موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح كتاب السنة

  

باب النهي عن الجدال وإتباع المتشابه من القرآن

باب النهي عن الجدال وإتباع المتشابه من القرآن.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ(1)

قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ»(2).


هذا الباب في النهي عن الجدال، المراد به الجدال في الباطل وليس المقصود به المباحثة العلمية في مسائل العلم واستخراج ذلك من خلال السؤال والمعرفة، ليس هذا مراد لأن الصحابة إذا كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم، لكن كانوا يسألونه فيما ينفعهم، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ(3).

أما الجدال والنزاع على الباطل كأن يكون نزاع وجدال في القدر، أو نزاع وجدال في أمور من الغيب لا يعلمها إلا الله، فلا شك أن هذا من الباطل، وأنه من طرائق أهل الضلال قديمًا وحديثًا.

قال باب النهي عن الجدال وإتباع المتشابه، النصوص على نوعين اثنين:

الأول: المحكم.

الثاني: المتشابه، قال الله عز وجل في القرآن: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، المحكمات هي البينات الوضيحات الجليات ذات المعاني الظاهرة، أما المتشابه فالمراد به ما لا يفهم إلا إذا رد للمحكم، يكون في لفظه احتمال، هذا المتشابه يفهم من خلال رده للمحكم، فإذا رد المتشابه إلى المحكم تبين واتضح، ماذا يفعل أهل الزيغ؟ يتبعون المتشابه ويتركون المحكم، الذي يترك البينة الجلية ويتبع غير البين الذي لا يتبين إلا برده للمحكم لا شك أنه زائغ ولا شك أنه مبتدل للفتنة كما سماه الله.

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ(4)، مرادهم بتأويله، يعني تفسيره على هوائهم حتى يقولوا إن النص شهيد لباطلنا وبدعتنا، النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ثن قال: «فَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ»(5)، هذه علامة، ومن فوائد وجود المتشابه، أن الله -سبحانه وتعالى- جعله علامة على أهل الباطل، ساعة تجد الإنسان يبحث عن المتشابه ويترك المحكم البين فقد اتضحت فيه علامة كبيرة من علامات أهل الباطل، ولهذا وجود المتشابه لله فيه ابلغ الفتن، فيه الإذعان ينتبه للعباد في أن يؤمنوا بالمحكم والمتشابه، فيه مزيد علم بان ترد المتشابه للمحكم فتعلم، فيه دلالة جلية على وجود أهل الزيغ والباطل، الذين يتركون البين المحكم الجلي ويتبعون المتشابه، ثم إذا قوبلوا بالمحكم، هذا المحكم الآن يبين هذا المتشابه، أبوا وتركوا المحكم البين واتبعوا المتشابه.

 فصارت هذه علامة جلية من علامات أهل الزيغ، أعطيك مثال، دلت النصوص المتواترة الجلية في القرآن وفي السنة على أن الله -سبحانه وتعالى- في العلو، وبأنواع كثيرة من الدلالات، منها التصريح بأن الله في السماء كقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ(6)، ومنها التصريح بأن الله فوق عباده: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(7)، ومنه التصريح بنزول الأشياء من عنده -سبحانه وتعالى-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا(8)، ومنها التصريح بصعود الأشياء إليه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ(9)، ومنا التصريح بالعروج وفيها عروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه، حتى جاوز السبع طباقًا وكلمه الله -سبحانه وتعالى- كفاحًا وفرض عليه الصلوات، بعد أن جاوز السماء السابعة، ومنها الإشارة على الله -سبحانه وتعالى- بالأصبع حيث قال صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كما في صحيح مسلم: «وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ» وفيها إشارته صلى الله عليه وسلم بيده إلى السماء قائلًا: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ اشْهَدْ»(10) يرفع أصبعه لرب العالمين ويقول: اللهم أشهد، يعني اشهد عليهم ثلاث مرات، ولما أراد معاوية بن الحكم رضي الله عنه أن يعتق جارية، أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلم هل هي مؤمنة أم لا، قال: «ائْتِنِي بِهَا»، قَالَ: فَجِئْتُ بِهَا، قَالَ: «أَيْنَ اللهُ؟ » قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: «فَمَنْ أَنَا؟ » قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»(11)، لما علمت أن ربها في السماء وأن محمد رسوله صلى الله عليه وسلم.

آيات هذه وكلها، ذكر المقيم وغيره من أهل العلم أن أفراد هذه الأدلة تزيد على الألف دليل، أفراد الأدلة إذا تتبعت من القرآن والسنة، يجئ الجهمية ومخرفوا الصوفية ويقولوا: إن الله ليس في السماء، ويقولا: إن الله تعالى في كل مكان، معاذ الله، قالوا: عندنا دليل، ما الدليل؟ قالوا: قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ(12)، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ(13)، ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ(14).

قالوا: هذا دليل على أن الله في السماوات وفي الأرض، هذه الآية لا شك أنها من المتشابه، والجواب على قولهم من أكثر من وجه:

الأول: أما قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ﴾، فيه وقف، ثم يستأنف الكلام، ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ(15).

فتكون هذه الآية، هو الله في السماوات كقوله، ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ(16)، الأمر الأخر، والجواب الأخر هو أقوى من هذا الجواب أن هذه الآية إذا ردت على الآيات الأخرى المحكمة فيتضح معناها وتتجلى، ومنها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ(17)، ما المارد بالإله، المعبود، فيكون معنى آية الأنعام، ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾، أي وهو الله معبود أهل السماوات وأهل الأرض.

 كما في الآيات الأخرى التي بينتها، ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾، أي معبود، ﴿ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾، أي المعبود، فيأتون على المتشابه ويتركون الآيات الكبيرة، من قوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ(18)، وما ذكرناه من النصوص الكثيرة، وهي أنواع تصل على واحد وعشرين نوع، ذكرها ابن القيم في النونية وذكرها في الصواعق -رحمه الله- كثيرة جدًا، فيتركون هذا ويبحثون عن اللفظ المتشابه، فيكون هذا يدل، ويلغون ألف دليل من القرآن والسنة يلغونها، هذا فعل من يتبع المتشابه.

ثم هذا التفسير الذي أتيتم به، من أين أتيتم به، من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من ابن مسعود أو من بن عباس، عن من؟.

ما أتوا به من احد، إنما هم اعتقدوا اعتقاد باطل أن الله -سبحانه وتعالى- في كل مكان ثم بحثوا عن الأدلة لاحقًا، طرقة أهل زيغ، أهل الزيغ هذا دربهم وهذا طريقهم، الحاصل أن إتباع المتشابه من علامات أهل الباطل، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم، «فَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ»(19)، هذا أمر منه صلى الله عليه وسلم بأن يحذروا، والحذر سيأتي بيانه إنشاء اله في الأبواب الأخرى.

أحذر الجلوس معهم، أحذروا القراءة لهم، احذر تتبع أشباههم، في قنواتهم وفي مواقعهم، رسولك صلى الله عليه وسلم أحرص الناس عليك ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، يحذرك، يقول: أحذروهم، من هم؟ كل من ليسوا على السنة، هذا دأبهم وهذا طريقتهم فأحذرهم، واترك تتبع أذاهم فيه، فإن القلب يتأثر بكثرة تتبع هذه المقالات الخبيثة، كما أن القلب يتأثر برؤية الصور، الإنسان يطالع صور النساء ويطلق بصره فيهم؟ لأن قلبه يتأثر، لو كان ما كان لا بد أن يتأثر القلب، كذلك الشبه بابا لشبه أخبث، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم أحذروهم، احذرهم ولا يتتبع مقالاتهم فليس فيها من العلم شيء إنما فيها الشبه والضلال.


(1) آل عمران: 7.
(2) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن- باب منه آيات محكمات (4547)، ومسلم في كتاب العلم- باب النهي عن اتباع متشابه القرآن والتحذير (2665).
(3) البقرة: 219.
(4) آل عمران: 7.
(5) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن- باب منه آيات محكمات (4547)، ومسلم في كتاب العلم- باب النهي عن اتباع متشابه القرآن والتحذير (2665).
(6) الملك: 16.
(7) النحل: 50.
(8) الكهف: 1.
(9) فاطر: 10.
(10) أخرجه مسلم في كتاب الحج- باب بيان وجوه الإحرام (1218)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(11) أخرجه مسلم في كتاب المساجد مواضع الصلاة- باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته (537).
(12) الأنعام: 1.
(13) الأنعام: 2.
(14) الأنعام: 3.
(15) الأنعام: 3.
(16) الملك: 16.
(17) الزخرف: 84.
(18) الملك: 16.
(19) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن- باب منه آيات محكمات (4547)، ومسلم في كتاب العلم- باب النهي عن اتباع متشابه القرآن والتحذير (2665).


 مواد ذات صلة: