موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح كتاب السنة

  

باب شرح السنة

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛

فإن كتب الاعتقاد المضمنة داخل جوامع الحديث، كتب ذات أهمية بالغة وتخفى على بعض طلبة العلم مع بالغ في أهميتها، لأن هذه الكتب فيها اعتقاد المصنف -رحمه الله-، من خلال ما بوب عليه ومن خلال ما ساقه من الأحاديث.

وهذه الكتب العقدية تجدها في البخاري ومسلم وأبي داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة، والبخاري -رحمه الله- من أوسع أهل العلم والمصنفين في ذكر هذه الكتب العقدية فبدأ -رحمه الله- في بدء الوحي، كتاب الإيمان، وذكر كتاب القدر وختم بكتاب التوحيد، وهكذا غيره من المصنفين رحمهم الله.

فمن المفيد لطالب العلم أن يطلع على هذه الكتب لأنها ليست كتب مفردة وإنما هي كتب مضمنة داخل هذه الكتب التي إليها مرجع الأمة، أمة محمد صلى الله عليه وسلم في معرفة أحاديثه صلى الله عليه وسلم، فلهذا كان لهذه الكتب أهميتها وكان مما ينبغي على طالب العلم أن يعلمها، ستجد في كتاب السنة لأبي داوود -رحمه الله- مواضع كثيرة من مسائل الاعتقاد، قوله -رحمه الله- الكتاب والسنة، فالسنة المراد بها الاعتقاد، وليس المراد بها هي السنة التي هي عند أهل الأصول ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، فالمراد بالسنة هنا الاعتقاد الحق الذي من خالفه، فإنه يكون مبتدع هذا المعنى.

ولهذا ذكر -رحمه الله- الأحاديث التي في الاعتقاد، فذكر أن في بعضها الرد على الجهمية لأن المراد بالسنة هنا ما ذكرناه، ونبدأ على خير إنشاء الله تعالى:

قال الإمام أبو داوود في سننه كتاب السنة باب شرح السنة

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى أَوِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفْتَرِقُ النَّصَارَى عَلَى إِحْدَى أَوِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً»(1).

وعن أبي عامر الهوزاني عن معاوية بن أبي سفيان: أنه قال: أنه قام فينا فقال: ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال: «أَلَا إِنَّ مَنْ قَبِلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ: ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ»، زاد ابن يحي وعمرو في حديثيهما، «وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ تَتَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءِ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ لِصَاحِبِهِ»(2)، وقال عمرو الكلب لصاحبه لا يبقى منه عرق ولا. . إلا دخله.


بدأ -رحمه الله- في باب في شرح السنة، أقرأ الحديث المشهور حديث الافتراق، أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بغيب مضى وأخبر بغيب مستقبل، أما الغيب الذي مضى وهو افتراق من قبلنا من اليهود والنصارى على إحدى أو ثنين وسبعين فرقة، في بعض الروايات لأن اليهود افترقوا على إحدى وسبعين والنصارى افترقوا على ثنتين وسبعين، وأن هذه الملة وهذا الغيب المستقبل، ستفترق على ثلاث وسبعين، في حديث بعده أن كلها في النار نسال الله العافية والسلامة.

هذه الفرق كلها في النار إلا واحدة، لما سؤل صلى الله عليه وسلم، عن هذه الواحدة وهذا من فقه الصحابة رضي الله عنهم أنهم سألوا عن النجاة، ما قالوا عدد لنا الهالكين، وماذا يقولون، وماذا يفعلون، وماذا يعتقدون، قالوا أخبرنا بالنجاة أما الهلكى فكثر ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ(3).

فلما سألوه عن هذه الفرقة التي تنجو قال: هي الجماعة، الحديث هذا ورد في عدة ألفاظ عن أبي هريرة وعن معاوية وعن ابن عمر وعن أنس يعني عدد من الصحابة رضي الله عنهم، وهذه الطرق يقوي بعضها بعض بلا شك، وهي دالة على أن هذه الأمة سيقع فيها افتراق، كيف تعرف الحق من الباطل، يسير ولله الحمد، النبي صلى الله عليه وسلم قطعًا على الحق ولا يقول مسلم إلا هذا.

والذين رباهم من الصحابة خيار الأمة رضي الله عنهم هم معه على الحق فألزم ما كانوا عليه تكن على الحق على قيام الساعة، فالحق ولله الحمد لا يلتبس ولا يقال أن الحق ضاع ولا يمكن أن يعرف هذا مستحيل ولله الحمد.

قال صلى الله عليه وسلم: «وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ»(4)، لا بد أن يبقى في هذه الأمة أحد على الحق، فألزم ما كان عليه نبيك صلى الله عليه وسلم وسلفك الصالح، ولذلك أهل السنة يؤكدون دائمًا على ما عليه السلف الصالح لأن هم على الحق بلا شك، وفيهم نزل قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ(5)، هذا موجه للصحابة رضي الله عنهم فمن أراد النجاة فليلزم الجماعة، أي جماعة؟ الجماعة الأولى التي أنشأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن رأس هذه الجماعة؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم، يستحيل إلا أن يكونوا على الحق هؤلاء على الحق.

وذكرنا أنه من المهم على طالب العلم أن يعرف أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة والتابعين رضي الله عنه لأنهم على الحق، أما أهواء الناس فكثرة جدًا بعدهم، ألا تروا المصنفات الضخمة الكبيرة التي لا تسلم من هوى الناس وأرائهم، هذه ما تنتهي، ولهذا ألزم العلم الشرعي المؤصل من خلال كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم تكن على الحق.

وأخبر صلى الله عليه وسلم بأن هذه الفرق سيخرج فيها أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، أي أنها تدخل وتسري بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب، الكلب داء يصيب الكلب، فيترتب عليه مثل الجنون فلا يعض الكلب أحد إلا وأصابه هذا الداء داء الكلب، يمتنع من شراب الماء حتى يموت عطشًا وهو من الأمراض الخطيرة.

هذا المرض يتميز بأنه شديد الانتشار حتى أنه لا يبقى عرق ولا مفصل إلا ودخله هذا المرض، وهو داء الكلب، النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن أهل الأهواء هؤلاء سيكون فيهم من انتشار هذه المقالة الشديدة فيهم وحبهم لها، ورضاهم وفرحهم بها، من شدة الانتشار فيهم ينتشر هذا كما ينتشر داء الكلب بصاحبه نسأل الله العافية.

وهذا يدل على فظاعة وشدة استمساكهم بباطلهم، فألزم السنة وأحمد الله تعالى وسله أن يثبتك عليها حتى تلقاه، أما أنواع الباطل فكثيرة منذ عهد الصحابة خرجت الخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة ثم المعتزلة ثم تلونت الكلابية بثيابها بعد ذلك، والأشعرية، وخرجت أنواع البدع والضلالات ممن أرادوا السلوك على غير طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسائل الزهد من مخرفي الصوفية وأمثالهم ولا تزال إلى ساعتك هذه الفرق توجد.

وبعض أتباع هذه الملايين مع وضوح وجلاء بطلان ما هم عليه، فالقاضيانية يتبعوا هذه الملايين، مع أن رأس القاضيانية يدعي أنه نبي كفره طرح ولا يشك في هذا ثانيًا أدعى أنه رسول، ومع ذلك له هذه الأتباع، فلا تكترث لفطرة الناس وأعدادهم فإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ(6).

فألزم السنة وتعلم العلم وأحرص على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلم أن جميع هذه الفرق يجمعها شيئان اثنان لا تخرجان عنه أبدا إما إفراط، وإما تفريط.

لو تتأمل جميع الفرق بدون استثناء، وجدت أنهم حادوا عن الوسط الذي خطه رسول الله صلى الله عليه وسلم فصاروا أهل إفراط ومبالغة، فالخوارج والباطنية وأورادهم، وكل له طريقته التي يغلو فيها، وعكسهم من.. كالمرجئة وأفرادهم، فإن هؤلاء جفوا وقصروا فبذلك قال الأوزاعي -رحمه الله: إن للشيطان محجتين أي طريقين لا يبالي بأيهما سلك العبد إفراط أو تفريط، ولا يهمه أن يكون الإنسان خارجي أو رافضي، والله كما قال الله عنه: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(7)

﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(8).

يريد أن يزيل العبادة عن هذا الصراط المستقيم، فألزم الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ(9)، والبصيرة هي العلم.


(1) أخرجه أبو داود في «سننه»: كتاب السنة- باب شرح السنة (4596)، والترمذي في «جامعه»: كتاب الإيمان- باب ما جاء في افتراق هذه الأمة (2640)، وابن ماجه في «سننه»: كتاب الفتن- باب افتراق الأمم (3991)، وأحمد في «مسنده» (2/332)، وأبو يعلى في «مسنده» (5910)، (6117)، وابن حبان في «صحيحه» (6731 ابن بلبان).
(2) أخرجه أبو داود في «سننه»: كتاب السنة- باب شرح السنة (4597)، وأحمد في «مسنده» (4/ 102) ، والدارمي في «مسنده» (2518)، والطبراني في «المعجم الكبير» (19/ 377/885)، وفي «مسند الشاميين» (1005).
(3) يوسف: 103.
(4) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» (7311)، مسلم في كتاب الإمارة- باب قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم» (1921).
(5) آل عمران: 110.
(6) الأنعام: 116.
(7) الأعراف: 16.
(8) الأعراف: 17.
(9) يوسف: 108.


 مواد ذات صلة: