موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح كتاب الصيام

  

الجماع في نهار رمضان

فصلٌ

وَمَنْ جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ،


ومن جامع: أي حصل منه الجماع سواءٌ في حلالٍ أو حرام. طبعًا إن كان في حرام فلا شك أنه ظُلماتٌ بعضها فوق بعض, لكن إن كان في حلال فإنه قد انتهك حُرمة النهار, ولا يجوز ذلك. والدليل على أن الجماع مفطر قوله تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ(1).

وقوله: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ دل على أنه إذا تبيَّن الفجر لا يجوز المباشرة. ودليلٌ أخر قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ(2), وكونه أُحل في الليل خُصص ليل دل على أنه في النهار لا يجوز كما قال تعالى في -يرحمك الله- في المجرمين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ(3), فحجاب عدائه دليلٌ على رؤية أوليائه. وكذلك هذه ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ(4) أي: أنه محرمٌ عليكم في نهاره.

من جامع في نهار رمضان في قبلٍ أي الجماع الطبيعية, أو دبر جماع الشذوذ -نسأل الله العافية-, وهذا الشذوذ لم يكن موجودًا قبل قوم لوط مما يُدلك على أنه مُخالفٌ لطبيعة البشر التي خلق الله الناس عليها -فنسأل الله أن يعافينا-.

وعقوبة من بُلي بهذا الأمل إن لم يتب عقوبةٌ مغلظةً شديدة أوصلها بعضهم إلى الحرق, وبعضهم الإلقاء من شاهق, والرجم, -ونسأل الله العافية-.

قال: فعليه القضاء. القضاء: لأنه أفسد الصيام. وعليه الكفارة, والكفارة ستأتي وهي عتقُ رقبة أذكرها الآن- فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين, فإن لم يجد فإطعام ستين مسكينا, فإن لم يجد يقول الكتاب سقطت. ولو قلنا أنها تبقى في ذمته حتى يجد فربما كان أليق.

إذًا نقول: من جامع في نهار رمضان فعليه القضاء؛ لأنه أفسد ذلك اليوم. وعليه الكفارة المغلظة. والدليل: حديث الرجل الذي جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: هلكت يا رسول الله قال: ما أهلك؟ قال: وقعت على أهلي وأنا صائم. فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: أتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا أستطيع. تطعم؛ قال: أتجد رقبة تعتقها قال: لا. -إذًا نسينا عتق الرقبة- قال: لا. قال: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: هل تجد ما تطعم به أهلك؟ قال: لا. فمكث الرجل -رضي الله عنه- وأرضاه قليلًا وأوتي النبي بعرق فيه تمر فقال: أين السائل؟ قال: أنا. قال: «خذ هذا فتصدق به» -يعني على 60 مسكينا- فالصحابي -رضي الله عنه وأرضاه- قال: أعلى أفقر مني يا رسول؟ والله ما بين لابتيها أهل بيتٍ أفقر من بيتي. فقال: «فخذه فأطعمه أهلك»(5) -اللهم صلي وسلم على رسول الله.

هذه المسألة وهي أن يكِل المستفتي, أو يكل المفتي حال المستفتي له إذا كان الناس في عافية, فإذا كان فيهم نوعٌ من العبث أو اللعب فينبغي للمفتي أن يكون أكثر حزمًا, وهذه أمور ينظر إليها العلماء في كل زمانًا في حينه؛ ففي زمنه -صلى الله عليه وسلم- كان الناس في عافية, النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: جُعلت عافيتها هذه الأمة في أولها, وسيصيب أخرها فتن وأمور تنكرونها. فلو أن الإنسان؛ لما جاءت الغامدية إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- واعترفت بالزنا أطلقها ولم يسجنها, وكذلك ماعز -رضي الله عنه- أطلقه. تلك مضت حتى ولدت, ثم مضت حتى أرضعت, ثم جاءت وهو وهذا الرضيع يأكل شيئًا, فرجمها النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ هذه ليست بحاجة إلى أن نقيم عليها حرس يمنعونها من الهرب, بل لما رجم ماعز -رضي الله عنه- وآذته الحجارة هرب, فتبعه الناس حتى رجموه. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: لو تركتموه حتى يرجع.

