موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح الورقات

  

المطلق والمقيد

ثم ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- الدلالة الخامسة والسادسة من دلالات الألفاظ: الدلالة الأولى دلالة الأمر، ثم دلالة النهي، ثم دلالة العام، ثم دلالة الخاص، ثم دلالة المطلق والمقيد، إذا ذكر المطلق يذكر معه المقيد.

المقيد والمطلق هما من دلالات الألفاظ، المطلق لم يذكر تعريفه المؤلف رحمه الله تعالى، المطلق هو ما دل على شائع في جنسه، عرفه بعضهم بأنه ما دل على شائع في جنسه، والآمدي يذكر أن المطلق هو النكرة في سياق الإثبات، إذا وجدت نكرة في سياق الإثبات فاعلم أنها مُطلقة، ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ رقبة هنا نكرة كذا نكرة، في سياق الإثبات هل هي مسبوقة بنهي أو بنفي؟ ليست مسبوقة لا بنهي ولا بنفي ولا غير مسبوقة، بل هي نكرة في سياق الإثبات فهذه مطلقة.

﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا(1)  ﴿صَعِيدًا﴾ نكرة في سياق الإثبات فيعم كل صعيد، فيكون وليس الصعيد فيكون مقصود به صعيد وصعيد إذا كان في عدة صعيد التراب إذا كان في عدة أنواع فإنه يؤخذ الأعلى منهما هذا هو المطلق، سيأتي الكلام بعد قليل أحوال المطلق مع المقيد.

فالمراد بالمطلق: هو ما دل على شائع في جنسه، وهو النكرة في سياق الإثبات.

أما المقيد فهو ما تناول معينًا أو موصوفًا بزائد على حقيقة جنسه، يعني يأتي بصفة غالبًا التقييد يكون بالصفات، حينما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ(2) ، لفظة ﴿مُّؤْمِنَةٍ﴾هنا قيد، في الآية الأخرى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ(3)  الرقبة سواء كان ذكر أو أنثى، مؤمنة أو كافرة، بيضاء أو سوداء مطلق، كبير صغير، ليس فيه تقييد لشيء من صفاته وجاء في الآية الأخرى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ هذا قيد لإطلاق الرقبة، فهو قيد في الإيمان مطلق في بقية صفات هذه الرقبة.

وهذا كثير في الكتاب والسنة، بحديث مشهور: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ»(4) ولي عدل، وشاهدي عدل «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ».

قبل أن نأخذ الأحوال التي يحمل فيها المطلق على المقيد لا بد أن تعلموا الفرق بين العام والمطلق، ما الفرق بين العام والمطلق؟

العام، علمتم صيغه، العام يشمل جميع ما تحته من أفراده، يعم الجميع، مستغرق، يُسمونه استغراق شمولي حيث أنه يشمل جميع أفراده الذين تحته، المسلمون حينما يقول أكرم المسلمين، المسلمون هنا جميع كل ما ينطبق عليه وصف الإسلام تكرمه، ولكن حينما أقول أكرم مسلمين، أو أكرم طلاب، هذا ليس عامًا، حينما أقول أكرم الطلاب هذا عام، كيف كان عام؟ لأنه جمع وأضيفت إليه الألف واللام، جمع وأضيفت إليه الألف واللام فيعم جميع الطلاب كل من ينطبق عليه وصف الطالب فإنه يستحق هذا الإكرام، فإنك تمتثل هذا الأمر وتقيمه.

ولكن حينما أقول أكرم طلابًا هذا اللفظ الآن ليست فيه صيغة العموم، بل هو مطلق، فلو أكرمت ثلاثة من الطلاب قمت بالأمر الذي وُجه إليك، فهذا هو الفرق بين العام والمطلق، العام عمومه شمولي يشمل جميع الأفراد اللي تحته، لا يتخلف عنه شيء، والمطلق يكتفي ببعض أفراده، فإنه لا يكون شامل لجميع أفراده، هذا أبرز فرق بين العام والمطلق هذا عمومه بدلي وهذا عمومه شمولي.

المطلق مع المقيد له أحوال، وهذا أهم ما يدرس في باب المطلق والمقيد، متى تحمل المطلق على المقيد؟ ذكر أهل العلم أربعة أحوال، أربع حالات إذا عرفتها عرفت متى يحمل هذا على هذا:

الحالة الأولى بحمل المطلق على المقيد: أن يُنظر إذا اختلف حكمهما وسببهما، إذا اختلف حكم المطلق عن حكم المقيد، واختلف سبب المطلق عن سبب المقيد.

مثاله: قول الله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا(5)  هذا الآن مطلق من جهة إلى أي حد تقطع اليد هل هو إلى المفصل إلى المرفق إلى الكتف؟ ما في تحديد، وعندنا قول الله تعالى: ﴿وأَيْدِيَكُمْ إلَى المَرَافِقِ(6) ، هذا الآن تحديد حددت اليد إلى أنها إلى المرفق، هل هذه الحالة يحمل فيها المطلق على المقيد أو لا يحمل؟ ننظر الآن في هذا الكلام الذي قولته لكم قبل قليل في مسألة السبب والحكم:

السبب في الآية الأولى هو: القطع، والسبب في الآية الثانية ﴿وأَيْدِيَكُمْ إلَى المَرَافِقِ﴾، الذي دعاك أن تغسل يدك إلى المرفق هو: إرادة الصلاة وجود الحدث بالصلاة، فهنا سبب وهنا سبب، هل السببان متفقان؟ لا شك أنهما مختلفان.

نظرنا في الحكم، الحكم هنا في آية السرقة قطع ﴿فَاقْطَعُوا﴾ والحكم في آية الوضوء الغسل غسل اليدين إلى المرفقين، فالحكم مختلف، والسبب مختلف، فإذا اختلف المطلق والمقيد في الحكم والسبب هل يحمل هذا على هذا أو لا يحمل؟ انعقد الإجماع على أن هذا لا يحمل على هذا، كاختلاف الحكم والسبب، وقد حكا الإجماع على ذلك والاتفاق: أبو بكر الباقلاني، والجويني المؤلف رحمهم الله جميعًا، والآمدي ونقل الزركشي الإجماع وابن اللحام كذلك نقلوا إجماعًا عن أهل العلم، ولم يحصل خلافًا في مسألة أنه إذا اختلف المطلق والمقيد في السبب والحكم أنه لا يحمل هذا على هذا أبدًا، لاختلاف السبب والحكم، هذه الحالة الأولى: إذا اختلف المطلق والمقيد في السبب والحكم.

الحالة الثانية: أن يتفق المطلق والمقيد في السبب والحكم.

مثاله: قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ(7)  مع قوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا(8).

ننظر الآن في السبب وننظر في الحكم، الآن هنا تحريم الدم وهناك تحريم للدم، الحكم واحد: وهو التحريم، حُرِّم الدم هنا حُرِّم هنا الحكم واحد ليس مختلف، والسبب لماذا حُرِّم هناك ولماذا حُرِّم هنا؟ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾، ﴿أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾ حُرِّم لأجل النجاسة الحكم واحد والسبب واحد، اتفق المطلق والمقيد في الحكم وفي السبب، فما حكم هذه الحالة إذا اتفق المطلق والمقيد في الحكم والسبب؟ انعقد الاتفاق على أنه يُحمل المطلق على المقيد في حال اتفاقهما في الحكم والسبب، نقل الاتفاق القاضي أبو بكر الباقلاني وعبد الوهاب وجماعة من أهل العلم، ونقل جماعة عنهم والاتفاق الزركشي في بحره، وكذلك ابن لحام في قواعده نقل الاتفاق بعض أهل العلم، وحكايتهم الإجماع في مسألة اتفاق المطلق والمقيد في السبب والحكم هذه الحالة الثانية الآن.

الحالة الأولى: بالاتفاق لا يحمل.

والحالة الثانية: إذا اتفقا في الحكم والسبب يحمل.

الحالة الثالثة: اتحاد المطلق والمقيد في السبب، واختلافهما في الحكم، إذا اتفقا في السبب واختلفا في الحكم.

مثاله قوله تعالى: ﴿وأَيْدِيَكُمْ إلَى المَرَافِقِ﴾ مع قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ الآن قلنا اتفاقهما في السبب واختلافهما في الحكم، ﴿وأَيْدِيَكُمْ إلَى المَرَافِقِ﴾ هذه في الوضوء ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ هذه في التيمم، هل نقول أنك تمسح في التيمم إلى المرفق فنحمل هذا على هذا؟ ننظر أول شيء في السبب والحكم، هل اتفقا أو اختلفا؟

السبب في ﴿وأَيْدِيَكُمْ إلَى المَرَافِقِ﴾ في الوضوء ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ السبب ماذا؟ السبب الصلاة وجود الحدث وإرادة الصلاة، هذا هو السبب، فالسبب متفق في هذه الآية وفي هذه الآية، الحكم: الأولى: غسل وجوب غسل اليدين إلى المرفقين، والثانية: مسح، هل الغسل مثل المسح؟ لا شك أن الغسل ليس مثل المسح، فاختلف حكمهما، اتفقا في السبب واختلفا في الحكم، في هذه الحالة إذا اتحدا في السبب واختلفا في الحكم هل يحمل هذا على هذا أو لا يحمل؟ ذكر الزركشي في بحره أنه ظاهر كلام أهل العلم أنه لا خلاف في أنه لا يحمل هذا على هذا، لا يحمل المطلق والمقيد إذا اتفقا في السبب واختلفا في الحكم أنه لا يحمل هذا على هذا، فلا نحمل آية التيمم على آية الوضوء لأن هذه المرفقين فلا نقول تيمم إلى المرفقين، يعني لا يمسح بيديه إلى المرفقين بناء على هذا الدليل، قد يكون في أدلة أخرى تدل، نتكلم على هذا الدليل فقط، فإذا اختلفا في الحكم واتفقا في السبب فذكر الزركشي والشوكاني في أنه لا خلاف في أنه لا يُحمل هذا على هذا لاختلافهما في الحكم، هذه الحالة الثالثة.

الحالة الرابعة: أن يتحدا في الحكم ويختلفا في السبب.

مثاله قول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وقوله في كفارة تحرير رقبة هذا في اليمين والظهار تحرير رقبة، وفي تفاوت القتل ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ قيدها بالإيمان، في القتل قيدها بالإيمان، وفي اليمين والظهار أطلقها.

هل يحمل هذا على هذا؟ الحكم واحد وهو تحرير رقبة، والسبب مختلف هذا سبب الإعتاق القتل وهذا سببه اليمين والظهار، السبب مختلف والحكم واحد، فهل يحمل هذا على هذا أو لا يحمل؟ اختلف أهل العلم في هذه الحالة على قولين:

• القول الأول: المنع، فلا يحمل المطلق على المقيد إذا اختلفا في السبب واتحدا في الحكم، وهذا قول جمهور أهل العلم، فهو منقول عن الحنفية وجمهور المالكية، وأكثر الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد اختارها جمع من أصحابه، هذا هو القول الأول.

• القول الثاني: أنه يحمل المطلق على المقيد إذا اتحدا في الحكم واختلفا في السبب، وهذه رواية عن الإمام أحمد اختارها جمع من أصحابه، وهو قول عند المالكية وعند الشافعية وهو ترجيح القاضي أبو يعلى رحمه الله تعالى.

هذا عندنا أربعة أحوال:

* أن يتفقا في السبب والحكم فيحمل بالاتفاق.

* أن يختلفا في السبب والحكم فلا يحمل بالاتفاق.

* أن يتفقا في الحكم ويختلفا في السبب، هذا خلاف بين أهل العلم والجمهور على أنه لا يحمل.

* أن يتحدا في السبب ويختلفا في الحكم، هذا لا خلاف بأنه لا يحمل.

عندنا أربعة أحوال في المطلق مع المقيد.


(1) المائدة:6.
(2) النساء:92.
(3) المجادلة:3.
(4) أخرجه الدارقطني (382) وقال: "رفعه عدي بن الفضل، ولم يرفعه غيره". والبيهقي في "السنن الكبرى" (7/124)، وقال عقبه: "رواه عدي بن الفضل وهو ضعيف، والصحيح موقوف والله أعلم".
(5) المائدة:38.
(6) المائدة:6.
(7) المائدة:3.
(8) الأنعام:145.


 مواد ذات صلة: