موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح كتاب السنة

  

باب في التفضيل

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنَّا نقولُ في زمن النبيَّ صلى الله عليه وسلم: «لا نَعدلُ بأبي بكرِ أحدًا، ثم عُمرَ، ثم عثمان، ثم نتركُ أصحابَ النبيَّ  صلى الله عليه وسلم لا نُفاضِلُ بينهم»(1).

قال: قال سالمُ بن عبد الله: إن ابن عمر قال: كنَّا نقول ورسولُ الله-صلى الله عليه وسلم- حيٌّ: «أَفْضَلُ أُمَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ»(2).

وعن محمد ابن الحنفية، قال: قلت لأبي: أيُّ الناس خيرٌ بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: أبو بكر، قال: قلت: ثم مَنْ؟ قال: ثم عُمَر، قال: ثم خَشيتُ أن أقول: ثم مَنْ؟ فيقول عثمان، فقلت: ثم أنتَ يا أبت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين.

وعن محمد -يعني الفِريابيَّ- قال: سمعتُ سفيانَ يقول: مَنْ زَعَمَ أن عليًّا كان أحقَّ بالولاية منهما فقد خطَّأ أبا بكر وعُمرَ والمهاجرين والأنصار، وما أُراهُ يَرتفعُ له مع هذا عَملٌ إلى السماء.

وعن عبَّاد السمَّاك، سمعتُ سفيانَ الثوريَّ يقول: "الخلفاء خمسة: أبو بكر، وعمرُ، وعثمانُ، وعلي، وعمرُ بن عبد العزيز رضي الله عنهم".


هذا الباب في التفضيل يعني بين الصحابة، لاشك أن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- درجات، وأنهم ليسوا على درجةٍ واحدةٍ في الصحبة، خيار الصحابة رضي الله عنهم في الجملة المهاجرون.

فجنس المهاجرين أفضل من جنس الأنصار، وجنس الأنصار أفضل من جنس مسلمة الفتح وهكذا فهم درجات، قال الله عز وجل : ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ(3)، فجعل للسابقين هذه المزية.

جعل من بعدهم شر إتباعهم بإحسان، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، فدل على تقدم وفضيلة درجة الذين أنفقوا قبل فتح مكة، لأن درجتهم أعظم وأرفع من درجة من آمن بعد ذلك.

ثم إن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم- فيما بينهم ينبغي أن يعرف التفاضل بينهم، وقد انعقد إجماع أهل السنة على أن أفضل الصحابة على الإطلاق أبو بكرٍ ثم عمر، ثم عثمان ثم عليٍ -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

وهذا التفاضل بينهم معلومٌ حتى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث بن عمر، كنَّا نقولُ في زمن النبيَّ صلى الله عليه وسلم : لا نَعدلُ بأبي بكرِ أحدًا، ثم عُمرَ، ثم عثمان، ثم نتركُ أصحابَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لا نُفاضِلُ بينهم.

هذا من زاوي هذا الدليل لكن من بقية الأدلة، دلت الأدلة على أن عليًا هو الرابع، قال أهل العلم: "فترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة"، أفضلهم أولهم في الخلافة، ثم ثانيهم في الخلافة، ثم ثالثهم ثم رابعهم -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم- أجمعين.

في بعض الروايات أنه قال: (ثم يبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينكره)، يعني هذا الذي نقوله نحن فيما بيننا معاشرة الصحابة، أن أفضل الصحابة أبو بكرٍ ثم عمر ثم عثمان، يقول: كان هذا يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينكره.

وهكذا يقول: كنَّا نقول ورسولُ الله-صلى الله عليه وسلم- حيٌّ: أفضَلُ أَّمَّة النبيَّ- صلى الله عليه وسلم- بعدَه أبو بكرٍ، ثم عُمرُ، ثم عثمانُ رضي الله عنهم وأرضاهم، وهذا محل اتفاق ولا إشكال؛ وقلنا أيضًا: أن أهل السنة اتفقا على أن عليًا هو الرابع رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

الحديث هذا مهم جدًا الذي يرويه محمد ابن الحنفية، ومحمد بن الحنفية هو محمد بن علي بن أبي طالب أخٌ للحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم- من جهة أبيه، لأنه أمه من بني حنفية فلهذا سُمي بابن الحنفية وغلب عليه هذا الاسم.

وإلا فاسمه محمد بن علي، يعني كأخيه الحسن بن علي والحسين بن علي رضي الله عنهما، لكن غلب عليه هذا الاسم واشتهر به، يقول: قلت لأبي: أيُّ الناس خيرٌ بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم؟.