فحينما يكون الناس في عافية يعاملون معاملة تليق بهم, وحينما يكون الناس في نوع من الفتنة والبلاء فهم يحتاجون إلى ذلك. من الذي يقدر؟ أهل العلم هم الذين يقدرون, وأهل الأمر. قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ(6).

 إذًا النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يتحقق من هذا الرجل هل عندك كذا؟ فقط سأله فلما أجابه لم يقل إنك تستطيع أو أنك, لا, بل وكله إلى إيمانه, فعليه القضاء لأنه أفسد اليوم وعليه الكفارة لأنه ارتكب وانتهك حُرمة اليوم. نعم.

وإن جامَعَ دونَ الْفَرْجِ فأَنْزَلَ أو كانت المرأةُ مَعذورةً أو جامَعَ مَن نَوَى الصوْمَ في سَفَرِه أَفْطَرَ ولا كَفَّارَةَ،


هذه ثلاث حالات

جامع دون الفرج يعني: بضم, أو تقبيل, أو مباشرة دون الفرج, لكن لم يحصل الإيلاج وأنزل, فهنا أفطر, لأن من المفطرات خروج المني بقصدٍ, وهو الذي قصد أن يخرج المني.

قال: أو كانت المرأة معذورة؛ أو كانت المرأة معذورة, مكرهه مثلًا, أو جاء إليها وهي نائمة وقال: قبل أن يؤذن الفجر نريد أن نقضي أربعنا, صدقتهُ, والناس قد أصبحوا, فقضى منها, هي تظنه ليل ومتيقنه أنه ليل فلا شيء عليها, إذا كانت المرأة معذورة بجهلٍ أو إكراهٍ فإنه لا شيء عليها.

قال: أو جامع من نوى الصوم في سفره؛ هذا زيد وزينب زوجان مسافران في الليل تحدثا ماذا سنفعل غدًا؟ فقالت له زينب: غدًا الجو بارد وما عندنا شغل يعني يُتعبنا. فما رأيك أن نصوم غدًا؟ وهم في رمضان, فوافقا وصاما, وتسحرا, وصليا الفجر, ثم لما رجع من المسجد, أو لما ارتفعت الشمس يعني حصل أن تحركت الأمور -نسأل الله أن يبارك لكم فيها-, فجامعها فماذا نقول: لا شيء عليه إلا القضاء أفسد صومه, هذا معنى قوله: ومن نوى الصوم في سفره يعني فجامع فإنه يُفطر ولا كفارة. لماذا لا كفارة؟ لأنه مترخصٌ بالسفر.

طيب هو صام ولكنه غير عزمه إلى الفطر فأفطر.

ذكرت لكم مسألة من طرائف المسائل وقد ذكرها الشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله- لو أنهما زيد وزينب قالا: غدًا نحن سنصل البلد فصاما واضح؟ صاما, وارتحا في الطريق, فقدم لهم صاحب الفندق هذا عصير بارد فطمعا وشربا؛ أفطرا في السفر أليس كذلك؟ ثم وصلا إلى البلد, ذكرنا الخلاف عليهم الإمساك أو لا؟ ولكن الصحيح أنه ليس عليهما, وصلا البلد مفطرين, هما لم يقصدا الفطر لكي يحصل الجامع, لا أفطر ترخصًا بالسفر, فلما وصل حصل الجماع أيضًا فلا شيء عليهما إلا القضاء, لماذا؟ حصل الجماع وهو مقيم نعم, لكنه كان قد أفطر قبل ذلك برخصةٍ؛ كان له رخصة في الفطر, طيب أو جامع من نوى الصوم في سفره أفطر ولا كفارة يعني أفطر فعليه القضاء نعم

وَإِنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ، أَوْ كَرَّرَهُ فِي يَوْمٍ وَلَمْ يُكَفِّرْ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الثَّانِيَةِ، وَفِي الْأولَى اثْنَتَانِ، وَإِنْ جَامَعَ


قال: إن جمع في يومين فعليه كفارةٌ ثانية, إن جامع يوم الأحد وجامع يوم الثلاثاء, نقول: عليه كفارتان. طيب نفرض أنه جامع يوم الأحد وكفر ثم جامع يوم الثلاثاء نقول عليه كفارة ثانية.

قال: وإن كرره في يومٍ. برضوا راجع هذه.

الطالب: أي عندي

الشيخ: أيش يقول؟

الطالب: يقول: وإن جامع في يومين أو كرره في يوم ولم يكفر فكفارته واحده في الثانية, وفي الأولى

الشيخ: عدلوا عدلوا, أعد القراءة من الأول

الطالب: وإن جامع في يومين أو كرره في يومٍ ولم يكفر فكفارةٌ واحدةٌ في الثانية.

الشيخ: إذًا أضف كلمة واحدة؛ فكفارةٌ واحدةٌ في الثانية, تأخر؛ فكفارةٌ واحدةٌ في الثانية, ما معنى هذا الكلام؟ ها؟ فهمتم الآن؟ قال: وإن جامع في يومين. أو كرره في يومٍ ولم يكفر فكفارةٌ واحدة في الثانية. نعم أكمل, أي في نقص كمل.

وَإِنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ، أَوْ كَرَّرَهُ فِي يَوْمٍ وَلَمْ يُكَفِّرْ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الثَّانِيَةِ، وَفِي الْأولَى اثْنَتَانِ، وَإِنْ جَامَعَ ثُمَّ كَفَّرَ ثُمَّ جَامَعَ فِي يَوْمِهِ فَكَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ،


عرفتم الآن؟ عمومًا راجعوا هذه, عندي الآن ثلاث حالات؛ عندي ثلاث حالات:

الأولى: شخصٌ جامع في يوم السبت في الصباح ثم اعتق رقبة, ثم جامع بعد الظهر واضح؟ هذا فعليه كفارةٌ ثانية, أُعيد: جامع يوم السبت ضحىً ثم كفر بإعتاق رقبة, أو بإطعام 60 مسكين, ثم جامع بعد الظهر فعليه كفارةٌ ثانية. انتهينا من الأول.

الثاني: يوم الأحد جامع ضحى الأحد, ثم جامع ظهر الأحد في نفس اليوم فعليه كفارةٌ واحدة. ما الفرق بين الأول والثاني؟

أنه انتهك بعد التكفير, الأول انتهك بعد التكفير فاحتاج إلى تطهير ثاني. وأما الثاني فانتهك على خطأه الأول ولم يتطهر منه فيكفيه تطهرٌ واحد. مثاله وانتبهوا؛ شخصٌ توضأ ثم نقض وضوئه ببول, ثم توضأ ثم نقض وضوئه بريح, ماذا نقول له؟ ها؟ توضأ ثانيةً, واضح؟ هذا يوم السبت. الثاني يوم الأحد توضأ ثم نقض وضوئه ببولٍ ثم خرجت منه ريح كم مرة يتوضأ؟ مرة واحدة. عرفتم الفرق؟.

إذًا الأول يوم السبت جمع الضحى وكفر قبل الظهر, ثم جامع قبل الظهر نقول: عليه كفارة ثانية بنية التطهر. صاحب الأحد جامع ضحى الأحد ولم يكفر, ثم جامع ظهر الأحد في نفس اليوم نقول: تكفيه كفارة واحدة.

الثالث جامع في يوم الاثنين, وجامع في يوم الثلاثاء, كم كفارة عليه؟ عليه كفارتين.

طيب ما زال متدنسًا بالكفارة الأولى نقول: انتهك يوم الاثنين وانتهك يوم الثلاثاء فاحتاج إلى كفارة لكل يوم, ولو جامع الأربعاء لكانت ثالثة, والخميس لكانت رابعة, وهكذا.

طيب هذا ما نقول: وإن جامع في يومين أو كرره في يومين ولم يكفر فكفارةٌ واحدة في الثانية, وإن جامع ثم كفر واحدة الا اثنتين.؛ وإن جامع ثم كفار فكفارةٌ ثانية. نعم. أتفضل.

أعد سؤالك

أنا ذكرت, طبعا هذا الحكم فيه خطأ, من الذي أشكل عليك يوم السبت أو الأحد أو الاثنين والثلاثاء؟ أصبح في شك. أعد

لا, كفر بإطعام 60 مسكين, لا يمكن أن يكفر صيام 60 يومًا واضح؟ هذه كنت متردد أن أقولها, طبعًا إذا جامع ثم كفار ثم جامع طبعًا لا يمكن أن يكون كفارة صيام شهرين متتابعين, لأن المسألة كلها ساعات, لكن ممكن يكون اعتق رقبة أو اطعم 60 مسكين, فهمت؟ لأنه جامع في صباح السبت ثم مر على جمعية البر وقال: هذه كفارة إطعام 60 مسكينا أنا ما استطيع أني أصوم وليس عندي رقبة, فأعطاهم ثم رجع إلى البيت فجامع ثانية, فنقول له: عليه كفارة ثانية هذا يوم السبت. يوم الأحد جامع في الصباح وذهب إلى جمعية البر لكي يُعطيهم فوجد أنه قد أُغلق الباب ذهب الناس للصلاة العصر ثم رجع إلى البيت وجامع خلاص. فهذه كفارة واحد, فهمت؟ أصلحك الله.

عمومًا يعني السؤال المفاجئ هكذا يعني قد يسمح به لأنه مفاجئ. انتهينا من الحالات الثلاث واضحة هذه؟ نعم أكمل.

وَكَذَا مَنْ لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ إِذَا جَامَعَ


من لزمه الإمساك هذا في المسافر إذا وصل فإننا نقول: يلزمهُ الإمساك؛ المسافر إذا وصل مُفطرًا فإنه يلزمه الإمساك فلو جامع فلا كفارة عليه. لا هذه المسألة

انتظر أتأكد منه نعم. اممم.

الآن لو طهرت المرأةُ أو قدم المسافر, المسألة التي ذكرتها لكم هنا يقول: كذلك عليه كفارة والصحيح أنه ليس عليه كفارة نعم. ومن جامع

وَمَنْ جَامَعَ وَهُوَ مُعَافًى، ثُمَّ مَرِضَ، أَوْ جُنَّ، أَوْ سَافَرَ لَمْ تَسْقُطْ


لم تسقط, هذا شخصٌ عزم على السفر بعد الظهر قال: أودع أهلي قبل أن أسافر, نقول: جزاك الله خيرا ودعهم بالسلام والكلام لا الفعال قال: أنا مسافر نقول: نعم أنت مسافر لكن لا يجوز لك أن تترخص رخص السفر إلا حينما تُغادر, هذا معنى قوله: ومن جامع وهو معافى ثم مرض أو جن أو سافر لم تسقط يعني الكفارة. طبعًا هو لا يدري أنه سيصيبه -نسأل الله العافية- جنون أو مرض, لكن يدري أنه سيسافر. إذًا لو حصل منه الجماع قبل العذر فنقول: العذر جاء تابعًا؛ جاء تاليًا وليس سابقًا, العذر لا بد أن يكون سابق فتفطن من ذلك نعم.


(1) البقرة:187.
(2) البقرة:187.
(3) المطففين:15.
(4) البقرة:187.
(5) أخرجه البخاري في كتاب الصوم- باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق (1936)، ومسلم في كتاب الصيام- باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم (1111).
(6) النساء:83.


 مواد ذات صلة: