موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح كتاب السنة

  

الخلافة ثلاثون ودلائل فضل الصحابة رضي الله عنهم

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم آمين:

قال صلى الله عليه وسلم: «الْخِلَافَةُ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ تَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ مُلْكًا»(1).

قال سعيد قال لي سفينة أمسك عليك أبا بكر سنتين وعمر عشرا وعثمان اثنتي عشرة وعلي كذا قال سعيد قلت لسفينة إن هؤلاء يزعمون أن عليا رضي الله عنه لم يكن بخليفة قال: كذب بنو الزرقاء يعني بني مروان

وعن سفينة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْخِلَافَةُ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ تَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ مُلْكًا»(2).

وعن عبد الله بن غانم المازني: ذَكَرَ سُفْيَانُ رَجُلًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ظَالِمٍ الْمَازِنِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ فُلَانٌ إِلَى الْكُوفَةِ أَقَامَ فُلَانٌ خَطِيبًا، فَأَخَذَ بِيَدِي سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فَقَالَ: أَلَا تَرَى إِلَى هَذَا الظَّالِمِ، فَأَشْهَدُ عَلَى التِّسْعَةِ إِنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَلَوْ شَهِدْتُ عَلَى الْعَاشِرِ لَمْ إِيثَمْ، - قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: وَالْعَرَبُ تَقُولُ آثَمُ -، قُلْتُ: وَمَنِ التِّسْعَةُ؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَهُوَ عَلَى حِرَاءٍ «اهْدَأْ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ»(3) قُلْتُ: وَمَنِ التِّسْعَةُ؟ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ"، قُلْتُ: وَمَنِ الْعَاشِرُ؟ فَتَلَكَّأَ هُنَيَّةً ثُمَّ قَالَ: أَنَا، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنِ ابْنِ حَيَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ظَالِمٍ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ

وعن عبد الرحمن بن الأخنس أنه كان في المسجد فذكر رجل عليا عليه السلام فقام سعيد بن زيد فقال أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أني سمعته وهو يقول «عَشَرَةٌ فِي الجَنَّةِ: النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ» ولو شئت لسميت العاشر، قال: فقالوا: من هو؟ فسكت، قال: فقالوا: من هو؟ فقال: هو «سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ»(4).

عن رِيَاحُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ وَعِنْدَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ، فَجَاءَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو فَرَحَّبَ بِهِ الْمُغِيرَةُ، وَحَيَّاهُ وَأَقْعَدَهُ عِنْدَ رِجْلِهِ عَلَى السَّرِيرِ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، يُقَالُ لَهُ: قَيْسُ بْنُ عَلْقَمَةَ فَاسْتَقْبَلَهُ، فَسَبَّ وَسَبَّ، فَقَالَ سَعِيدٌ: يَا مُغِيرَةُ، مَنْ يَسُبُّ هَذَا الرَّجُلَ؟ قَالَ لَهُ: يَسُبُّ عَلِيًّا، قَالَ لَهُ سَعِيدٌ: يَا مُغِيرَةُ، أَلا أَرَى أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَبُّونَ عِنْدَكُمْ، ثُمَّ لا تُغَيِّرُ وَلا تُنْكِرُ؟ أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: وَإِنِّي لَغَنِيُّ أَنْ أَقُولَ مَا لَمْ يَقُلْ، فَيَسْأَلَنِي عَنْهُ إِذَا لَقِيتُه «أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَتَاسِعُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ لَوْ شِئْتَ سَمَّيْتُهُ، قَالَ: فَرَجَّ النَّاسُ وَنَاشَدُوهُ: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ، مَنِ التَّاسِعُ؟ قَالَ: لَوْلا أَنَّكُمْ نَاشَدْتُمُونِي مَا أَخْبَرْتُكُمْ، أَنَا تَاسِعُ الْمُسْلِمِينَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُتِمُّ الْعَاشِرَ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: لَمَشْهَدُ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُغَبَّرُ فِيهِ وَجْهُهُ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ وَلَوْ عُمِّرَ عُمْرَ نُوحٍ»(5).

عن قتادة أن أنس بن مالك حدثهم: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، صعد أحدا فتبعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم فضربه نبي الله صلى الله عليه وسلم برجله وقال: «اثْبُتْ أُحُدُ؛ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ»(6).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَخَذَ بِيَدِي، فَأَرَانِي بَابَ الْجَنَّةِ الَّذِي تَدْخُلُ مِنْهُ أُمَّتِي»، فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ: وَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنِّي كُنْتُ مَعَكَ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا إِنَّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي» (7).

وعن جابر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا يَدْخُلِ النَّارَ أَحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ»(8).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: -قال موسى «فلعل الله» وقال ابن سنان «لَعَلَّ اللهَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»(9).

عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ: فَأَتَاهُ يَعْنِي عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُلَّمَا كَلَّمَهُ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ السَّيْفُ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ فَضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ، وَقَالَ: أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَتِهِ، فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ»(10).

عن الأقرع مؤذن عمر بن الخطاب قال: بعثني عمر إلى الأسقف فدعوته فقال له عمر وهل تجدني في الكتاب، قال نعم، قال كيف تجدني؟ قال أجدك قرنا، فرفع عليه الدرة فقال قرن مه، فقال: قرن حديد أمين شديد، قال كيف تجد الذي يجيء من بعدي، قال أجده خليفة صالحا غير أنه يؤثر قرابته قال عمر يرحم الله عثمان ثلاثا، فقال كيف تجد الذي بعده، قال أجده صدأ حديد فوضع عمر يده على رأسه فقال يا دفراه يا دفراه، فقال يا أمير المؤمنين: إنه خليفة صالح ولكنه يستخلف حين يستخلف والسيف مسلول، والدم مهراق، قال أبو داود الدفر النتن.


 بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم آمين:

حديث سفينة رضي الله عنه حديث مشهور وهو من اظهر الأدلة على تحديد الخلافة الراشدة، في ثلاثين عام هي التي كانت فيها ولاية الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم الأربعة، وقال بعض أهل العلم، إن الأشهر الستة التي وليها الحسن بن على رضي الله عنه داخلة فيها أيضًا.

سفينة رضي الله عنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الْخِلَافَةُ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ تَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ مُلْكًا»(11)، فدل على أن الخلافة النبوية تنتهي بخلافة على رضي الله عنه أو بخلافة الحسن على قول من يرى أن في الفترة المتبقية دخل فيها الحسن، لكن سفينة هنا رضي الله عنه يقول: أمسك عليك أبا بكر سنتين، وعمر عشرا، وعثمان اثنتي عشرة، يعني أن كل واحد منهم ولي هذه المدة، ثم قال وعلي كذا وهي بقية المدة.

فقيل له إن هؤلاء يعني بني مروان، يزعمون أن علي لم يكن بخليفة، فقال كذبت بنو الزرقاء، وهي كلمة شديدة لكن أغضبه هذه الكلمة منهم، وبنو الزرقاء هم بنو مروان نسبهم على أم لهم.

فخلافة النبوة هي ثلاثين سنة، بدأت بأبي بكر رضي الله عنه ثم عمر ثم عثمان ثم على رضي الله عنهم، ثم جعل الله تعالى بعد ذلك الملك وهو الذي يؤتي ملكه من يشاء سبحانه في بني أمية، وكان ملك بني أمية، جاء بعد تنازل من قبل الحسن بن علي رضي الله عنه بالخلافة لمعاوية، اجتمع شمل المسلمين وسمي ذلك العام عام الجماعة، فطفأت الحروب وانتهت الفتن ومضى سوق الجهاد ثانية، وسلم الله المسلمين من تلك الحروب التي أبرت كثيرا كما قال الحسن: إن هذه الأمة قد عافت في دمائها.

معاوية رضي الله عنه خير ملوك المسلمين لا يقال إن ثمة ملك من الملوك سيأتي بعده خير منه، بتاتًا كائن من كان، لأن معاوية رضي الله عنه صحابي، ولهذا لما قيل لأحمد -رحمه الله- في التفضيل، هل عمر بن عبد العزيز أفضل أو معاوية، تعجب من هذا السؤال، قال: معاوية أفضل، ولا يقارن بمعاوية أحد لأنه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

كون الخلافة تنتهي هذا شيء قدر الله فعله، لكن بعد أن ولي معاوية، ما الذي حكم؟ حكم الشرع رضي الله عنه، أقام سوق الجهاد، ما كان هناك أصلًا شيء اسمه تحكيم بغير شرع الله في تلك العصور الزاهية، بل انتقل الملك بإذن الله من طرف إلى طرف، أما شرع الله ودين الله والجهاد هذا كله ماضي على أحسن ما يكون.

بل اتسع الجهاد في زمن معاوية اتساع شديد جدًا، وتولى رضي الله عنه فتح مواضع كثيرة من البلاد وقاتل الروم وفتح في بلادهم فتوحات شديدة للغاية لأن الجهاد توقف في فترة القتال الداخلي الذي كان بين المسلمين، فالحاصل أن خلافة النبوة، هي هذه ثم أن الله تعالى جعل ملك معاوية رضي الله عنه رحمة بالأمة.

ولهذا قال الخولاني -رحمه الله- أبو مسلم، قالوا له لو أدركتم زمن معاوية لقلتم هذا هو المهدي من شدة عدله -رحمه الله-، كان معروف بالعدل رضي الله عنه، فكان شديد الحلم أيضًا، الحلم غير العدل، قد تعدل وليس بالضرورة أن تحلم، لأن الحلم في بعض الأحيان تحلم أنت عمن يحيل أن تعاقبه، فكان شديد الحلم -رحمه الله- فيحيل التعرض له بتاتًا أو الكلام فيه.

قال أهل العلم كانت دولة بني أمية خيرًا من دولة بني العباس، قال ذلك شيخ الإسلام وغيره، أن دولة بني أمية كان فيها مزية، وانه إذا ظهر زنديق أو صاحب بدعة دمروه في الحال ما يتركونه، فكانوا على السنة، لولا هذا الأمر القبيح الذي كان فيهم والذي سيأتي الكلام عليه، وهو التعرض لعلي رضي الله عنه بالمسبة، وإلا فهم بالجملة من القائمين بالسنة والقائمين بالجهاد، وقاوموا أهل الكفر وكانت دولتهم من أقوى الدول.

الحديث الذي بعده يقول: لما قدم فلان يعني والي على الكوفة، أقام فلان خطيبا يعني جعل لما قدم، جعل رجل يخطب، ماذا يخطب به؟ يخطب بمسبة على رضي الله عنه وكان بنو أمية يسبون على رضي الله عنه ويقولون أنه من أسوأ ما فعلوه، فزعموا أنهم سبوه حين دعا عليهم، قالوا: فكان يدعوا علينا وكنا ندعو عليه، لا ريب أن علي رضي الله عنه مقامه كبير جدًا في الأمة، وقد أنكر هذا على بني أمية السلف الصالح رضي الله عنه، فأنكره الصحابة، ورأيت قوة إنكار سعيد، وأنكره سعد، وأنكره غيرهم، وكانوا يسمعون أن علي يكنى أبو التراب فكانوا يقولون أبا تراب معناها سبة.

فقال الصحابة هذه أحب كناه إليه، لأن له قصة لطيفة أتى وغاضب فاطمة رضي الله عنها، ثم ذهب على المسجد ونام بعد الظهر، وأتى النبي صلى الله عليه وسلم يبحث عنه، فسأل فاطمة فقالت: إنه غاضبني وخرج، التمسه صلى الله عليه وسلم وإذا به في المسجد قد قال رضي الله عنه بعد الظهر، وإذا به قد انحصر رداءه، العرب تلبس الرداء وتارة تلبس القميص، وقد صار بطنه رضي الله عنه على الأرض، وعليه التراب، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح التراب عنه وقال: قم أبا تراب للملاطفة، فهي ملاطفة من النبي صلى الله عليه وسلم، وليس هذا تعيير ولهذا كان يحب هذه الكنية لأنها من النبي صلى الله عليه وسلم.

فسمع هؤلاء يقولون: أنها سبة له، كلمة أبا تراب يقولون أنها نوع من السب له وهي ليس كذلك، ولكنها نوع من الملاطفة من النبي صلى الله عليه وسلم له، وكونه وقع ما وقع من الدعاء منه ومنهم لا يعني ذلك الاسترثاء، فإن علي هو أفضل الصحابة على الإطلاق بعد الثلاثة لا يمكن أن يقارن به أحد، ليس أحد بعد أبي بكر وعمر وعثمان أفضل من علي، فكان هذا من مساوئ بني أمية لكن أنكره الصحابة.

 وهذا مثال ونموذج لطلبة العلم وللشباب، قد يوجد منكر وينكر ولا يزول، يعني بعض الشباب تحرقه هذه المسألة حرق، هنا منكرات أنكرها العلماء وأنكرها الناس وما زالت. . ، هذا منكر استمر ما أوقفه إلا عمر بن عبد العزيز، في آخر القرن وأمر الخطباء أن يقولوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(12).

حيث كانوا يسبونه يوم الجمعة، فألغى هذه البدعة الباطلة وأمر بأن يقال القول الحسن، يحتسب على المنكر، المنكر له عشرون أو خمسون أو ثلاثون صفة، إذا سمعت أنكره واستمر في إنكاره وضح للناس وبين، صور للنساء حرام وكذا، ولا تقف، لكن لا تدمر الجماعة، الصحابة رضي الله عنهم يسمعون سب رجل من أهل الجنة.

يسمعون سب على بن أبي طالب أفضل الصحابة بعد الثلاثة، ما قالوا لا بد أن تسقط دولة بني أمية، هذا منكر وقبيح جدًا، ولا سيما المجاهرة به العلن هكذا، ولكن لما كانوا يعلمون أن الجماعة يجب حفظها حفظوا الجماعة وأنكروا المنكر، قد لا يزول المنكر، هناك منكرات تستمر وتبقى اشتكى لله عز وجل، فتنكر باليد لمن له سلطة، وتنكر باللسان، لمن له علم، وإن عجز عنها حتى أنكرت بالقلب.

فالحاصل أن الصحابة والتابعين أنكروا هذا، حتى إن بعض التابعين إذا بدأ الخطيب الأموي يسب في خطبة الجمعة، التفت بجانبه فقال:. . نحن في الجمعة يجب أن ننصت لكن نحن الآن خرجنا عن الخطبة، يجوز أن نتكلم لأن هذا الأحمق بدأ يسب، هذه ليست خطبة، الآن يسب أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يريدني أن أنصت لا، لا ننصت تحدثوا وتكلموا لسنا في خطبة إنما ننصت للحق، فالحاصل أنهم أنكروه بعدة أنواع من الإنكار، واستمر هذا حتى جاء عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- وأطفأ هذه الفتنة، وكان اشد السب في زمن بني مروان، وعمر بن عبد العزيز من مروان، لكنه كان فقيه وأخذ بقول أهل السنة من السلف ممن أنكروا هذا، فأوقف هذه البدعة الباطلة.

مع أن الصحابي الجليل سعيد بن زيد هو من المبشرين بالجنة، فلما سمع هذا السب قال: ألا ترى إلى هذا الظالم، يعني يسب هكذا، يخطب خطبة في سب علي ثم قال: أشهد على التسعة أنهم في الجنة، التسعة يقصد أبا بكر وعمر وعثمان وعلي وأبا عبيدة وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن أبي وقاص والعاشر هو، قالوا ومن التسعة؟ فذكر الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على حراء فرجف بهم الجبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم «اهْدَأْ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ»(13)، نبي أو صديق أو شهيد، الصديق أبو بكر، والنبي: رسول الله صلى الله عليه وسلم معلوم، والشهيد كما سيأتي عمر وعثمان وكانوا معه وكلاهما استشهد رضي الله عنهم.

فسألوا عن التسعة فأخبر بهم سردًا كما سمعت، قالوا من العاشر؟ سكت وقت يسير ثم قال: أنا، العاشر هو سعيد نفسه رضي الله عنه الذي يروي هذا الحديث، وهكذا الحديث بعده، كله فيه الدلالة على أن هؤلاء العشرة في الجنة، وهؤلاء العشرة هم أفضل الصحابة على الإطلاق، وكلهم من المهاجرين، هؤلاء جميعًا أفضل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

الخبر بعده أنه كان قاعد في مسجد الكوفة، وفلان وهو الوالي موجود، فلما جاء سعيد بن زيد الصحابي الجليل رحب به وحياه، وأقعده عند موضع قريب منه، أقعده عند سريره، فجاء رجل من أهل الكوفة يسب يسب، استغرب سعيد، قال: من يسب هذا؟ قالوا يسب علي، قال: ألا أرى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبون عندك ثم لا تنكر ولا تغير، هذا نوع من أنواع الإنكار، وفيه الرد على الرافضة، يقولون أن أهل السنة يتولون جميع الصحابة، كل الصحابة وينهون عن سب أي صحابي من آل البيت أو من غير آل البيت، أما التشهي بان يقال: إذا كان من آل البيت فعلي والحسن والحسين فلا يسبون، أما غيرهم فيسبون هذا يدل على قلة عقول الشيام، وباب إذا فتح، فتح الجميع، كيف تقول يسب أبو بكر وعمر ولا يسب علي أنت إذا فتحت باب السب انفتح على الجميع، فإما أن يغلق الباب، عن سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعًا وإما أن يفتح، فإذا فتح لا يمكن أن يوقف عند حد، ويقال فلان هذا لا يسب، لأنه إذا فتح الباب على أبي بكر، وهو أفضل الصحابة فغيره سينفتح عليه الباب.

بل قال بعض السلف معاوية رضي الله عنه ستر دون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن هتك الستر، خلص على ما بعده، يعني الذي يسب معاوية لا تتصور أنه سيقف عند معاوية، هو يسب معاوية وبعد مدة ستجده يسب عثمان، بعد مدة ستجده يسب غيرهم وهكذا.

لهذا قال الإمام أحمد -رحمه الله-: في رجل يصلي ويسب معاوية أيصلى خلفه؟ قال لا ولا كرامة، يخسأ هذا وأمثاله كيف يصلى ورائهم، يسب صحابي، هذا رافضي ينبغي أن يعلم أن الرفض إذا أطلقت كلمة الرافضي على نوعين، الرافضي الخالص كالرافضي الأثني عشر ونحوهم.

والرفض يكون في الشخص بنسبة معينة، بأن بقول أنا سأسب معاوية وعمرو، طب ما أبو بكر وعمر هؤلاء جبال، قال أنت رافضي رغم انفك، كيف تقول أنا رافضي وأنا من أهل السنة، أنت في هذا رافضي، كما أن الإنسان يكون بنفي واحدة من الصفات فهمي، ويكون بسب احد من الصحابة رافضي، وبالقول بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص يكون مرجئ، حتى لو قال إن الإيمان قول واعتقاد وعمل هذه شعب، هذه الضلالات نعود لها شعب وألوان، تارة تكون في الإنسان خالصة فيكون رافضي خالص، وتارة تنكون فيه نسبية فيكون عنده نوع من الرفض، فمن يسب معاوية صح أنه فيه رفض.

ممكن تقول أنا في رفض وأنا أرد على الشيعة، نقول وغن رددت على الشيعة أنت فيك رفض رغم انفك، لهذا قال الإمام احمد حتى يترك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم ولا يتعرض لأي احد نهائي لا علي ولا أبو بكر ولا عثمان ولا معاوية كل هؤلاء يجب أن يلتزم فيهم ما قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(14).

يجب هذا، قد تقول سب الصحابة رضي الله عنهم، هذا السب يعني صار بينهم قتال يجب اكف عما شجر بينهم، وهم رضي الله عنهم كما قال أهل العلم، ما بين مجتهد أصاب فله أجران، وما بين مجتهد أخطأ فله أجر الاجتهاد، أما أنت فيا من أتيت بعدهم فإنك تلتزم ما قال الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(15).

ثم ما معنى قوله تبارك وتعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ(16) ، يدل على أن الذين يدخلون الجنة كان عندهم في السابق غل، وهذه الآية قالها علي رضي الله عنه لأبن طلحة أو لابن أحد الصحابة فقال: إني لأرجو أن أكون أنا وأبوك ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ(17).

فقال أحد الحمقى الله اعدل من ذلك، تتقاتلون ثم تكونون في الجنة،. . أبعد مكان وأسحقه طرده، إن لم أكن أنا وطلحة فمن، إن لم تكن الآية في وفي طلحة وفي أمثالنا ففي من؟ واضحة الآية أن ثمة غل بين أناس في الدنيا ثم صاروا كلهم في الجنة، ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ(18) ، معناها أنهم كانوا عندهم غل في الدنيا.

فيأتي الخالف الذي لا يعي ويبدأ يخوض، يجب أن يسب على، لا يجب أن يسب معاوية، لا يجب أن يسب طلحة، هذا لا شك أنه يكون عنده رفض حتى لو رد على الشيعة، فيك رفض، يعني الرفض أن تتعرض لأي صحابي، فقال الإمام احمد -رحمه الله- لا يصلى خلفه ولا كرامة.

بل لما قيل له إن رجل يسب معاوية أو عثمان، قال: لا أراه على الإسلام، هذا الرجل يقول لا أظنه أصلًا على الإسلام، الأمور اتضحت أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لهم هذه المكانة، تقول وقع بينهم ما وقع، وإن وقع بينهم ما وقع، ما شئنك أنت، لقوا الله -سبحانه وتعالى- وهم رضي الله عنهم على الاجتهاد فيما وقع منهم، فكون هذه الأمور تكون طريق منت طرق النيل منهم، سيأتينا كلام. . رضي الله عنه: من أن تورث رجال حب رجال وبغض رجال، لا تفعل هذا بأن تقول: تسلط على علي رضي الله عنه بتوجيه البغضاء له حتى يحب معاوية أو العكس، تتسلط على معاوية حتى يحب علي هذا لا شك أنه منهج على غير منهج أهل السنة.

الحاصل أن هذا الباب مما يجب أن قبض باب الصحابة رضي الله عنهم، والأمر فيه خطير للغاية، والأمر فيه كما قال مالك -رحمه الله- الأمر فيه يتطرق للنبي صلى الله عليه وسلم، يقول مالك -رحمه الله-: إنما أرادوا من سب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم النيل من محمد نفسه صلى الله عليه وسلم حتى يقال: رجل سوء، ولو كان رجل صالح لكان له أصحاب صالحون.

يعني إذا قيل النبي صلى الله عليه وسلم له هؤلاء العدد الكبير من الصحابة رضي الله عنهم منهم أنصار ومنهم من جعلهم صلى الله عليه وسلم مثابة الوزراء، وجعل منهم القواد وولاهم البلاد، هم كما تقول الرافضة أخذاها الله هؤلاء مرتدون منافقون.

فالمسبة ترجع على من؟ على من رباهم، ولو قيل للرافضة إن أصهار الخميني ووزرائه ومن حوله هؤلاء على خلاف طريقة الخميني وغنما خرجوا معه هكذا نفاق لغضبوا، كيف يقال هذا في من يسمونه بالآية والحجة والإمام، فكيف ترضون بمثل هذا في رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الذي زوج الصحابة وتزوج منهم وولاهم على المغازي وولاهم على البلدان وخطب الخطب الظاهرة أمام الناس بالثناء عليهم، حتى قال في أخر حياته إن آمن الناس علي في صحبته أبو بكر، وأبا صلى الله عليه وسلم إلا أن يصلي أبو بكر رضي الله عنه بالناس ثم يقال بعد كل هذا إنهم كانوا منافقين في الباطل، وكيف يكون هذا في الصحابة رضي الله عنهم، والله نص على صحبة أبي بكر رضي الله عنه نص في القرآن وأخبر أنه هاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم في أخطر سفر سافره صلى الله عليه وسلم قال تعالى: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا(19).

أحفظ هذه الآية هي أشد من الصواعق على الرافضة، يقول موسى عليه الصلاة والسلام لما قال بنو إسرائيل إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(20)

﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ(21) ، ماذا قال صلى الله عليه وسلم لأبي بكر ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، فدخل أبي بكر في المعية.

في مقام خوف، لما قال أصحاب موسى إنا لمدركون، ما قال: إن معنا ربنا، قال: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، المقام واضح المعية هنا خصت موسى وهارون قطعًا معاه، في قوله تعالى: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى(22) ، أما حين ذكر الله معية أبي بكر، فلم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحزن عن الله معي، قال: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، ولهذا هذه الآية من اشد الآيات.

 قال أهل العلم لو أنكر أحد صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأرتد، صحبة أبي بكر لأن صحبته منصوصة في القرآن، بل لا يوجد صحابي بتاتًا افرد بالصحبة إلا هو: ﴿الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ(23) ، لا يوجد في القرآن إلا لأبي بكر، الحاصل أن المقام مقام عظيم جدًا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون دونهم الوقفة الكبيرة.

فلا يمكن بحال من الأحوال أن يوجد مع طائفة، أي تقارب نهائي وبيننا وبينهم أمهات المؤمنين وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمهات المؤمنين اشرف من أمهاتنا وأولى بأن يصن من أمهاتنا، الإنسان إذا مس عرضه قاتل حتى تنفرد سالفته، فعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم وأجل وأشرف، فلا يمكن أن يكون مع هؤلاء المفسدين في أرض الله تعالى أي مهادنة، بل يجب أن يطفأ شرهم وان يرد عليهم وأن يبين لهم ما هم فيه من الزيغ والضلال وأن لا يتركوا يجهروا لهذا المنكر العظيم في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفي أمهات المؤمنين رضي الله عنهم.

ومنهم عجائب الحقيقة عجائب فيهم تستغرب من هذا الإنسان من قلة عقولهم، ملئوا الدنيا بحديث أهل السنة قبلوه، وهم الذين رووه وهو صحيح عند أهل السنة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ»(24)، أي والله، هو مولانا رضي الله عنه، وعمر مولانا وأبو بكر مولانا، لأن هكذا أهل الإيمان، ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ(25)، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ(26).

ماذا في هذا غريب؟ بل هو من خير موالي المؤمنين رضي الله عنه، من يلي المؤمنين، وخير منه من قبله من الثلاثة.

نقول للرافضة: أنتم الآن ملئتم الدنيا بهذا الحديث، لما لم تنظروا في الوصف الذي لا يوجد إلا لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم ولا نظير له وهو من أعجب الوصف، ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ(27) ، فهم أمهات لأهل الإيمان لقيام الساعة، ثم الرابطة التي بينتنا وبينهم أعظم من رابط النسب التي بأمهاتنا وأعظم من رابطة الرضاعة التي تثبت بها الأمومة، رابطة الإيمان.

 ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾، هذه آية قرآنية فيها أنهن أمهات، لكن للمؤمنين، أما يأتي منافق أو فاجر يخرج على آيات النصوص، ويقول لسن أمهات لنا، نعم لأنك لست من المؤمنين، تستغرب، هن لسن أمهات الكفار هن أمهات المؤمنين، الآية قرآنية جلية صريحة في أمهات المؤمنين، فكيف يكن أمهات المؤمنين وليس عندهن إيمان.

الرابطة التي ربطتهم بأهل الإيمان رابطة الأمومة فصرن أمهات للمؤمنين، فكان الواحد يأتي حتى علي يقول: يا عائشة يا أماه، يعني يا أم المؤمنين، ثم يقال، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ»(28)، متى أنكر أهل السنة هذا، كل أهل السنة يقولون هذا ولله الحمد، لكن لما لا تقولون إن عائشة أم، هي ليست أم لكل أحد لكنها أم للمؤمنين، فمن لم يكن من المؤمنين ليست أم له، لا اليهود ولا النصارى ولا لأي أحدج يخرج عن دين الله -عز وجل-.

الحاصل أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كما قال سعيد، لمشهد رجل منهم مع رسول اله صلى الله عليه وسلم يخضر فيه وجهه، خير من عمل أحدكم عمره ولو عمر، عمر نوح، فلو طال عمرك حتى صار لك عمر نوح وهو ألف سنة، ذاك المشهد الذي كان فيه مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أو في مسير أو ذاهب للصلاة، أخضر وجهه وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقط المشهد هذا خير من عملك حتى لو صار عمرك عمر نوح.

حتى لو كان عملك من الأعمال في الجهاد وفي الصدقات وفي الإحسان وفي بر الولدين، والدعوة لله والإحسان، مهما كنت لن تبلغ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتينا الحاصل أن ما وقع سيترضى عنه الصحابة عمومًا، ويسأل الله له المغفرة ما أمرنا الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(29) ، قال ابن عباس أمروا بالاستغفار له فسبوهم، وجاء عن عائشة رضي الله عنه أنها قالت: لا تعجبوا انقطعت أعمالهم فأراد الله ألا يقطع عنهم الحسنات، فحتى تستمر لهم حسناتهم، مع أن أعمالهم لا تنقطع، أعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا، أما أعمالهم المتعدية فلا شك أنها مستمرة لأنهم هم الذين دعوا للهدى وهم الذين علموا القرآن والأحكام فإن كل من قرأ القرآن فإنه تعلمه من شيخه، وشيخه علمه شيخه الذي قبله حتى تصل للتابعي ثم الصحابي.

الآن هذه الصلاة التي تصليها تقول والله هذه هي الصيغة التي يرويها أبو حميد السعدي، التي يرويها عثمان، التي يرويها فلان، أرأيت هم الذين علموك الصلاة، وهكذا القرآن هم الذين علموك القرآن فمن جهة الأعمال المتعدية، ما انقطعت ولا تنقطع، ولكن من جهة أعماله هم التي كانوا يعملونها في جهادهم وقيامهم بالليل وصيامهم بالنهار هذه انقطعت بلا شك.

فلأجل ذلك ركز أبو داود -رحمه الله- على هذه النصوص، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلَ النَّارَ أَحْدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ»(30)، وهم أهل بيعة الرضوان، وهم الذين كانت فيهم الآية، ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا(31) ، ولو تأمل أي أحد منصف سورة الفتح فقط ونظر ما فيها مما يتعلق بالصحابة لوجد العجب في كرامتهم على ربهم وفي موضع مهم جدًا في السورة هذه، وفي مواضع من القرآن يتفطن له طالب العلم، وه أن الله يشهد على قلوب الصحابة، هذه مسألة مهمة جدًا في الرد على الرافضة، يقول تعالى: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا(32) ، ثواب لهذا الذي في القلوب، وقال فيهم: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا(33).

هذا حكم على أمر قلبي ومهم جدًا هذا، الآيات مهم أن يضبطها طالب العلم لأن الرافضة تقول: إنهم منافقون، المنافقون قال تعالي: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ(34) ، الله شهيد على ما في قلوبهم وزكى ما في قلوبهم، وكافئهم بما في قلوبهم فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبا ومغانم كثيرة، كل هذا لأجل ما في قلوبهم من الخير والصلاح.

وسيأتي كلام بإذن الله عن الصحبة وعن مثل هذه الآيات في القرآن العظيم لأن المقام مهم جدًا الآن في الرد على الرافضة، ووجوب أن يتحدث عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويبين ما لهم من الفضل، «لَا يَدْخُلَ النَّارَ أَحْدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ»(35)، وكانوا نحو من ألف وخمسمائة دفعة واحدة أكرمهم الله بهذا، وبيعة الرضوان ما سببها، كل سببها عثمان لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله لمكة ليخبرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء ليقاتل أحد.

 فلما جاء، كانوا بني أمية كثيرون في مكة، اجتمعوا وقالوا: تعالى يا عثمان طف بالبيت، لأنه من بني عم، قال: أطوف قبل رسول الله، ما يمكن أن أطوف، إذا طاف رسول الله طفت، تأخر فجاء خبر للنبي صلى الله عليه وسلم بأن قريش قتلت عثمان، فصارت بيعة الرضوان كلها لأجل عثمان.

في الحديث بعده أن الله تعالى قال: «لَعَلَّ اللهَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»(36)، فكانوا يمشون على الأرض وقد غفر لهم ذنوبهم، وأهل بدر ثلاث مائة وأربعة عشر، فالأدلة كثيرة جدًا على فضلهم عليهم الرضوان سواء كانوا من أهل بدر أو من المهاجرين والأنصار أو كانوا من أهل بيعة الرضوان، يعني الشخص يكون من أهل بدر مهاجري من أهل بيعة الرضوان، ويكون أنصاري بدري من أهل بيعة الرضوان، فتكون فيه هذه الفضائل كلها رضي الله عنهم.

المغيرة رضي الله عنه ذكر أنه كان قائم على وهذا عام الحديبية، كان قائم على النبي صلى الله عليه وسلم، على رأسه بالسيف لأن المقام كان خطير، فكانوا قد اقتربوا من كثرة قريش، فكان يأتيه رسل قريش، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم عروة بن مسعود قبل أن يسلم رضي الله عنه، فكان على طريقة العرب، العرب عندهم لا يزال هذا الطبع وهو يكلمك يأخذ بلحيتك تارة على سبيل الاستعطاف، وتارة هكذا، فالمغيرة لم يرضى فضربه بعل السيف لا بحده، فقال أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عروة هذا من رهط المغيرة فقال من هذا؟ قالوا المغيرة بن شعبة، يعني جماعتك كلهم من قبيلة واحدة، فرضي الله عن المغيرة وعروة لأن عروة أسلم بعد ذلك.

ومن ضمن الأحاديث أيضًا التي ورد أن عمر بعث على الأسقف فسأله، هل تجدني في الكتاب يعني الذي عند أهل الكتاب، قال نعم، قال: كيف تجدني، قال: قرن، على أخره، الحديث هذا فيه مقال وليس سنده بقائم.

السائل:. . .

الشيخ: أيضَا الحديث هذا فيه مقال، أتاني جبريل واراني بالجنة، هذه الحديث فيه مقال، وفضائل أبي بكر كثيرة جدًا ودلائل كونه من أهل الجنة كثيرة يغني عنه ما سبق.


(1) أخرجه أحمد في «مسنده» (5/47)، وأبو داود في كتاب السنة- باب في الخلفاء (4647)، والترمذي في كتاب الفتن- باب ما جاء في الخلافة (2226)، من حديث سفينة رضي الله عنه، وحسنه الألباني في «مشكاة المصابيح» (5395).
(2) أخرجه أحمد في «مسنده» (5/47)، وأبو داود في كتاب السنة- باب في الخلفاء (4647)، والترمذي في كتاب الفتن- باب ما جاء في الخلافة (2226)، من حديث سفينة رضي الله عنه، وحسنه الألباني في «مشكاة المصابيح» (5395).
(3) أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة- باب من فضائل طلحة والزبير رضي الله عنهما (2417).
(4) أخرجه أبو داود في «سننه»: كتاب السنة- باب في الخلفاء (4649)، والترمذي في «جامعه»: كتاب المناقب- باب مناقب عبد الرحمن بن عوف الزهري رضي الله عنه (3748)، وأحمد في «مسنده» (5/ 242).
(5) أخرجه أبو داود في كِتَاب السُّنَّةِ- بَابٌ فِي الْخُلَفَاءِ (4649)، وابن ماجه في كتاب الإيمان وفضائل الصحابة والعلم- باب فضائل العشرة رضي الله عنهم (133)، والترمذي في «جامعه»: كتاب المناقب- بَابُ مَنَاقِبِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (3748)، والنسائي في «سننه الكبرى» (8137)، وأحمد في «مسنده» (3/ 174).
(6) أخرجه البخاري في كتاب المناقب- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : «متخذا خليلًا» (3675)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(7) أخرجه أبو داود في كِتَاب السُّنَّةِ- بَابٌ فِي الْخُلَفَاءِ (4652).
(8) أخرجه أبو داود في كتاب السنة- باب في الخلفاء (4653)، والترمذي في «جامعه»: كتاب المناقب- باب في فضل من بايع تحت الشجرة (3860)، والنسائي في «سننه الكبرى» (11321)، (11508)، وأحمد في «مسنده» (3/350)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (7680).
(9) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير- باب الجاسوس (3007)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم- باب من فضائل أهل بدر رضي الله عنهم، وقصة حاطب بن أبي بلتعة (2494).
(10) أخرجه البخاري في كِتَابُ الشُّرُوطِ- بَابُ الشُّرُوطِ فِي الجِهَادِ وَالمُصَالَحَةِ مَعَ أَهْلِ الحَرْبِ وَكِتَابَةِ الشُّرُوطِ (2731).
(11) أخرجه أحمد في «مسنده» (5/47)، وأبو داود في كتاب السنة- باب في الخلفاء (4647)، والترمذي في كتاب الفتن- باب ما جاء في الخلافة (2226)، من حديث سفينة رضي الله عنه، وحسنه الألباني في «مشكاة المصابيح» (5395).
(12) النحل: 90.
(13) أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة- باب من فضائل طلحة والزبير رضي الله عنهما (2417).
(14) الحشر: 10.
(15) الحشر: 10.
(16) الحجر: 47.
(17) الحجر: 47.
(18) الحجر: 47.
(19) التوبة: 40.
(20) الشعراء: 61.
(21) الشعراء: 62.
(22) طه: 46.
(23) التوبة: 40.
(24) أخرجه الترمذي في كتاب المناقب- باب مناقب علي بن أبي طالب رضي الله عنه (3713)، من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (6523).
(25) المائدة: 56.
(26) التوبة: 71.
(27) الأحزاب: 6.
(28) أخرجه الترمذي في كتاب المناقب- باب مناقب علي بن أبي طالب رضي الله عنه (3713)، من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (6523).
(29) الحشر: 10.
(30) أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل أصحاب الشجرة أهل بيعة الرضوان رضي الله عنهم (2496).
(31) الفتح: 18.
(32) الفتح: 18.
(33) الفتح: 29.
(34) الفتح: 11.
(35) أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل أصحاب الشجرة أهل بيعة الرضوان رضي الله عنهم (2496).
(36) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير- باب الجاسوس (3007)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم- باب من فضائل أهل بدر رضي الله عنهم، وقصة حاطب بن أبي بلتعة (2494).


 مواد ذات صلة: