موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح كتاب السنة

  

باب لزوم السنة

عن أبي هريرة، أن رسولَ الله-صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ دعا إلى هدىً، كان له من الأجر مثلُ أجورِ مَنْ تَبِعَه لا يَنقُصُ ذلك من أجورِهم شيئًا، ومن دَعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثلُ آثام من تَبِعَه لا ينقص ذلك مِن آثامهم شيئًا»(1).

وعن سعدٍ رضي الله عنه  قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ أَعْظَمَ المُسْلِمِينَ جُرْمًا، مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ»(2).

عن يزيدَ بنَ عَمِيرةَ -وكان من أصحاب معاذ بن جبل- أخبره، قال: كان لا يجلس مجلسًا للذكر حين يجلس إلا قال: الله حَكَمٌ قِسْطٌ، هلك المُرتابون، فقال معاذ بن جبل يومًا: إن مِنْ ورائكم فِتَنًا يكثُرُ فيها المال ويُفتح فيها القرآنُ حتى يأخُذهُ المؤمنُ والمنافقُ والرجلُ والمرأة، والصغيرُ والكبيرُ والعبدُ والحرُّ.

 فيوشِكُ قائلٌ أن يقول: ما للناس لا يتَّبعوني وقد قرأتُ القرآن؟ ما هم بمتبعيَّ حتَّى أبتدعَ لهم غيرَه، فإيَّاكم وما ابتُدعَ؟ فإن ما ابتُدِعَ ضلالةٌ.

وأحَذرُكُم زَيغَةَ الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافقُ كلمةَ الحق، قال: قلت لمعاذ: ما يُدريني -يرحمك الله- أن الحكيمَ قد يقول كلمةَ الضلالةِ، وأن المنافقَ قد يقول كلمةَ الحق؟.

 قال: بلى، اجتَنِبْ من كلام الحكيم المُشتهِرَاتِ التي يُقال ما هذه، ولا يَثْنِيَنَّكَ ذلك عنه، فإنه لعله أن يُراجِعَ، وتَلَقَّ الحقَّ إذا سمعتَه فإن على الحقِّ نورًا.

وعن سفيانُ، قال: كَتَب رجل إلى عُمَر بن عبد العزيز يسألُه عن القَدَر.

وعن أبي الصَّلْت -وهذا لفظ حديث ابن كثير ومعناهم- قال: كَتَبَ رجلٌ إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدَر، فكَتَب: أما بعدُ، أوصيكَ بتقوى الله، والاقتصادِ في أمره، وإتباعِ سنَةِ رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وتركِ ما أحدَثَ المُحْدِثون بعد ما جَرَت به سُنته، وكفُوا مُؤْنته، فعليكَ بلزوم السنة، فإنها لك -بإذن الله- عصمة.

ثم اعلَمْ أنه لم يبتدع الناسُ بدعةً إلا قد مضى قبلها ما هو دَليلٌ عليها أو عِبرةٌ فيها، فإن السنَّةَ إنما سنَّها مَن قد علم ما في خلافه -ولم يقل ابن كثير: من قد علم- من الخطأ والزَّلَل والحُمقِ والتَعَمُّقِ، فارضَ لنفسك ما رَضي به القومُ لأنفسهم، فنهم على علمٍ وقَفُوا، وببصرٍ نافذٍ كفُوا، وهم على كشفِ الأمور كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أولى.

 فإن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سَبقْتُموهم إليه، ولَئنْ قلتم: إنما حدث بعدهم ما أحدثه إلا من اتبعَ غيرَ سبيلِهم، ورَغِبَ بنفسه عنهم.

 فإنهم هم السَّابقون، فقد تكلَّموا فيه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم مِن مَقْصَرٍ، وما فوقهم مِن مَحْسَرٍ، وقد قَصَّرَ قوم دونهم فجَفَوْا، وطَمَحَ عنهم أقوام فغَلَوْا، وإنّهم بين ذلك لعلى هدًى مستقيم.

كتبتَ تسالُ عن الإقرارِ بالقَدَرِ، فعلى الخبير-بإذن الله- وقَعْتَ، ما أعلَمُ ما أحْدَثَ الناسُ من مُحْدَثةٍ، ولا ابتدعوا من بدعةٍ هي أبينُ أثرًا ولا أثبتُ أمرًا من الإقرار بالقَدَر.

 لقد كان ذكرُه في الجاهليةِ الجهلاء، يتكلمون به في كلامهم وفي شعرهم، يُعَزُّون به أنفسَهم على ما فاتهم، ثم لم يَزِدْهُ الإسلام بعدُ إلا شِدَّةً، ولقد ذكرَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في غير حديثٍ ولا حديثين.

 وقد سَمعَهُ منه المسلمون، فتكلَّموا به في حياته وبعد وفاته، يقينًا وتسليمًا لربهم، وتضعيفًا لأنفسهم، أن يكون شيءٌ لم يُحِطْ به علمُه، ولم يحصِه كتابُه، ولم يمْضِ فيه قَدَرُه.

 وإنَّه لمعَ ذلك في مُحكَم كتابه: لَمِنه اقتبسُوه، ومنه تَعَلَّموه، ولئن قلتم: لِمَ أنزل الله آية كذا؟ ولِمَ قال كذا؟ لقد قرؤوا منه ما قرأتم، وعلموا مِن تأويله ما جهلتم.

 وقالوا بعد ذلك: كُلُّه بكتابٍ وقَدَرٍ، وكُتبتِ الشقاوةُ، وما يُقدَّرْ يكن، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا نَملِكُ لأنفسنا ضَرًَّا ولا نَفْعًا، ثم رغبوا بعد ذلك ورَهِبُوا.

وعن نافعٍ قال: كان لابن عُمرَ صديقٌ من أهل الشام يُكاتِبُه، فكتبَ إليه من عبد الله ابن عمر: إنّه بلغني أنَّك تكلمتَ في شيء من القَدَر، فإياكَ أن تكتب إليَّ، فإني سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم - يقول: «سيكون في أمتي أقوام يكذِّبون بالقَدَر»(3).


هذه النصوص كلها في لزوم السنة والثبات عليها، النص الأول قوله -عَلَيْهِ الصلاة والسَّلَامُ: «مَنْ دعا إلى هدىً، كان له من الأجر مثلُ أجورِ مَنْ تَبِعَه»(4)، وورد الحديث بلفظ: «من سن سنةً حسنة كان له من الأجر مثل أجور من تبعه»(5)، ينبغي أن يعلم فالمراد بقول النبي صلى الله عليه وسلم هنا: من دعا إلى هدى، وقوله صلى الله عليه وسلم: من سن سنةً حسنة.

 يستحيل أن يكون الهدي إلا حيث كان الشرع، لا يتصور أحد أن الحديث دليلٌ على البدع وأن هذه البدع ممكن أن يكون فيها شيٌ من الهدى، أو ما سماه بعض المتأخرين بالبدعة الحسنة فإن هذا لا أساس له، وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: «كل بدعةٍ ضلالة»(6).

وتقدم أنه ثبت عن بن عمر أنه قال: "كل بدعةٍ ضلالة وإن رآها الناس حسنة"، فيستحيل أن يقول -عَلَيْهِ الصلاة والسَّلَامُ: «كل بدعةٍ ضلالة»، ثم يقول: من دعا إلى هدى أي أخترع شيئًا سماه بدعة.

 لا إنما المقصود من الحديث من دعا إلى هدًى مما جاء له النبي صلى الله عليه وسلم، فإن قلت ما الدليل؟ قلنا: الدليل سبب الحديث، ثبت عنه -عَلَيْهِ الصلاة والسَّلَامُ- أنه قال: «من سن سنةً حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها»(7)، لما أتاه قومٌ قد اشتدت حاجتهم.

فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الصدقة، فأتى رجلٌ من المسلمين بقبضةٍ من طعام وأتى أخر وأخر وأخرْ، فحتى امتلأ الوضع بالطعام فاهلل وجه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «من سن سنةً حسنة»، ما السنة الحسنة؟ صدقة والصدقة لاشك أنها من دين الله وليست اختراعًا.

وخذ فائدةٍ مهمةً جدًا في أثرٍ ثبت عن عليٍ رضي الله عنه ، هذا الأثر يحسن أن ينشره طلبة العلم، لأن فيه أبلغ الرد على من يقولون: إن في البدع حسنًا وأن قوله: «من سن سنةً حسنة»، أي اخترع طريقةً جديدة.