في بعض الروايات أن عليًا قال: يا بني أما تعلم؟ يعني ما تعلم هذه المسألة وهي مسألة مشهورة ومعروفة كيف تخفى عليك؟ قال: أبو بكر، قال: قلت: ثم مَنْ؟ قال: ثم عُمَر، قال: ثم خَشيتُ أن أقول: ثم مَنْ؟ فيقول عثمان، لعلم محمد بن الحنفية وتربية أبيه له على أن عثمان ذو فضل.

وإلا لا نتوقع أن يقول: ثم عثمان، لو أنه يسمع من أبيه سبًا وشتمًا لعثمان كما يفعل هؤلاء المخذولون من الروافض ما توقع أن يكون الثالث عثمان، فأراد أن يقول: إن الأفضل بعدهما أنت.

يقول: فقلت: ثم أنتَ يا أبت؟ فقال على سبيل التواضع والهضم النفسي رضي الله عنه: ما أنا إلا رجل من المسلمين، كل هذا دال على أن الأفضلية لهؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم، ولهذا جاء أثر سفيان من زاوية فقهية محضة.

يقول: مَنْ زَعَمَ أن عليًّا كان أحقَّ بالولاية منهما، أي أبي بكرٍ وعمر فقد خطَّأ أبا بكر وعُمرَ والمهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، يعني أنه قدح فيهم من جهة أنهم اختاروا أبى بكر، لما قربت وفاة أبي بكرٍ أوصى لعمر فقبل الصحابة، لعلمهم رضي الله عنهم أن عمر خيرهم بعد أبي بكر.

ثم جعل عمر رضي الله عنه  الأمر شورى في ستةِ نفر، وهم بقية العشرة توفي أبو بكر وطُعن عمر وأبو عُبيدة توفي في طاعون عام واس، بقي منهم طلحة والزبير وعليٌ وعثمان، وعبد الرحمن بن عوفٍ وسعد، وسعيد بن زيد بن عمر بن الفضل.

فـأقصى سعيد بن زيد لأنه بن عمه ولم يرد أن يجعله معهم؛ وجعل الأمر في هؤلاء الستة رضي الله عنهم أجمعين، فاختار المسلمون عثمان بن عفان بن أن سُأل المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد، وسُأل عموم المسلمين من يقدم عليٌ أو عثمان؟.

فقال عبد الرحمن: يا علي إن لم أرى الناس يعدلون بعثمان أحد، لأن الخلافة انحصرت في اثنين تنازل طلحةُ وتنازل سعدٌ وتنازل الزبير، وكذلك بقي ثلاثة علي وعثمان وعبد الرحمن بن عوف.

فقال عبد الرحمن: تجعلان الأمر إليَّ يعني في الاختيار من بينكم على أن لا ألي شيئًا، ما أكون أن واليًا أخرج كما خرج الثلاثة الآخرون، وينحصر الأمر في أحدكم ولكن عليَّ أن لا ألوا يعني لا أقصر في الاختيار.

فسأل المهاجرين والأنصار وأمراء الأجناد، ومسلمة الفتح وعموم المسلمين فكان عثمان رضي الله عنه  لا يعدلون به أحدًا مطلقًا، لهذا قال الإمام أحمد: ما بُيع أحد بيعة كما بُيع عثمان، لأنها كانت بيعة عامة اتفاق عموم المسلمين.

فمن قال: إن عليًا أفضل من عثمان فقد أذرى بالمهاجرين والأنصار، لأنهم اختاروه أما من قال: إن عليًا أفضل من أبي بكر وعمر، وأن يستحق الخلافة دونهما، فهذا لا شك أنه أخبث قولًا وأفسد رأيًا وهو من أسذج وأخس الناس فهمًا.

أحد يعقل يقول: إن أبى بكر يسبقه أحد، الذي يقول هذا لا يفهم النصوص حتى نصوص الْقُرْآنَ، ما أحد سُمي في الْقُرْآنَ باسم الصحبةِ مفردا إلا أبو بكر: ﴿إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾.

 لهذا قال أهل العلم: لو أنكر أحدٌ صحبة أبي بكرٍ لكفر، لأنه صحبته منصوصٌ عليها في الْقُرْآنَ، ففضل أبي بكر وعمر هذا باتفاق الأمة، قال بعض أهل الكوفة: إن عليًا هو في المرتبة الثالثة بعد عمر، وهذا الذي أشار إليه بن الحنفية قال: ثم أنت.

والصحيح أن عثمان أفضلُ من عليٍ -رضي الله تعالى عنهم أجمعين-، وأن عليًا نفسه يفضل عثمان على نفسه، لأن جاء في بعض الروايات أن عليًا قال: بعد عمر ثم عثمان، لأنه عدلٌ رضي الله عنه  يعلم أن عثمان أفضل منه.

وهذا التفضيل ليس بالهوان، يعني يأت إنسان يقولك أبو بكر أفضل لا بل عبد الرحمن أفضل لا بل سعد أفضل، ليست المسألة خبصًا التفضيل يحتاج إلى نصوص؛ فهذا التفضيل بين الرسل لا يجترأ عليه إلا بسبب قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، وإلا لكف الناس يعني ما تكلموا.

لكن دلت الآية على أنهم يفضل بعضهم على بعض، الحاصل أن جميعهم -رضي الله تعالى عنهم- جميع الصحابة رضي الله عنهم على مرتبةٍ عليا من الرفعة والمكانة التي ارتضاها الله لهم، كما قال بن مسعود رضي الله عنه : "قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه".

 اختارهم الله اختيارًا ما كانوا في زمنه عبطًا هكذا معاذ الله، بل اختارهم الله لأنه أشرف الأمة وأفضل الأمة، والأمر كما قال أحمد وبن معين وغيرهم من أهل العلم: الصحابي الذي رأى النبي صلى الله عليه وسلم هو أفضل من القرن الذي جاء بعده، ولو عملوا ما عملوا من الأعمال.

درجة الصحبة لا يمكن أن يدركها أحدٌ بتاتًا، الصحابيُ هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به ومات على ذلك، حتى لو كان لقياه للنبي صلى الله عليه وسلم مدةً يسيرة، كأن يأت ويسلم على يديه ويرجع إلى أهله يكفي هذا، يكفيه فيه شرفًا لأن الله اختارهم اختيارًا-سبحانه وتعالى.

الأثر الأخير هل يقال: إن الخلفاء أربعة أو خمسة؟ جاء عن سفيان وإن كان في سنده مقام هنا، أن الخلفاء خمسة والأربعة معروفون رضي الله عنهم لكن القول بأن عمر بن عبد العزيز خليفةٌ راشدٌ خامس محل خلاف، ولهذا يختصر على الأربعة، يقال: الخلفاء الراشدون أربعة: أبو بكر، وعمرُ، وعثمانُ، وعلي.

كلمة الراشدين هذه لها اضبط شرعي، قال صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ»(4)، فهذه التسمية الشرعية والمعروف بالخلفاء الراشدين هم أربعة، وعمرو بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- خليفةٌ عادل صالحٌ فقيه ورع -رحمة الله تعالى عليه-؛ لكن القول: بأنه من الخلفاء الراشدين هذا يحتاج إلى دليل، فالصحيح أنهم أربعة.

وجيء عن أحمد -رحمه الله- أنه أنكر هذا، قال: لا يقال هذا إلا في الأربعة، خلفاء راشدون على وصف شرعي، كما قال صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ»(5)، أما عمر بن عبد العزيز خليفةٌ عادلٌ من خيار الخلفاء.

 بل لو قيل: إنه لا يُعلم خليفةٌ بعده أفضل منه، كان هذا كلامٌ صحيح لا يُعلم أن أحدًا أفضل من عمر بن عبد العزيز بعده تولى حتى يقال، والدليل على هذا تعرفوه إلى الآن وعمر بن عبد العزيز يذكر.

لو جاء خلفاء أفضل من عمر بن عبد العزيز لغمروه وغطوه، لكن لأنه لم يأت خليفةٌ بعده أفضل منه فإنه ظل مضرب المثل -رحمه الله تعالى-؛ لكن لا يقال: إنه خليفةٌ راشد الخلفاء الراشدون أربعة.


(1) أخرجه البخاري في كتاب المناقب- باب مناقب عثمان بن عفان أبي عمرو القرشي (3697).
(2) أخرجه أحمد في «مسنده» (8/ 416)، وأبو داود في كِتَاب السُّنَّةِ - بَابٌ فِي التَّفْضِيلِ (4628)، والترمذي في كتاب أَبْوَابُ الْمَنَاقِبِ (3707).
(3) التوبة: 100.
(4) أخرجه أحمد في «مسنده» (4/126)، وأبو داود في كتاب السنة- باب في لزوم السنة (4607)، والترمذي في كتاب العلم- باب ما جاء في الآخذ بالسنة واجتناب البدع (2676)، وابن ماجه في كتاب المقدمة- باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين (44)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (2549).
(5) أخرجه أحمد في «مسنده» (4/126)، وأبو داود في كتاب السنة- باب في لزوم السنة (4607)، والترمذي في كتاب العلم- باب ما جاء في الآخذ بالسنة واجتناب البدع (2676)، وابن ماجه في كتاب المقدمة- باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين (44)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (2549).


 مواد ذات صلة: