في لغتهم، ما يعين على فهم الآية، هذا قسم المتعلق.

• القسم الثاني: وهو العلوم الناشئة، وما كانت متصلة بالقرآن، ولعلها الخامسة، وهي علم القراءات، والقراءات لا تؤخذ إلا من القرآن -معرفتها-، وعلم جمع القرآن وعلم الرسم والضبط، وعلم عدُّ الآي، وفضائل القرآن ومبهمات القرآن والوقف والابتداء، وعلم التفسير كذلك، كل هذه داخلة في الضوابط المعروفة في معنى علوم القرآن.

المسألة العاشرة: وهي الفرق بين علوم القرآن وموضوعاته.

وهذه المسألة لها ارتباط بالمسألة السابقة، لكنني خصصتها بالذكر لأهميتها.

القرآن الكريم -كما تقدم- هو مشتمل على علوم متعددة، وموضوعات كثيرة، وفيه علم الأولين والآخرين، علمه من علمه، وجهله من جهله، كما قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ(37).

والعلماء لازالوا إلى هذا الزمن يستنبطون من القرآن الهدايات والدلالات التي تهديهم إلى الحق، والعلم الذي يُستنبط من القرآن الكريم هو علم منضبط انضباطًا دقيقًا لا يتغير، فهو أصول ثابتة، لا تتبدل ولا تتغير.

وقد يُستنبط من القرآن موضوعات محتملة لهذا الموضوع ولغيره؛ ولذلك -كما تقدم لنا في التعريف- نقول: الموضوعات كثيرة، وقد لا تدخل في موضوع علوم القرآن، ما يؤخذ بموضوعات الخاصة متعلقة بالتفسير، موضوع مثلاً تفسير عن أحوال اليتامى في القرآن الكريم، أو حقوق اليتامى في القرآن الكريم، أحوال الأسرة في القرآن الكريم، أحوال وحقوق الضعفاء في القرآن الكريم، هذه ليست من علوم القرآن، هذه موضوعات متعلقة بتفسير الآيات، ما يُسمى بالتفسير الموضوعي عند المتأخرين، وليس عند المتقدمين، يأخذ الآيات التي تتحدث في موضوعٍ مُوحد، كالحديث مثلاً عن الأسرة وأحوالها، وما ينبغي فيها، أو حديث عن فضل بر الوالدين والآيات الدالة وأقوال السلف في هذا، فهو يجمع هذا، أو يتحدث عن إعجاز القرآن من حيث البحار: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ(38)، أو قال: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ(39)، وقال: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ(40)، هذا موضوع يتحدث عنه، لكن لا يكون علمًا من علوم القرآن كما تقدم.

تكملة لما تقدم في التأليف في علوم القرآن أشار إليه الأخ السائل: تتابعت المؤلفات في علوم القرآن وذكرنا أن أول من ألف فيه كما يقول السيوطي في كتاب مستقل، وهو "فنون الأفنان في علوم القرآن" وألف أوسع من ذلك، وهو الزركشي، كتابه "البرهان" ألف فيه في علوم القرآن وهو كتاب واسع شامل، ثم جاء بعده السيوطي وألف كتابه "الإتقان في علوم القرآن" زاد على ما في "البرهان" للزركشي، وكلها كتب متنوعة ومفيدة، وهي من أمهات المؤلفات في علوم القرآن.

إذًا نرجع إلى المسألة التاسعة، وهي: الفرق بين علوم القرآن وموضوعاته.

وهناك كما تقدم فرق بين الموضوعات التي تُستنبط من القرآن الكريم وبين الموضوعات الأخرى التي تصنع المفسر للقرآن الكريم وتهدي إلى علم القرآن الكريم، وقلنا: إن الموضوعات متعددة في هذا الأمر، كـ"علم النجوم، وعلم الفلك، وعلم البحار" وغيرها، هذه ممكن أن يكتب فيها الكاتب ويعلم، ويُظهر أسرار القرآن وحكم القرآن وعلم القرآن، لكنها ليست من علوم القرآن، والقرآن مليء بمثل هذه الأمور.

ولتقريب المعنى أيضًا يمكن أن يُضرب مثل غير هذا: الله -سُبْحَانَه وَتَعَالَى- ذكر عن كثير من الأمم أنه أهلكهم، أمم سابقة، في السور التي جاء فيها الحديث عن قصص الأنبياء والمرسلين وما جرى لهم مع أقوامهم حينما خالفوهم، الله تعالى بيّن أنه أرسل عليهم الصيحة والصاعقة والخسف والغرق، هذه كلها أيضًا من الأمور التي ذكرها القرآن وليست هي من علوم القرآن، هي من العلم، لاشك الذي يزيد الإنسان إيمانًا وثباتًا وتقوى، لكنها ليست من العلوم الخاصة بعلوم القرآن.

المسألة الحادية عشرة: وهي من أهم المسائل، وهي من المسائل المشتركة بين علوم القرآن وأصول الفقه.

قد يسأل سائل ويقول: إن بعض المباحث العلمية في علوم القرآن هي أصلًا موجودة في أصول الفقه، نعلم أن علوم الشريعة أو العلوم الشرعية متداخلة بعضها في بعض وليست منفكة، بعضها من بعض، يدخل بعضها في بعض، والمباحث المذكورة في علوم القرآن.

نقول جوابًا على هذا: منها ما هو من أساسات الفن، ولم تؤخذ من علومٍ أخرى، كالكلام على نزول القرآن، ومكيه ومدنيه، وعدِّ آياته، ونحو ذلك، هذه علوم أساسية في علوم القرآن، ومنها ما هو مشترك بين علومٍ أخرى، كعلم اللغة العربية، من جهة كون القرآن عربي وكعلم الفقه من جهة معرفة الأحكام الفقهية، ولذلك نجد أن أهل اللغة ألفوا في معاني القرآن الكريم، في معانيه وإعرابه وبلاغته.

ألف النحاس "إعراب القرآن الكريم"، وألف مكي بن أبي طالب في إعراب القرآن الكريم، والفقه أُلِّف تفسير للأحكام الفقهية، كما ألف ابن العربي المالكي كتاب "أحكام القرآن" والهراس أحكام القرآن، فهؤلاء بحثوه من جانب فقهي، وأهل اللغة بحثوه من جانب لغوي نحوي.

ومنهم من ركّز على أبواب البلاغة، من المتقدمين الزمخشري، أو التنوير للطاهر ابن عاشور وغيره، فهذه علوم مشتركة بين علوم القرآن وغيرها.

وكذلك أصول الفقه من جهة مباحث متعلقة بين علوم القرآن وبين علم أصول الفقه، من ذلك علم الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، وعلم القراءات الشاذة، وأبواب العام والخاص، والموافق والمخالف، ومفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة، والمجمل والمبين، والمطلق والمقيد، هذه فيها وجه تشابه بين العلوم.

لكن علم أصول الفقه طرق هذه الأبواب في العلوم من قبل، ويذكر العلماء أن أول من تكلم في هذا هو الشافعي -رحمه الله تعالى- في كتابه "الرسالة" تحدَّث في هذه الأبواب التي ذكرتها لكم وهي متصلة بأصول الفقه.

ومن حيث أيضًا الدلالات اللفظية في باب أصول الفقه أُخذ من آيات القرآن الكريم.

فبين مسائل أصول الفقه ومسائل علوم القرآن من حيث الاستدلال بينها عموم وخصوص، خصوص في المسائل التي تُدرس في علوم القرآن وأصلها مأخوذةٌ من أصول الفقه -كما ذكرت لكم- تُدرس في علوم القرآن وأصلها مأخوذ من أصول الفقه، لكن المتأخرين الذين ألفوا في علوم القرآن أدخلوها ضمن علوم القرآن وهذا هو الصحيح، فوجه الشبه ظاهر حينئذٍ، هذا من حيث الخصوص.

وإلا فإن هذه المسائل التي تقدم ذكرها تُبحث في باب أصول الفقه، والمؤلفات في الأصول على مصطلح "أصول الفقه" متقدم على مصطلح "علوم القرآن" في المصطلح، في المسمى، أما في المؤلفات المتعلقة بأبواب علوم القرآن فإن علوم القرآن له السبق في هذا -كما تقدم لكم- من أوائل القرن الثاني، مائة وخمسة عشر، وهذه مسألة مهمة الحقيقة، مسائل مشتركة بين أصول الفقه وبين علوم القرآن.

لو قلبت كتاب "البرهان" للزركشي أو "الإبطال" للسيوطي لوجدت فيه هذه الأبواب "العام والخاص، المطلق والمقيد، المجمل والمبين، مفهوم الموافقة والمخالفة"، وهكذا؛ لأن الكل يأخذ من مصدرٍ واحد وهو القرآن الكريم، الكل يأخذ من مصدر واحد، وهو كتاب الله تعالى.

المسألة الأخيرة: الفرق بين علوم القرآن وأصول التفسير:

أصول التفسير: هي المبادئ العلمية الخاصة التي يحتاجها من يريد تعلم علم التفسير ويتزود منه، هذه مبادئ علمية يحتاج إليها من يريد تفسير القرآن، وهي جزء من التفسير، وعلم التفسير جزء من علوم القرآن، فكل معلومة من أصول التفسير هي أصل من علوم القرآن؛ ولذلك إذا رأيت أحد يؤلف في أصول التفسير يدخل فيه بعض الموضوعات المتعلقة بأي شيء؟ بعلوم القرآن، يدخل فيه علوم القرآن، يدخل الناسخ والمنسوخ، قد يدخل المحكم والمتشابه، الأدوات التي يحتاج إليها المفسر، المكي والمدني، هذه كلها من علوم القرآن، فعلم التفسير هو جزء من علوم القرآن، ومن أدخلها فهو من باب التسامح والتجاوز.

وإذا قلبت كتاب "أصول التفسير" أو "مقدمة في أصول التفسير" لشيخ الإسلام ابن تيمية لوجدت فيه مسائل متعددة من هذا الجانب، أو قلبت أيضًا كتاب الشيخ عبد الرحمن بن قاسم اللي سماه "أصول التفسير" لوجدت فيه هذه أبواب مباحث علوم القرآن، أو كتاب "أصول التفسير" للشيخ ابن عثيمين، الذي شرحه أيضًا، شرح الأصول هو، أدخل فيه مسائل متعددة بنسبة كبيرة تكون من علوم القرآن؛ إذًا هذا من باب التسامح والتجاوز في هذه، وإلا فالأصل علوم القرآن الكريم.

وإذا قلبت كتب علوم القرآن تجد أنهم يكتبون عن أصول التفسير، وما يحتاجه المفسر من الأدوات ومن العلوم يذكرونه، أو شروط المفسر يذكرونها في أبواب علوم القرآن، ذكرها السيوطي، وذكرها من بعده فيمن ألف في مباحث في علوم القرآن متفرقة، كما ألف "صبحي الصالح، ومَنَّاع القطان"، وغيرهم و"لطفي الصباغ" ألفوا في هذا مباحث في علوم القرآن، ويتحدثون عنها على انفراد.

مسائل متعلقة أيضًا متصلة بهذا ممكن نطرحها على وجه الإيجاز، وهي مسألتان:

المسألة الأولى: نسمع بمدارس التفسير، يقولون مدارس التفسير، وقد أعجبني الشيخ الدكتور "مساعد الطيار" أنه نقد هذا المصطلح، في كتابه "مقالات في علوم القرآن" وهو كتاب نفيس في مجلدين.

مدارس التفسير، هذا المصطلح كلمة "مدارس" لم يعرفها المتقدمون، لم يعرفون كلمة مدارس، إنما عرفوا "مناهج" مناهج المفسرين، كلمة "مناهج" أو تنوع طرائق التفسير، أو اختلاف المفسرين، هذا معروف؛ لأن تنوع شيوخ بعض التابعين، التابعون قرءوا على الصحابة، وتعدد شيوخهم، وتنوع بلادهم هذا يرد على كلمة "مدارس التفسير" المدرسة المكية، المدرسة المدنية، المدرسة البصرية، وهكذا يقولون.

فالتابعون طلعوا وقرءوا على الصحابة، وأخذوا من علومهم، فهم متعددون في هذا، فهل النسبة هنا إلى البلد أم إلى الشيخ؟ لم يحددوا ذلك؛ لأن بعض أهل العلم الذين تلقوا عن الصحابة انتقلوا، مثل أبي العالية كان مدنيًا عاش في المدينة، رفيع بن مهران، ثم انتقل إلى البصرة، وهكذا مجاهد أخذ عن ابن عباس التفسير كاملًا، ثم أخذ بقراءة عبد الله بن مسعود، إذًا ليس في مكانٍ واحد.

فكوننا ننسب التفسير إلى مدرسة متعددة، هذا عليه ملحظٌ واضح.

كذلك مما يدل على عدم صحة هذا الإطلاق: أنك تجد أن أصحاب هذه المدارس، كما يقولون المدارس، قد يخالف آراء شيوخه في هذا، في التفسير، فيقول قولاً يخالف قول شيخه في هذه المسألة، مما يدلك على أنهم ليسوا ملتزمين بمنهجية هذه المدارس، إنما هم يسيرون مع الحق حيث صار، فهم لا يتبعون إلا الحق في هذا.

ولبعض الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- أقوال خاصة في التفسير، لم يتبعهم فيها تلاميذهم:

كقول ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في حكم القاتل عمدًا، يقتل غيره عمدًا، هذا مخلدٌ في النار، عند قوله تعالى ذكر هذا ابن كثير في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا(41) الآية، ذكر أقوال أهل العلم في كلام ابن عباس والإجابة عليه في ذلك.

المسألة الأخيرة في هذا: وهي أمر متعلق بعلوم القرآن وهي الأحرف السبعة، وهي من علوم القرآن.

القرآن منه ما نزل في مكة، ومنه ما نزل في المدينة، ولم ينزل الترخيص بالقراءة على الأحرف السبعة إلا في المدينة؛ لأن القرآن نزل بلغة قريش، فلم يشق عليهم ذلك في قراءة القرآن ومعرفة النطق به، ولما دخل الناس في الإسلام وتوسعت الدائرة دخلت قبائل شتى متعددة في الإسلام، ولهم لهجات تختلف عن لهجات قريش في هذا، فلما هاجر النبي -صَلى الله عَليهِ وسَلم- إلى المدينة جاءت لهجات متعددة.

وكما في حديث أُبيّ في قول النبي -صَلى الله عَليهِ وسَلم: أنَّ الله يأمرك أن تقرأ أمتك على حرف، لما جاءه جبريل، وقال: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ عَلَى حرف»(42) فراجعه في ذلك على حرفين، على ثلاثة، على أربعة إلى أن وصل إلى سبعة، أُنزِلَ القرآن على سبعة أحرف فأصبح هذا الحديث مجال إشكال عند أهل العلم، إشكال كبير، من المتأخرين، من القرن الثالث الهجري تكلم فيه الطحاوي، أبو جعفر الطحاوي في "مشكل الآثار" بكلامٍ طويل وكلام أهل العلم في هذا، في معنى المراد بالأحرف السبعة في ذلك؛ لأن النبي -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- لم ينص على معنى الأحرف السبعة في الحديث، ولم يتعرض أحد من الصحابة للسؤال عن ذلك، لم يتعرض أحد من الصحابة للسؤال عن معنى الأحرف السبعة، ولم يسأل أحد من التابعين الصحابة عن أحد من الأحرف السبعة، معنى أن ذلك لم يشق عليهم، ولم يجدوا فيه إشكالًا، وإنما وجدوا فيه توسعة على الأمة.

ولذلك جاء القرآن الكريم في عهد عثمان -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه جُمِعَ على العرضة الأخيرة التي عارض فيها جبريل النبي -صَلى الله عَليهِ وسَلم- في رمضان عرضه مرتين فكان على العرضة الأخيرة في ذلك.

واختلاف العلماء في معنى الأحرف السبعة أقوال متعددة، حتى ذكر السيوطي أنهم أوصلوها إلى أربعين قولاً ولم يصلوا فيها إلى نتيجة، إلى قول، وإنما كل عالم يختار قولًا من هذه الأقوال.

وذكر ابن الجزري في كتاب "النثر في القراءات العشر" أيضًا كلامًا نفيسًا في معنى الأحرف السبعة، يُرجع إليه.

ولكن لعل الأقرب في ذلك في معنى الأحرف السبعة أن يُقال: أنها سبع لغاتٍ في كلمة واحدة، تختلف في ألفاظها وتتفق في معانيها، أقول: لعل هذا هو الأقرب في ذلك.

خاتمة ذلك:

الرجوع إلى مقدمات كتب التفسير، فإنها قد أشبعت الكلام على علوم القرآن بكلامٍ طويل.

منهم: إما المفسرين في زمانه "محمد بن جرير أبو جعفر الطبري" المتوفى سنة ثلاثمائة وعشرة، في جامع آي القرآن الكريم، تكلَّم عن كثير من أبواب علوم القرآن في مقدمة تفسيره.

ثم تكلَّم أيضًا بعده ابن عطية في "المحرر الوجيز".

وتكلَّم بتوسع أكثر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن".

وبعده تكلَّم العلماء في مقدمات التفسير، وقد أفرد لذلك صاحب محاسن التأويل مجلدًا تامًا في مقدمات التفسير، وهي أبحاث متعلقة بعلوم القرآن، فطالب العلم للقرآن يرجع إلى مقدمات التفسير، ففيها كلام نفيس عن علوم القرآن الكريم في هذا.

نأتي للأسئلة:

السؤال: على ماذا استدل الإمام الشاطبي في وضعه لضوابط علوم القرآن؟ هل هناك ضوابط شرعية على هذه الضوابط؟

الجواب: هذه لا يُطلب منها أدلة شرعية، هذه تؤخذ بالاستقراء، بالصبر، بالاطلاع على العلوم التي تخدم القرآن وتظهر هداياته، وتجعل الطريق التصحيح لتفسير القرآن، لا يُطلب لهذه أدلة شرعية، إذا قال مثلاً: ذكر الشاطبي وقال: "من الضوابط أن تكون هذه العلوم معروفة عند العرب" ما هو الدليل الشرعي؟ ما في دليل، القرآن نزل بلغة العرب، والاحتجاج باللغة العربية في معرفة آيات القرآن هذا معروف؛ ولذلك كان ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يحتج في تفسير القرآن بالشعر.

وذكر ابن الأنباري، أخرج بسنده ابن الأنباري أكثر من مائتين سؤال وُجه إلى عبد الله بن عباس من بعض الخوارج الذين وجدوه في الحرم بجوار الكعبة يفسر كلام الله تعالى، وقالوا: نذهب إلى هذا الذي يفتري على القرآن لنسأله -خابوا وخسروا- فكلما سألوه عن مسألة في التفسير لغوية، قالوا: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، ويستدل لهم بذلك.

سألوه عن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ(43)، يسألون عن اللفظة الغريبة، قالوا: ما معنى ﴿الْوَسِيلَةَ﴾، قال: "الوسيلة الحاجة"، قالوا: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، ألم تسمع قول الشاعر يقول:

إنَّ الرِّجالَ لهمْ إليْكِ وسيلَةٌ*** إنْ يغصبوكِ تكحَّلي وتخضَّبي

وهكذا، يسألون عن عدة أسئلة بلغت مائتين وكان يجيبهم، فحينئذٍ لا نقول: أين الأدلة الشرعية.

السؤال: يقول: ذكرتم في أول الدرس تفكر في الكون، السؤال: هل اختلف العلماء في السموات السبع، وأين هذه السموات السبع؟ هل هي في جوف الأرض؟ أم منفصلة عن الأرض؟

الجواب: هذه السموات السبع ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ(44)، السماء فوق، ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾، لكن كان السؤال بالعكس يكون أفضل، يقول: الأراضين السبع لم تُذكر في القرآن، إنما ذُكرت السموات السبع، سبع سموات، لكن كلمة سبع أراضين ما ذُكرت، لكن ذُكرت المثلية، في آخر سورة "الطلاق" ذُكرت المثلية ولم تُذكر العددية: ﴿وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ(45)، أي: مثل السموات السبع.

السؤال: هل كتاب "الإتقان في علوم القرآن" جيد؟

الجواب: لاشك أنه كتاب عظيم ونافع، لكن فيه آراء ينبغي أن تُعرض على طلاب العلم للنظر فيها، وخصوصًا فيما يتعلق بنزول القرآن، فإنه نحى منحى الأشاعرة، بل وقع في مزلقٍ خطير في معنى نزول القرآن يتوافق مع أقوال المعتزلة.

بهذا نكتفي، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.


(1) المائدة: 48.
(2) يونس: 58.
(3) الإسراء: 88.
(4) الطور: 34.
(5) هود: 13.
(6) يونس: 38.
(7) الإسراء: 9.
(8) المائدة: 15، 16.
(9) البقرة: 2.
(10) آل عمران: 101.
(11) البقرة: 170.
(12) المائدة: 104.
(13) الأنعام: 155.
(14) الأعراف: 3.
(15) الزمر: 18.
(16) الأنعام: 106.
(17) الأعراف: 158.
(18) الأعراف: 157.
(19) آل عمران: 31.
(20) الأعراف: 28.
(21) ق: 6، 7.
(22) يونس: 101.
(23) آل عمران: 190.
(24) القيامة: 17، 18.
(25) الفرقان: 33.
(26) الحجر: 9.
(27) فصلت: 41، 42.
(28) التوبة: 32.
(29) النحل: 44.
(30) الأنعام: 82.
(31) لقمان: 13.
(32) المؤمنون: 60.
(33) أخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن- باب ومن سورة المؤمنون (3175)، وصححه الألباني في «مشكاة المصابيح» (162).
(34) البقرة: 145.
(35) الرعد: 17.
(36) العنكبوت: 43.
(37) الأنعام: 38.
(38) الرحمن: 19.
(39) فاطر: 12.
(40) الرحمن: 20.
(41) النساء: 93.
(42) أخرجه البيهقي في الكبرى (3989) عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ:  قَرَأْتُ آيَةً وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ قِرَاءَةً خِلَافَهَا، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ:  أَلَمْ تُقْرِأْنِي آيَةَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ:  «بَلَى» قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ:  أَلَمْ تُقْرِئنِيهَا كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ:  «بَلَى» قَالَ:  «كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ مُجْمِلٌ» قُلْتُ:  مَا كِلَانَا أَحْسَنَ وَلَا أَجْمَلَ، قَالَ:  فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ:  «يَا أُبَيُّ أُقْرِئْتُ الْقُرْآنَ فَقِيلَ لِي عَلَى حَرْفٍ أَمَ عَلَى حَرْفَيْنِ؟ فَقَالَ المَلَكُ الَّذِي مَعِي عَلَى حَرْفَيْنِ، فَقُلْتُ:  عَلَى حَرْفَيْنِ فَقِيلَ لِي عَلَى حَرْفَيْنِ أَمْ ثَلَاثَةٍ؟ فَقَالَ لِيَ الْمَلَكُ الَّذِي مَعِي عَلَى ثَلَاثَةٍ، فَقُلْتُ:  ثَلَاثَةٌ، حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ قَالَ:  لَيْسَ فِيهَا إِلَّا شَافٍ كَافٍ، قُلْتُ:  غَفُورٌ رَحِيمٌ عَلَيْمٌ حَلِيمٌ سَمِيعٌ عَلِيمٌ عَزِيزٌ حَكِيمٌ نَحْوُ هَذَا مَا لَمْ يَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ أَوْ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ» وأخرجه بنحوه أبو داود في كتاب الصلاة - باب أنزل القرآن على سبعة أحرف (1477)، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (1327).
(43) المائدة: 35.
(44) ق:  6.
(45) الطلاق: 12.