إذا قيل: هل يصح أن يطلق على شيءٍ من الشرع أنه سنةٌ حسنة؟ يقال: نعم، ثبت عن علي رضي الله عنه  كما في سنن الطيالسي أنه قال: "الوترُ سنةٌ حسنة"، والوتر معلومٌ أنه مشروع لا يشك فيه أبدًا، ماذا سماه؟ سماه سنةً حسنة.

 فالسنة الحسنة والهدى هي الموجودة في الشرع وليست المخترعة، لأن المخترعة قد بينه بقوله -عَلَيْهِ الصلاة والسَّلَامُ-: «كل بدعةٍ ضلالة»(8)، هذا عام لفظ كل من ألفاظ العموم، يفيد أن كل اختراعٍ بعده -عَلَيْهِ الصلاة والسَّلَامُ- فهو ضلالة.

إذًا قوله: من دعا إلى هدى كأن تدعوا إلى سنةٍ من السنن ربما تكون ميتة، أو تدعوا إلى هدى في موضعٍ يكون فيه ضلالات وبدع، وعدم معرفة بالعقيدة فتدعوا وتدعوا؛ حتى يهدي -الله تعالى- على يديك أناسًا، فهؤلاء كلهم أجورهم تكتب لك.

«من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا يَنقُصُ ذلك من أجورِهم شيئًا»(9)، وبضده من دَعا إلى ضلالة، وهذا هو الدليل على أهل البدع، البدعة ضلالة كم قال صلى الله عليه وسلم: «كل بدعةٍ ضلالة»(10)، فكيف يقولون: إن قوله من دعا إلى هدى يقصد به البدعة الحسنة.

كيف تقول كيف يركب كلام النبي صلى الله عليه وسلم؟ كيف بهذه الطريقة يجعل كلام النبي صلى الله عليه وسلم كأنه يضرب بعضه بعضًا؟ هو يقول: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه»(11).

 ثم يقول: «من دعا إلى ضلالة»، ما الضلالة بينها بقوله صلى الله عليه وسلم: «وكل بدعةٍ ضلالة»، يعني أنه دعا إلى بدعة هذا ليس نصيب في الأجر، إنما له نصيب في الإثم.

«ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثلُ آثام من تَبِعَه لا ينقص ذلك مِن آثامهم شيئًا»(12)، وهذا يدل على فظاعة وخطورة في الدعوة إلى الباطل، وأن الإنسان إذا دعا إلى باطل فإنه إذا تسلسل هذا الباطل عبر القرون.

كبدعة الذين نفوا الصفات، الجعد بن درهم والجهم بن صفوان، هؤلاء بدعتهم تسلسلت في الأمة -نسأل الله العافية-، بدعة شاتمي الصحابة من الروافض بدايتها كانت على يد عبد الله بن سبأ وأضرابه من السبأية، يتسلسل الإثم عليهم في كل من تبعهم في هذه الضلالة وهكذا.

وعكسه من دعا إلى هدى معلومٌ أن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا الأمة إلى الهدى، ولهذا أجور الأمة كلها تكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه هو الذي دعا إلى هدى، بعد النبي صلى الله عليه وسلم بعده الصحابة رضي الله عنهم لأنهم هم الذين علموا التابعون، و التابعون علموا أتباعهم وهكذا.

فالصحابة لهم أجور من بعدهم والتابعون لهم أجور من بعدهم وهكذا، وأنت إذا علمت أحدًا وهداه الله إلى ما دعوته من الحق، فإن كل عملٍ عمله فإن أجره كبير، وهذه فيها فائدة كبيرة جدًا لمعلمي العلوم الشرعية، أن يحتسبوا الأجر.

تأمل يا أخي علمت طفلًا سورة الفاتحة وقرأها وأتقنها، هذا الطفل قد يعيش مائة سنة وأنت علمته الفاتحة، كلما قرأ وكلما علم أحدًا هذه السورة، وكم سيقرأ الفاتحة من ملايين المرات في حياته.

 منها ينبغي الاحتساب في العلم الشرعي وتعليمه، من أزكى وأعظم ما يتقرب به إلى الله عز وجل، فاحتسب وفقك الله الأجر، وليس لزامًا أن تكون معلمًا شرعيًا في مدرسة.

لا ليس لزامًا في مدرسة في حلقة علم في بلدك في أي موضع تعلم فيه، فإنك -بإذن الله تعالى- تؤجر عليه، ولهذا من دعا إلى هذا الهدى فإن له أجور من تبعه.

الأثر الذي بعده عن معاذ بن جبل رضي الله عنه ، كان إذا جلس يقول: الله حَكَمٌ قِسْطٌ، أي عدل سبحانه هلك المُرتابون، وهم أهل التشكك، ثم قال: إن مِنْ ورائكم فِتَنًا يكثُرُ فيها المال ويُفتح فيها القرآنُ حتى يأخُذهُ المؤمنُ والمنافقُ، مثل هذا يقول أهل العلم-رحمهم الله تعالى- لا يقال من قبيل الرأي.

هذا أخذه عن النبي صلى الله عليه وسلم لاشك لا يأت شخص من الصحابة رضي الله عنهم يقول: سيقع كذا وكذا من تلقاء نفسه يعني أمور غيبية، قال أهل العلم: ما لا سبيل إلى الرأي فيه حكمه حكم المرفوع.

 وكان رأيًا له أن يقول على سبيل المثال: إن الذهب المعد الاستعمال من قبل النساء تجب فيه الزكاة، أو قال: لا تجب هذا رأيه، فكأن يخبرك بغيب صحابي من صحابة صحابي ما يمكن أن يتكلم عن الغيب إلا بتوضيحٍ من النبي صلى الله عليه وسلم.

أخبر بهذا الأمر فوقع ما أخبر به من كثرة المال، وأن فتح الْقُرْآنَ على الناس حتى قرأه كل أحد، ثم يأت إنسان -نسأل الله العافية والسلامة- يريد أتباعًا يريد أنصارًا، يريد أن يشتهر ويظهر قرأ الْقُرْآنَ الذين يقرئون الْقُرْآنَ غيره كثير.

وإن أراد أن يظهر السنة الذين يظهرون السنة من أهل العلم كثير، كيف يظهر ويبرز -نسأل الله العافية والسلامة-، يقول: ما هم بمتبعيَّ حتى أحدث لهم شيء جديد، هذا الرجل عنده شيء ليس عند أهل العلم.

 لابد أن هذا الشخص عنده شيء من التميز فيخترع هذه البدعة -نسأل الله العافية-، فما هم بمتبعيَّ حتى أبتدع لهم غيرها، فإيَّاكم وما ابتُدعَ؟ قال: وأحَذرُكُم زَيغَةَ الحكيم، يعني الرجل من أهل العلم والفضل والحكمة قد يزيغ ويضل ويخطأ خطئًا يقول: احذروا ذلت هذا العالم، لأن ذلت العالم ليست كذلة الجاهل.

فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، إن الشيطان قد يوسوس لهذا الرجل من أهل العلم والفضل فيقول: كلمةً غريبةً لا تليق بمقامه ولا تلي بأهل العلم، يقول: ومع ذلك وقد يقول المنافقُ كلمةَ الحق.

المنافق قد يقول: كلامًا حقًا سليمًا، فسأله: ما يُدريني أن الحكيمَ قد يقول كلمةَ الضلالةِ، وأن المنافقَ قد يقول كلمةَ الحق؟ كيف الآن أعرف ما دام أن الحكيم قد يخطأ والمنافق قد يصب؟.

 قال: بلى، اجتَنِبْ من كلام الحكيم المُشتهِرَاتِ وفي اللفظ الأخر: المشبهات التي هي الاشتباه التي يُقال ما هذه، مثل الناس يقولون: سبحان الله فلان من أهل العلم اليوم قال كلمةً غريبة ما هذه الكلمة، كلمة ليست مناسبة.

تجد أهل العلم من حوله يقولون: سبحان الله فلان الرجل الفاضل من أهل العلم يقول: هذا الكلام غريب، هذا أمرٌ صعب جدًا لو أن الذي قاله غيره لما استغربنا؛ الإشكال أن فلان هو الذي قالها، هذا معنى زيغة الحكيم.

يقول: قد يزيغ ويقول هذه الكلمة، يقول: ولا يَثْنِيَنَّكَ ذلك عنه، وفي اللفظ الأخر: ولا ينئينك ذلك عنه يعني يبعدنك ذلك عنه، ما دام من أهل العلم وذل هذه الذلة، لا تقول: سأتركه وسأترك كل علمٍ اجتنب هذه الذلة المحددة، فإنه لعله أن يراجع الحق.

لعله يكلمه إخوانه من أهل العلم، أو يتدبر فيما قال ويستغفر ويأسف على ما بدر منه وقاله، وتَلَقَّ الحقَّ إذا سمعتَه يعني ولو كان من منافقٍ فإن على الحقِّ نورًا الحق عليه نور.

الخبر الذي بعده خبرٌ طويل عن عُمَر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- سألُه رجلٌ عن القَدَر، فوصاه بلزوم ما كان عليه السلق الصالح رضي الله عنهم ولزوم السنة التي كانوا عليها، قال: أعلم قاعدة لم يبتدع الناسُ بدعةً إلا قد مضى قبلها ما هو دليلٌ عليها.

أي بدعة تطرى فإنه يكون فيما مضى من الكتاب والسنة دليلٌ عليها، أي دليل على أنها بدعة وضلالة يتضح منها ستجد في الْقُرْآنَ والسنة ما يدل على أنها بدعة، السنة سنها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم السنة قد سنها من علم ما في خلافها.

ما الذي في خلافها؟ الحمق والتعمق والضلال الذي هو على خلاف السنة، هذا هو الحمق والتعمق والضلال، وقال: أرضى لنفسك ما رضي به القوم يعني السلف الصالح قبلك، فإنهم عن علمٍ وطهور.

الإنسان قد يقف لكن جاهلًا، والسلف إذا وقفوا فإنهم يقفون عن علم، لأن من العلم أن تقف في بعض المسائل ولا تتكلم، كالغيبيات ونحوها وفي بصر الناس يكفوا حين كفوا عن أمور، إنما كفوا لا عن عجزٍ وإنما كفوا عن بصرٍ نافذ.

ولهم أي أنهم اللام هذه للابتداء، أي هم كانوا على كشف الأمور أقوى، وبفضل ما كان أولى يعني أنهم أفضل منك وأولى منك لكل خير، فألوم طريقهم، ثم قسم من خالف السلف إلى قسمين:

إما أن يزيد ويتجاوز حد السلف فيكون غاليًا.

وإما أن يقصر فيكون جافيًا.

ثم قال: كتبتَ تسالُ عن الإقرارِ بالقَدَرِ، فعلى الخبير سقطت -بإذن الله-، قوله: فعلى الخبير سقطت يعني إذا سألت رجلًا عنده علم مؤكد من هذه المسألة التي سألت عنها، ما أعلَمُ ما أحْدَثَ الناسُ من مُحْدَثةٍ، ولا ابتدعوا من بدعةٍ هي أبينُ أثرًا ولا أثبتُ أمرًا من الإقرار بالقَدَر.

يعني أن الأدلة من الْقُرْآنَ والسنة وكلام السلف الصالح رضي الله عنهم في إثبات القدر، وأن كل شيءٍ إنما مرده إلى قدر الله كتب ما شاء، كتب كل شيء علم كل شيء وكتبه، وأنه ما من شيء إلا والله قد شاءه وقد خلقه، هذا أمرٌ ملئُ الْقُرْآنَ والحديث.

كثيرة جدًا النصوص الدالة عليه، يقول: حتى إنهم كانوا في الْجَاهِلِيَّةِ يعزون به أنفسهم، الواحد منهم إذا وقع في شيءٍ من المصائب، حتى وقت الْجَاهِلِيَّةِ كانوا يعيدون ذلك إلى القدر ويقول: هذا أمرٌ قد قُدر عليَّ.

ولما جاء الإسلام ما َزِادْهُ إلا شِدَّةً، لأن من أمور الْجَاهِلِيَّةِ ما طهر الله الأمة عنها، كأبط الجهل، ومن الأمور التي كانت سليمةً في الْجَاهِلِيَّةِ ما ثبته الشرع مما كان فيهم صوابًا مما كان من آثار ملة أبيهم إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ الصلاة والسَّلَامُ-.

فإن الشرع قد ثبته يقول: بل قد زاده شدة، ذكرَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في غير حديثٍ ولا حديثين، الأحاديث كثيرة جدًا في القدر الأحاديث فيه متواترة وكثيرة، سَمعَهُ منه المسلمون، فتكلَّموا به في حياته وبعد وفاته، يعني أن هذا أمرٌ مشهور ومعروف في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعد النبي صلى الله عليه وسلم يتفقون كلهم على الإقرار بالقدر.

يقول: يأت أناسٌ متنطعون يريدون أن يستدلوا على خلاف ما كان عليه السلف بآيات، وهذه لو كتبت بماء الذهب لما كانت كثيرة، يقول: لئن قلتم: لِمَ أنزل الله آية كذا؟ ولِمَ قال كذا؟ وفي لفظٍ أنه قال: فإن قلتم: فأين آية كذا، يعني يريد أن يستدل على بدعته بأن يقول: أين الآية الفلانية، فقال: هذا الكلام العظيم.

 لقد قرؤوا منه ما قرأتم، وعلموا مِن تأويله ما جهلتم، إذا جاء أحد ليحتج بالْقُرْآنَ على خلاف ما كان عليه الصحابة، وقال: أنا عندي آية وقال الآية هذه أقرأها الصحابة أم لم يقرئوها؟ بلى قرءوها، إذًا قرءوا من الْقُرْآنَ ما قرأت الفرق ما هو؟.

علموا منه ما جهلت والجهل فيك أنت، وليس السبب أنهم جهلوا أفاتهم العلم وإنما السبب أنك قد قصرت عن علمهم فجهلت؛ فلهذا قلت ما قال.

قال: إنهم قالوا بعد ذلك: في إثبات القدر ما يُقدَّرْ يكن، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ثم ذكر في أخره أن بن عمر-رضي الله عنهما- كان له صديقٌ من أهل الشام  فبلغه أنّه تكلم في القدر.

فكتب إليه هاجرًا له قال: إنه بلغني أنك تكلمتَ في القَدَر، فإياكَ أن تكتب إليَّ،

يعني بعدها لا تكتب ليّ منذ اليوم، لأني سمعتُ  النبي صلى الله عليه وسلم  يقول في القدر ما قال، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


(1) أخرجه البخاري في كتاب النكاح- باب حق إجابة الوليمة والدعوة (5173)، ومسلم في كتاب النكاح- باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوةٍ (1429).
(2) أخرجه البخاري في كِتَابُ الِاعْتِصَامِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ- بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ وَتَكَلُّفِ مَا لاَ يَعْنِيهِ (7289)، ومسلم في كتاب الْفَضَائِلِ - بَابُ تَوْقِيرِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَرْكِ إِكْثَارِ سُؤَالِهِ عَمَّا لَا ضَرُورَةَ إِلَيْهِ، أَوْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَكْلِيفٌ وَمَا لَا يَقَعُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ (132)، من حديث سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه.
(3) ما قبله.
(4) أخرجه البخاري في كتاب النكاح- باب حق إجابة الوليمة والدعوة (5173)، ومسلم في كتاب النكاح- باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوةٍ (1429).
(5) أخرجه الترمذي في «جامعه»: كتاب العلم- باب ما جاء فيمن دعا إلى هدى فاتبع أو إلى ضلالة (2675).
(6) أخرجه مسلم في كتاب الجمعة - باب تخفيف الصلاة والخطبة (867)، والنسائي في باب كيف الخطبة (3/188)، وأحمد في «المسند» (14373). وقد تفرَّد النسائي بـ «وكل ضلالة في النار».
(7) أخرجه مسلم من حديث جرير، كتاب الزكاة- باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار (1017).
(8) أخرجه مسلم في كتاب الجمعة - باب تخفيف الصلاة والخطبة (867)، والنسائي في باب كيف الخطبة (3/188)، وأحمد في «المسند» (14373). وقد تفرَّد النسائي بـ «وكل ضلالة في النار».
(9) أخرجه مسلم في كتاب العلم- باب من سن سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة إلا أنه قال: «مَنْ تَبِعَهُ» (2674) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(10) أخرجه مسلم في كتاب الجمعة - باب تخفيف الصلاة والخطبة (867)، والنسائي في باب كيف الخطبة (3/188)، وأحمد في «المسند» (14373). وقد تفرَّد النسائي بـ «وكل ضلالة في النار».
(11) أخرجه مسلم في كتاب العلم- باب من سن سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة إلا أنه قال: «مَنْ تَبِعَهُ» (2674) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(12) أخرجه مسلم في كتاب العلم- باب من سن سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة إلا أنه قال: «مَنْ تَبِعَهُ» (2674) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.


 مواد ذات صلة: