موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح الورقات

  

المجمل والمبين

المُجْمَلُ وَالُمبَيَّن

وَالمُجْمَلُ: مَا يَفْتَقِرُ إلى الْبَيَانِ.

وَالْبَيَانُ: إخْرَاجُ الشَّيْءِ مِنْ حَيِّزِ الإِشْكَالِ إِلَى حَيِّزِ التَّجَلِّي.


هذا من دلالة الألفاظ المُجْمَلُ وَالُمبَيَّن.

قال المؤلف رحمه الله تعالى في بعض المسائل تعريفه، ذكر المؤلف رحمه الله تعالى قال: ما افتقر إلى بيان، يعني المجمل ما يفتقر إلى بيان وبلفظ ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ما لا يكفي وحده بالعمل به"، يعني لا يمكن أن تعمل به لوحده لا بد أن تضيف إليه دليلًا آخر حتى تعرف أو معنًى آخر حتى تعرف مراد هذا المجمل، ف يمكن أن تعمل به.

وقد انتقد ابن تيمية رحمه الله تعالى من عرف المجمل أنه اللفظ الذي لا يُفهم منه شيء، أن تجد في بعض كتب الأصول يذكرون أن المجمل هو اللفظ الذي لا يفهم منه شيء، قال: هذا خطأ، ليس بصحيح، يعني مثلا نقول قرء، القرء الآن لفظ مجمل هل هو الحيض أو الطهر؟ ولكن لا يمكن أن تفهم منه شيء، هو هذا أو هذا ولكن إذا أردت أن ترجح هذا تحتاج دليل، وبذلك فعلك صار ما ذكره أبو العباس رحمه الله تعالى واضحًا في أنه لا يكفي وحده في العمل به لا بد أن ينضم إليه ما يدل على هذا أو على هذا.

وهذا الإجمال لا شك أنه واقع في الكتاب والسنة عل الصحيح، ما خالف في غير ذلك إلا بعض الظاهرية، ولكن نص جمع من أهل العلم على أن رسولنا صلى الله عليه وسلم لما مات لم يبقَ في الشريعة شيء مجمل قد بينه رسولنا صلى الله عليه وسلم.

وفي صحيح مسلم عن سلمان: (قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ)، فرسولنا صلى الله عليه وسلم ما وضع في قبره إلا وقد بين لهذه الأمة كل شيء، تركهم على البيضاء، علم ذلك من علمه وجهله من جهله.

ما حكم المجمل؟ إذا ورد عليك لفظ مجمل فإنه يجب عليك أن تتوقف حتى يرد البيان والتفسير، لا بد أن تتوقف حتى تعرف وتسأل أهل الذكر في بيان هذا اللفظ المجمل، وإلا لا يجوز للإنسان أن يعمل بلفظ مجمل، يعني قد يعمل بالمعنى الخطأ؛ لأن في مسألة الحيض ولا الطهر ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ(1) هذا أكابر الصحابة كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى على أن المراد به هو الحيض.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى، البيان أن المجمل يفتقر إلى بيان، كيف يكون المُبيِّن لهذا المجمل؟ ذكر المؤلف رحمه الله تعالى تعريف المبين فيقول أو البيان: (إخْرَاجُ الشَّيْءِ مِنْ حَيِّزِ الإِشْكَالِ إِلَى حَيِّزِ التَّجَلِّي).

هذا التعريف الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى انتقده المؤلف نفسه في كتاب "البرهان" انتقد هذا التعريف، وبين أنه البيان شيء في الذهن (إخْرَاجُ الشَّيْءِ مِنْ حَيِّزِ الإِشْكَالِ إِلَى حَيِّزِ التَّجَلِّي) ذكر أن هذا منتقد وذكر ذلك نفس المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه "البرهان" مثل كلمة الحيز لا داعي لإيرادها وذاك أن التبيين أمر معنوي، والمعنى لا يوصف بالاستقرار في الحيز.

وبذلك المراد بالمبيِّن هو إظهار المعنى للمخاطب هذا هو المراد بالمبيِّن ، إظهار المعنى للمخاطب، هذا يتضح في الكلام مما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، وقد نص على هذا الكلام ابن الجَرفي في الكوكب، أنه إظهار المعنى للمخاطب.

البيان يحصل بأمور هذا لم يذكرها المؤلف، لم يذكرها المؤلف سوف يذكرها على سبيل الإجمال مع ذكر بعض الأشياء التي تتعلق بها:

أولًا: يحصل البيان بالقول يحصل البيان بالقول، وهذا محل إجماع، والقول يكون من الله ومن رسوله صلى الله عليه وسلم، قال الله: ﴿الْقَارِعَةُ (1) مَا القَارِعَةُ (2) ومَا أَدْرَاكَ مَا القَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ المَبْثُوثِ(2)  هذا بيان من الله سبحانه وتعالى بقوله القارعة، فإنه أخبرنا سبحانه وتعالى بعد ذلك وبين المراد بالقارعة، ورسولنا صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم حديث عقبة حينما قرأ قول الله تعالى: ﴿وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ(3)  قال: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ»(4)، فبيَّن على أن فبين المراد بالقوة وهي الرمي وهذا بيان بالقول، وهذا محل إجماع.

يقول البيان كذلك بالفعل، وهذا عليه أكثر أهل العلم؛ ولذلك الطوفي رحمه الله تعالى لما ذكر البيان بالقول والبيان بالفعل، بيَّن أنه لا خلاف في جواز البيان بهما وشذذ القول بمنع البيان بالفعل جعل القول بمنع البيان بالفعل شاذًا، وبعض أهل العلم ذكر أن البيان بالفعل أقوى من البيان بالقول؛ لأن المشاهدة ترى الشخص وهو يعمل أمامك هذا أدل من المقصود من القول، وأسرع إلى الفهم وأثبت في الذهن، وأعون على التصور.

وقد ثبت عن رسوله صلى الله عليه وسلم البيان بالفعل كما في قوله: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»(5) مع قول الله تعالى: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ كيف تقام الصلاة؟ قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».

كذلك يكون البيان بالكتابة ويكون بالإشارة، وقد ذكر بعض أهل العلم الإجماع على ذلك أنه لا خلاف في أن البيان يكون بالكتابة وبالإشارة، ونقل ذلك الزركشي في بحره نقله عن السمعاني وكذلك ابن النجار في كوكبه نقل أنه لا خلاف عن بعض أهل العلم في حصول البيان بالكتابة وبالإشارة، ففي الصحيحين أن رسولنا صلى الله عليه وسلم حينما قال: «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَاَ وهَكَذَا»(6) أشار بيده وهذا بيان بالإشارة، وكذلك لما كتب مقادير الزكاة كما في حديث عمرو، فإن هذا بيان بالكتابة، وحديث عمرو صححه الإمام أحمد في الصدقات صححه الإمام أحمد قال: كتاب عمرو في الصدقات صحيح.

كذلك يحصل البيان بالإقرار الإقرار على الفعل أن يُفعل عند الرسول صلى الله عليه وسلم فيقر هذا الفعل هذا بيان في أن هذا الفعل جائز، وكذلك يحصل بيان بالترك كما نبه على ذلك أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى.

عندنا مسألة مهمة: وهي مسألة تأخير البيان عن وقت الحاجة، هذه مسألة مشهورة انعقد الإجماع على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، حكا ذلك ابن القصار في مقدمته، وكذلك ابن قدامة رحمه الله تعالى والآمدي والسمعاني وجماعة من أهل العلم حكوا على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ونبه أبو العباس كعادته رحمه الله تعالى وتنبيهه مهم: إلى مسألة لا بد أن تفهم هذه العبارة أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة بالإجماع، إذ لا بد من فهم كلامهم، قال: وذلك أن الحاجة قد تدعو إلى بيان الواجبات والمحرمات من العقائد والأعمال، لكن قد يحصل التأخير لحاجة، إما من جهة المُبَلِّغ وإما من جهة المُبَلَّغ، يعني: قد لا يستطيع المُبَلِّغ أن يثبت في مكان واحد في مقام واحد جميع المحرمات، وإما أن المُبَلَّغ لا يستطيع القيام بذلك أنه يستوعب كل هذه التي تقال عليه، لا بد أن تفهم على وجهها، ومرجع ذلك إلى أهل العلم في تقرير أنه لا يجوز تأخير بين وقت الحاجة وفي فهم هذه القاعدة، فالأصل: أنه لا يجوز تأخيرها عن وقت الحاجة هذا لا إشكال فيه.

لو أن رجلًا دخل في الإسلام ونطق بالشهادة، فلا بد أول ما يجب عليه معرفته التوحيد ثم بعد ذلك معرفة الصلاة، وتستطيع أن تؤخر الصيام لأنه ما جاءت حاجته، لكن لو كان مثل هذه الأيام فإن رمضان بلغنا الله وإياكم إياه، فإنه قريب لازم متى يمتنع ومتى يمسك حتى يتصور وحتى يفهم، فإن تنبيه أبي العباس رحمه الله تعالى مهم على هذه القاعدة، وهي تأخير البيان عن وقت الحاجة، في أنه لا يجوز.

وذكر المؤلف رحمه الله تعالى: النص وقال ما لا يحتمل إلا معنًى واحد هذا هو النص عشرة، عشرة هذا النص عشرة تحتمل ما عشرة لا تحتمل إلا عشرة، موسى لا يحتمل إلا موسى، تنادي هذا الرجل اسمه موسى، تؤخر النص فأشهر شيء الأعداد هذا نص فيها ظاهر فهو ما لا يحتمل إلا معنًى واحد والنص حكمه أنه يجد المصير إليه ولا يُعدل عنه إلا بنسخ، والنص له إطلاقات ذكرها بعض أهل العلم منهم الطوفي في شرحه على "مختصر الروضة" وذكر إطلاقات النص فقد تطلق على نص الكتاب والسنة، ويطلق على نصوص العلماء هذا نص الشافعي، وذكر الإمام أحمد نصًا مروي نصًا فذكر إطلاقات للنص من أراد معرفتها فليرجع إليها.


(1) البقرة:228.
(2) القارعة:1-3.
(3) الأنفال:60.
(4) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة - باب فضل الرَّمي والحثّ عليه وذمّ مَنْ علمه ثم تركه (1917).
(5) أخرجه البخاري في كتاب الأذان- باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة (631)، ومسلم في كتاب المساجد- باب من أحق بالإمامة (674).
(6) أخرجه البخاري في كتاب الصوم- باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان (1900)، ومسلم في كتاب الصيام- باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال (1080).


 مواد ذات صلة: