موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح كتاب السنة

  

باب في لزوم السُّنَّة

باب في لزوم السُّنَّة

وعن المقدام بن مَعْدي كَرِبَ، عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ يَنْثَنِي شَبْعَانَ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمُ الْقُرْآنَ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، أَلَا وَلَا لُقَطَةٌ مِنْ مَالِ مُعَاهِدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ صَاحِبُهَا. وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ، فَإِذَا لَمْ يَقْرُوهُمْ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُعْقِبُوهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُمْ»(1).

وعن أبي رافع عن أبيه، عن النبيِّ-صلى الله عليه وسلم- قال: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: مَا نَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ»(2).

وعن عائشة قالت: قال رسولُ الله-صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»(3).

قال ابن عيسى: قال النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ صَنَعَ أمرًا على غير أمرِنا فهو ردٌّ»(4).

وعن عبد الرحمن بن عمرو السُّلميِّ وحُجرُ ابنُ حُجْرٍ، قالا: أتينا العرباضَ بن سارية، وهو مِمَّن نزل فيه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ(5)  فسلَّمنا.

 وقلنا: أتيناكَ زَائِرِينَ وعَائدينَ ومُقتبسينَ، فقال العرباضُ: صَلَّى بنا رسولُ الله-صلى الله عليه وسلم - ذات يوم، ثم أقبلَ علينا، فوَعَظَنا موعظةً بليغةَ ذَرَفَتْ منها العيونُ ووَجِلَت منها القلوبُ، فقال قائل: يا رسولَ الله-صلى الله عليه وسلم- كانَ هذه موعظةُ مودعِّ، فماذا تَعهدُ إلينا؟.

 فقال: «أوصيكُم بتقوى الله والسمعِ والطَّاعةِ وإنْ عَبْدًا حبشيًّا، فإنَّه من يَعِشْ منكم بَعْدي فسَيَرى اختلافًا كثيرًا، فعليكُم بسنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاءِ، المَهديِّينَ الرَّاشدينَ، تَمَسَّكوا بها وعَضُّوا عليها بالنَّواجذِ، وإيَّاكم ومُحْدَثاتِ الأمورِ، فإن كُلَّ مُحدَثَةٍ بدْعَةٌ، وكل بدعَةٍ ضَلالةٌ»(6).

وعن عبدِ الله بن مسعود، عن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: «ألا هَلَكَ المُتنطعون»(7)، ثلاث مرَّات.


هذا الباب في لزوم السنة وعدم الرضا بغيرها بديلًا كائنًا ما كان، فأن يثبت على هذه السنة التي ولله الحمد والمنة أنعم-الله تعالى- بها، ومن وفقه-الله تعالى-إليها فهو المحظوظ، حتى إن كان أشد الناس فقرًا وأعظمهم مرضًا، وأشدهم في دنياه خوف.

لأن هذه الدنيا بما فيها من تبعاتٍ ما هي إلا فترةٌ كسحابة صيفٍ ثم تذهب، فيكون من لزم السنة له النعيم المقيم، وله الخلود الأبدي في دار السعادة، ولاسيما إذا زُهد فيها وقل الناصر لها، فالاستمساك بها في مثل هذا الوقت يكون الأجر فيه أعظم بكثير من الاستمساك بالسنة؛ إذا كان المستمسكون بها كثيرين.

المستمسكون بالسنة على خيرٍ في كل الأحوال؛ لكن إذا قل الناصر وكثر أهل الباطل والضلال وفشا المنكر، وقل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتفاحش أهل الباطل واجترئوا، فلزوم السنة والحالة هذه من أعظم ما يتقرب به إلى الله عز وجل.

ولهذا قال -عَلَيْهِ الصلاة والسَّلَامُ-: «العِبَادَةُ فِي الهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ»(8)، هجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم من يحصلها من يدركها؟ أخبر أن العبادة في الهرج عند الاختلاف وعند الاختلاط وتغير الأحوال أنها كالهجرة إليه صلى الله عليه وسلم فألزم السنة.

أعظم ما تتقرب به إلى-الله تعالى- أن تلزم هذه السنة في جميع أمورك، في جميع اعتقادك في صلاتك وعباداتك في تعاملك مع من حولك، كل هذا تضبطه لك السنة.

في الحديث الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه أوتي الكتاب وهو الْقُرْآنَ، ومثله معه وهي السنة، ثم قال: «أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ يَنْثَنِي شَبْعَانَ»، التعبير بالشبعان يدل على أن الإنسان مترف صاحب ترف وصاحب تنعم، ولهذا قال: «عَلَى أَرِيكَتِهِ» متكئ على سريره. يَقُولُ:

يقول: «عَلَيْكُمُ الْقُرْآنَ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ»(9)، يريد أن يأخذ بما في الْقُرْآنَ فقط، ويترك السنة النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»(10)، يعني أنه أوتي الْقُرْآنَ وأوتي السنة.

والله عز وجل سمى السنة في كتابه بالحكمة، وأوجب إتباع النبي صلى الله عليه وسلم في غير ما آية من كتباه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾، فما معنى طاعة النبي صلى الله عليه وسلم؟ إذا كنت ستطيع ما أنزل من الْقُرْآنَ وستترك ما بينه بفعله، وأمرك به في حديثه صلى الله عليه وسلم القولي ما معناه إتباع في الْقُرْآنَ في هذا الحال؟.

من قال: أني سأتبع الْقُرْآنَ دون السنة هو كاذب، لأنك لا تتبع الْقُرْآنَ حقًا إلا إذا اتبعت السنة، لأن الْقُرْآنَ يوجب عليك إتباع السنة، فكيف تقول: إني أتبع الْقُرْآنَ إذا اتبعت الْقُرْآنَ حقًا اتبعت السنة.

ولهذا هذا الصنف الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم وجد في أزمنة متقدمة، كما وجد طوائف ممن ردوا السنة من المعتزلة، ووجدوا منذ أيضًا في العصور الأخيرة هذه من هؤلاء الزنادقة المسمين بالْقُرْآنَيين، يقولون: لا نؤمن إلا بما في الْقُرْآنَ، ما النتيجة؟.

أنكروا معلومات من الدين بالضرورة، فيه أمور معلومة من الدين بالضرورة جاءت فيها السنة فأنكروها، قالوا: ما نجدها في الْقُرْآنَ لا نقر بها، هذا يؤدي إلى الكفر والزندقة لا شك.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: «ألا لا يَحِلُّ لَكُم لحمُ الحِمَارِ الأهليِّ، ولا كُل ذي نابٍ من السَّبُع، ولا لُقَطةُ مُعاهَدِ إلا أنْ يستغنيَ عنها صاحِبُها»(11)، لماذا نص على هذه الأشياء؟ لأنها في سنته تحريم الحمار الأهلي، الحمار نوعان:

حمار صيد وهو الحمار الوحشي.

والنوع الثاني: حمارٌ أهليِ هذا حرمه النبي صلى الله عليه وسلم.

فيجوز الحمار الوحشي لأنه صيد، ولا يحل الحمار الأهلي المعروف هذا الذي يكون، يسمى الحمار الإنسي الموجود عند الناس، أما الحمار الوحشي فإنه ينفر يكون كالصيد، ينفر كالغزال ونحوها وهو حلال.

 أما الحمار الأهلي فهو محرم، أين تحريمه في الْقُرْآنَ؟ غير موجود، موجود في السنة فيجب أن تلزم السنة، هذا معناه.

وهكذا قوله: «ولا كُل ذي نابٍ من السَّبُع»(12)، السباع التي لها ناب تأكل به كالأسود والفهود والنمور ونحوها، هذه لا يحل أكلها: «ولا لُقَطةُ مُعاهَدِ»، اللقطة هي ما يكون من مالٍ ونحوه يضل ويغيب عن صاحبه، فإذا وجدته فإنه ليس لك أن تأخذه حتى تعرفه.

على تفصيل لأهل العلم في الذي يعرف والذي لا يعرف، قوله هنا: «ولا لُقَطةُ مُعاهَدِ إلا أنْ يستغنيَ عنها صاحِبُها»(13)، فيه فائدة كبيرة جدًا أن المعاهد وإن كان كافرًا فإن الأحكام التي جعلها الله له نلتزمها نحن، مثل عدم التعدي عليه في ماله وعرضه والوفاء له بالعهد.

ومن ذلك أن للقطة يعني لو سقط منه مال، لا تقول: هذا مال يهودي أو نصراني ما دام أنه مال هذا اليهودي والنصراني فسآخذه لا يحل لأنه معاهد، وفيه دلالة على أن لقطة المسلمين تحرم من باب أولى.

 إذا حرمت لقطة المعاهد فالمسلم لقطته تحرم من باب أولى، إلا أن يستغني عنها صاحبها، في بعض الأحيان يرمي الإنسان شيئًا من متاعه مستغنيًا عنه، هذا لا يقال: إن حكمها حكم اللقطة، لأن صاحبه رغب عنه ولم يريده فهذا يجوز أخذه.

قال: «ومن نزلَ بقومٍ، فعليهم أن يَقْرُوه»، يعني عليهم أن يضيفوه: «فإنْ لم يَقرُوه»، وهو حقه: «فله أن يُعقِبَهم بمثل قِرَاه»(14)، يُعقِبَهم من العقاب يعني يتبعهم ويجازيهم بدل صنيعهم هذا.

 وذلك بأن يأخذ منهم عقبى بدلًا عما فاته من استضافتهم له، لأن الضيافة في بعض الأحوال تكون واجبة، فإذا أبوا أن يضيفوه استحقوا هذا الأدب الشرعي.

الحديث بعده: لا أُلْفِيَن أي لا أجدن أحدَكُم مُتَّكئًا على أريكَتِه، يأتيه الأمرُ من أمري مِمَّا أمرْتُ به أو نَهَيتُ عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتَّبعناه، وهذا مثل الحديث السابق.

حديث عائشة -رضي الله عنها-أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحْدَثَ في أمْرِنا هذا ما ليس فيه، فهو رَدُّ»(15)، هذا الحديث من قواعد الإسَّلَام الكبار، قاعدة كبيرة أخذ منها أهل العلم قاعدة عظيمة في العبادات أن الأصل في العبادات المنعُ والحظرُ.

«من أحْدَثَ في أمْرِنا»، المراد بأمرنا هنا المراد به الدين، أي من أحدث في ديننا: «ما ليس فيه، فهو رَدُّ»، أي مردودٌ عليه فمن أحدث في دبين الله عز وجل بدعةً من البدع مهما كان قصده حسنًا أو طيبًا؛ فإنها مردودةٌ عليه وهو آثمٌ ومأزور غير مأجور.

الدين ولله الحمد قد كَمُل والناس عليها إتباع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه الغمية ولله الحمد عن الابتداع واختراع المخترعين، قد أنزل الله قوله: ﴿اليوم أكلمت لكم دينكم وأتمتت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسَّلَام دينًا﴾، فالدين قد كَمُل ولله وتم.

 فلسنا بحاجةٍ بتاتًا إلى أي اختراع وإلى أي إحداث، فالحديث بعده قريبٌ منه: «مَنْ صَنَعَ أمرًا على غير أمرِنا فهو ردٌّ»(16)، يعني ورد بأكثر من لفظ.

حديث العرباضَ بن سارية، وهو مِن الذين أنزل الله فيهم: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تولوا وأعنهم تفيض من الدمع حزنًا أن لا يجدوا ما ينفقون(17).

هؤلاء صحابةٌ كرام أرادوا الجهاد فلم يتيسر لهم، فبكوا رضي الله عنهم حين لم يجدوا النفقة فأنزل الله فيهم الآية وكان منهم العرباض، لما أتوه عائدين مقتبسين يعني مقتبسين من علمك وزائرين لك طلبوا منه أن يحدثهم، فحدثهم بهذا الحديث العظيم.

أن النبي صلى الله عليه وسلم وعظه موعظةً بليغة وهذا الذي ينبغي بالخطباء أن تكون مواعظهم بليغة، لهذا يا أخوة لا يصلح في الخطابة ما يبتدع الضحك، الناس ما اجتمعت الآلاف حتى تضحكهم في الخطبة، هذا من دلائل جهل الخطيب.

الخطبة فيها كما قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾، فيها التذكير وفيها الموعظة ولهذا إذا أتى أحد لا يعرف ولا يعي حقيقة تشريع الخطبة، يقع في أخطاء كثيرة مما يقع فيها هؤلاء الذين لا يفهمون المقاصد العظيمة الشرعية للخطب.

الخطب فيها كما في هذا الحديث، المراد بها أن تكون موعظةً بليغة، ومن آثار هذا الوعظ أن ذرفت عيونهم رضي الله عنهم ووجلت قلوبهم، هذا هو المعتاد لهذا يأتيك العاصي شارب الخمر، الزاني، عاق والديه، قطاع الطريق، قاطع الرحم، مؤذي جيرانه، فيدخل في خطبة الجمعة، فيسمع خطبةً عظيمةً بليغة وتذرف دمعه ويجل قلبه.

فعند ذلك يعود فيبر والده، ويكف عن زناه وعن الربا وعن الفواحش والسرقات، ويكف عن أذية المسلمين لأنه وعظ فاتعظ، فهذا الذي ينبغي في هذه الخطب، وهذه خطبه صلى الله عليه وسلم وكان إذا خطب احمرت عيناه -عَلَيْهِ الصلاة والسَّلَامُ-، وعلا صوته كأنه منذر الجيش -عَلَيْهِ الصلاة والسَّلَامُ-.

هذا المفترض ولهذا لما وعظهم هذه الموعظة، قالوا: كأنها هذه موعظة مودع كأنك تودعنا ستذهب ستتوفى، يعني هذه الموعظة موعظة من سيودعنا، فما تعهد إلينا فماذا تَعهدُ إلينا؟ يعني ما الذي توصينا به؟.

 فقال: أوصيكُم بتقوى الله وهذا واضح، والسمعِ والطَّاعةِ يعني لمن ولاه -الله تعالى- أمركم إذا أمركم بأمرٍ بالمعروف، ولم يأمركم بالمعصية فاسمعوا له وأطيعوا، وإياكم وأمور الخلاف والفتن وإحداث الإشكال داخل جماعة المسلمين.

اسمعوا وأطيعوا وإنْ عَبْدًا حبشيًّا، يعني وإن كان المولى عليكم عبدًا حبشيًا لا تقل أن أحتقره هو عبد حبشي، -الله تعالى- هو الذي يأت ملكه من يشاء، ألزم السمع والطاعة ما دام أنه لم يأمرك بمعصيةٍ أو منكر، فإن عليك أن تؤدي ما أ وجب الله عليك من طاعته.

ثم قال: فإنَّه من يَعِشْ منكم بَعْدي فسَيَرى اختلافًا كثيرًا، وعليه من دلائل وعلامات النبوة أن أخبر -عَلَيْهِ الصلاة والسَّلَامُ- بهذا الاختلاف الشديد الذي سيقع، إذا تأملت الوضع الذي كان زمن النبي صلى الله عليه وسلم وتأملت الأحوال بعده، تكدر من بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم ما كان صافيًا.

تكدرت أمور كثيرة لما توفي صلى الله عليه وسلم ارتدت قبائل كثيرة من العرب، هذا من بدايات التكدر حتى قاومهم خيار أهل الأرض وهم الصحابة رضي الله عنهم وأعادوهم إلى حظيرة الإسَّلَام، ثم انتشر الإسَّلَام انتشارًا عظيمًا جدًا، ودخل إلى أقاصي الأرض.

 فدخل في الإسَّلَام من استظهره ولم يستبطنه، دخل فيه ظاهرًا وفي الباطن هو ليس من المؤمنين في سبيل، ثم بدأ يحدث هذه الإحداثات والبدع والضلالات، ولهذا إذا تأملت كثيرًا من البدع وجدت أنها نشأت من غير المسلمين.

فبدعة القدرية نشأت من سوسن القصراني، وسيساويه المجوسي وبدعة الرافضة نشأت من عبد الله به سبأ اليهودي، وهكذا جملة من البدع والضلالات نشأت من أعداء الله، فحصل تغير واختلاف كثير.

وهكذا حصل تغير واختلاف في الحكام، في ولايتهم وتسلطهم وإيذائهم الرعية على غير ما وجه حق، كل هذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيقع، من يَعِشْ منكم فسَيَرى اختلافًا كثيرًا، هذه قاعدة الذي لم يرى الاختلاف الكثير هو الذي مات في زمن قوة السنة.

أما من بعده فإنه سيرى هذا الاختلاف الكثير، ومن هنا نسأل الله الثبات وحسن الخاتمة، أن ترى إنسانًا متدينًا صالحًا موفقًا ملازمًا للطاعة والخدمة وتجده -نسأل الله العافية- منتكسًا هذا من الاختلاف.

 يسأل المؤمن ربه أن يسلمه وأن يقبضه على السنة، وأن يعيذه من الفتن ما ظهر منها وما بطن، هذا الاختلاف الذي رأيناه ونرى ترى أناسًا كانوا على السنة ومن أشد الناس حماسةً له ثم رأيناه أنتكس، أو وجدوا في غير السنة بردًا سويًا؟ لا والله، إنما هو والعياذ بالله الزيغ والضلال، نسأل الله الثبات وحسن العاقبة.

ثم قال-عَلَيْهِ الصلاة والسَّلَامُ-: فاء فهنا الفاء هذا مهمٌ جدًا أن نعي معناها، هنا ترتيب لهذه الجملة على الجملة السابقة، من يَعِشْ منكم بَعْدي فسَيَرى اختلافًا كثيرًا، فعليكُم بسنَّتي هذا علاج الاختلاف.

علاج الاختلاف الكثير أن تلزم السنة من يَعِشْ منكم بَعْدي فسَيَرى اختلافًا كثيرًا، فعليكُم بسنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاءِ، المَهديِّينَ الرَّاشدينَ، تَمَسَّكوا بها وعَضُّوا عليها بالنَّواجذِ، وهي الأضراس وإيَّاكم هذا تحذير ومُحْدَثاتِ الأمورِ.

المحدثات هي التي على خلاف السنة كالأمور المخترعات الجديدة التي لا أصل لها، فإن كُلَّ مُحدَثَةٍ بدْعَةٌ، وكل بدعَةٍ ضَلالةٌ، وهذه قاعدة من قواعد الدين الكبار: أن كل بدعةٍ تنشأ فهي ضلالة، وما المراد بالبدعة؟ ما أحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

والمقصود الإحداث في الدين وليس المقصود بالإحداث بمعنى الاختراع، كالمخترعات الدنيوية فهذه على نوعين:

- نوعٌ مباح.

- ونوعٌ محرم.

إذا كان في هذا الاختراع شيء من الإيذاء والإضرار، فإنه محرمٌ ولو كان اختراعًا دنيويًا، كأن يخترع جهازًا للتصنت فيتصنت على جاره، يقول: هذا اختراعًا في الدنيا وليس اختراعًا في الدين هذا ليس بدعة لا يجوز، هذا محرم أن تتصنت بأذنك أو بهاتفك أو بجهازك.

الاختراع هنا صار وسيلةً من وسائل الباطل، أما المخترعات النافعة كهذه الاختراعات التي فتح الله بها على الناس في الاتصالات والمواصلات، وفي هذه الصناعات التي يسر-الله تعالى-بها للناس شيئًا كثيرًا، هذه لاشك أنها لا يقال فيها أي إشكال، ليس فيها أي إشكال هذه.

قال: «فإن كُلَّ مُحدَثَةٍ بدْعَةٌ، وكل بدعَةٍ ضَلالةٌ»(18)، قال بن عمر -رضي الله عنهما-فيما صح عنه: كل بدعَةٍ ضَلالة، وإن رآها الناس حسنة، يعني أن الناس قد يستحسنون أشياء وهي حسنة وطيبة وفيها فائدة، نقول: هي ضلالة حتى وإن استحسنتموها.

الحديث بعده أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال ثلاث مرَّات هذه للاستفتاح في الجمل: «ألا هَلَكَ المُتنطعون»(19)، المُتنطع هو المتعمق المتكلف في الشيء، من التنطع ما فعله الخوارج، فإن الخوارج متنطعون.

كما ثبت عنه -عَلَيْهِ الصلاة والسَّلَامُ- أنه قال فيهم: «يَتَعَمَّقُونَ فِي الدِّينِ»(20)، يتعمقون فيه يعني أنهم يبالغون ويتكلفون على طريقة المتنطعين، ومن التعمق التعمُق الذي وقع فيه المتكلمون من الجهمية والمعتزلة والأشعرية والماتريدية وأضرابهم.

ممن خاضوا في أمورٍ لا يحل الخوض فيها، ودخلوا في متاهاتٍ عظيمةٍ أدت إلى حيرتهم وضلالهم وزيغهم، أمور الغيب ما الذي ستجد فيه؟ لا تجد في الغيب شيئًا، فالتنطع والدخول في البحث في كل شيء خطأ، لا تستطيع أن تبحث في كل شيء.

هناك أمور يأبى الله أن يصل الإنسان فيها إلى شيء، الغيب كاسمه وما غاب عنك لا يمكن أن تصل فيه إلى شيء، فالحاصل أن التنطع بسائر أشكاله، أو التنطع في العبادة يعني يتعمق ويبالغ ويزيد، حتى يرهق نفسه ويجهد نفسه.

أو أن يبالغ بتحريم الحلال والتشديد فيها، كل هذا من التنطع وكل هذا لا أصل له، وأخبر صلى الله عليه وسلم أن صاحبه يهلك وفي أحيانًا كثيرة ينتكس المتنطع، ويعود إلى حالٍ مخالفٍ للحال الذي كان عليه.

 فالآن مجموعة من هؤلاء المسمين بالليبراليين، ممن يدعون إلى أشد ما يكون من السوء والفحش، كانوا من أشد الناس غلوًا ومن أكثر الناس نقدًا للعلماء، وجدنا علماؤنا ومشايخنا -رحمة الله تعالى عليهم- وجدوا منهم العنت الشديد.

 لكثرة ما كانوا يواجهونه من النقد والاتهام بالمداهمة، وأنكم كذا وأنكم كذا وكانوا يبالغون مبالغاتٍ منكرة، وهم موجودون معروفون بأسمائهم وأشخاصهم، كانوا على أشد ما يكون من التنطع، العاقبة أن انتكسوا نعوذ بالله من زيغ الزائغين.

لن يشاد الدين أحدًا إلا غلبه هذه المبالغة والزيادة عن السنة، كما سيأتي في كلام عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- لاشك أنها ضلالٌ، وهي من الطريق الذي يريده الشيطان للعبد، أن يزيغ عن الصراط المستقيم بمبالغة وتنطع وزيادة وتكلف، أو بتقصيرٍ وجفاء.


(1) أخرجه أبو داود في «سننه»: كتاب السنة- باب في لزوم السنة (4604)، والترمذي في «جامعه»: كتاب العلم- باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي صلى الله عليه وسلم (2664)، وقال: «هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه»، وابن ماجه في «سننه»: كتاب المقدمة- باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والتغليظ على من عارضه (12)، وأحمد في «مسنده» (4/130)، والطبراني في «المعجم الكبير» (20/ 282/668).
(2) أخرجه أبو داود في كِتَاب السُّنَّةِ - بَابٌ فِي لُزُومِ السُّنَّةِ (4605)، والترمذي في كتاب أَبْوَابُ الْعِلْمِ - بَابُ مَا نُهِيَ عَنْهُ أَنْ يُقَالَ عِنْدَ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2663)، وابن ماجه في افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم- باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتغليظ على من عارضه (13).
(3) أخرجه البخاري في كتاب الصلح- باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود (2697)، ومسلم في كتاب الأقضية- باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور (1718)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
(4) أخرجه أحمد في «مسنده» (40/ 507)، وأبو داود في كِتَاب السُّنَّةِ - بَابٌ فِي لُزُومِ السُّنَّةِ (4606).
(5) التوبة: 92.
(6) أخرجه أبو داود في «سننه»: كتاب السنة- باب في لزوم السنة (4607)، والترمذي في «جامعه»: كتاب العلم- باب ما جاء في الآخذ بالسنة واجتناب البدع (2676)، وابن ماجه في «سننه»: كتاب المقدمة- باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين (44)، وأحمد في «مسنده» (4/ 126).
(7) أخرجه مسلم في كتاب العلم- باب هَلَكَ المتنطّعون (2670).
(8) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب فضل العبادة في الهرج (2948)، وأخرجه أحمد في «مسنده» (5/27)، وقال شعيب الأرناؤوط: «حديث صحيح».
(9) أخرجه أحمد في «مسنده» (4/130)، وأبو داود في كتاب السنة- باب في لزوم السنة (4604)، والترمذي في كتاب العلم- باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي صلى الله عليه وسلم (2664)، وقال: «هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه»، وابن ماجه في كتاب المقدمة- باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والتغليظ على من عارضه (12). وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».
(10) أخرجه أحمد في «مسنده» (4/130)، وأبو داود في كتاب السنة- باب في لزوم السنة (4604)، والترمذي في كتاب العلم- باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي صلى الله عليه وسلم (2664)، وقال: «هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه»، وابن ماجه في كتاب المقدمة- باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والتغليظ على من عارضه (12). وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».
(11) أخرجه أبو داود في «سننه»: كتاب السنة- باب في لزوم السنة (4604)، والترمذي في «جامعه»: كتاب العلم- باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي صلى الله عليه وسلم (2664)، وقال: «هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه»، وابن ماجه في «سننه»: كتاب المقدمة- باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والتغليظ على من عارضه (12)، وأحمد في «مسنده» (4/130)، والطبراني في «المعجم الكبير» (20/ 282/668).
(12) أخرجه أبو داود في «سننه»: كتاب السنة- باب في لزوم السنة (4604)، والترمذي في «جامعه»: كتاب العلم- باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي صلى الله عليه وسلم (2664)، وقال: «هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه»، وابن ماجه في «سننه»: كتاب المقدمة- باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والتغليظ على من عارضه (12)، وأحمد في «مسنده» (4/130)، والطبراني في «المعجم الكبير» (20/ 282/668).
(13) أخرجه أبو داود في «سننه»: كتاب السنة- باب في لزوم السنة (4604)، والترمذي في «جامعه»: كتاب العلم- باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي صلى الله عليه وسلم (2664)، وقال: «هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه»، وابن ماجه في «سننه»: كتاب المقدمة- باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والتغليظ على من عارضه (12)، وأحمد في «مسنده» (4/130)، والطبراني في «المعجم الكبير» (20/ 282/668).
(14) أخرجه أبو داود في «سننه»: كتاب السنة- باب في لزوم السنة (4604)، والترمذي في «جامعه»: كتاب العلم- باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي صلى الله عليه وسلم (2664)، وقال: «هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه»، وابن ماجه في «سننه»: كتاب المقدمة- باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والتغليظ على من عارضه (12)، وأحمد في «مسنده» (4/130)، والطبراني في «المعجم الكبير» (20/ 282/668).
(15) أخرجه البخاري في كتاب الصلح- باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود (2697)، ومسلم في كتاب الأقضية- باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور (1718)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
(16) أخرجه أحمد في «مسنده» (40/ 507)، وأبو داود في كِتَاب السُّنَّةِ - بَابٌ فِي لُزُومِ السُّنَّةِ (4606).
(17) التوبة: 92.
(18) أخرجه مسلم في كتاب الجمعة - باب تخفيف الصلاة والخطبة (867)، والنسائي في باب كيف الخطبة (3/188)، وأحمد في «المسند» (14373). وقد تفرَّد النسائي بـ «وكل ضلالة في النار».
(19) أخرجه مسلم في كتاب العلم- باب هَلَكَ المتنطّعون (2670).
(20) أخرجه أحمد في «مسنده» (11/ 614).


 مواد ذات صلة: