موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح الورقات

  

الأمر

والأمر: استدعاء الفعل بالقول، ممن هو دونه، على سبيل الوجوب

والصفة الدالة عليه افعل، وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة تحمل عليه، إلا ما دل الدليل على أن المراد منه الندب، أو الإباحة، فيحمل عليه.


عندنا مسائل الآن، مسائل الأمر المسألة الأولى تعريفه.

ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى- في تعريف الأمر استدعاء الفعل بالقول مما هو دونه على سبيل الوجوب، هذه المسألة الأولى هو تعريف الأمر، وعرفه أبو الخطاب وابن قدامة وابن تيمية - رحمه الله تعالى- بأنه استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء.

 يعني من هو أعلى رتبة يطلب ممن هو دونه أن يفعل له شيئًا فهذا الفعل الصيغة التي صدرت منه، قم، اسكت هذا أمر لا بد أن يكون استدعاء فعل بقول، استدعى سكوته استدعى قيامه بما؟ بقول وهو افعل على وجه الاستعلاء لا بد أن يكون الآمر أعلى رتبةً من المأمور، كالوالد مع ابنه والرئيس مع مرؤوسيه والحاكم مع رعيته، فهو أعلى رتبة، يوجه الأمر بهذا، استدعاء فعل بقول على وجه الاستعلاء.

المسألة الثانية قال المؤلف: الصيغة الدالة عليه افعل، هذه الصيغة هي صيغة الأمر، وهي موضوعة له في اللغة، يعني اللغة دلت على أن افعل اسكت هذه تدل على الأمر، وهي موضوعةٌ في اللغة بمجردها تدل على كونها أمرًا، قال عند عامة أهل العلم صيغة افعل صيغة خاصةٌ بالأمر موضوعة على الحقيقة.

المسألة الثالثة: هل يشترط في الأمر إرادة الفعل؟ يعني حينما يوجه الابن حينما يوجه الأب أمره إلى ابنه، هل يلزم ويشترط في أمر الأب أنه أراد الفعل أو لا؟.

جماهير أهل العلم جماهير أهل العلم على أنه لا يشترط، لا تشترط إرادة الفعل عند توجيه الأمر، ما الدليل على هذا؟ الدليل أمر الله لإبراهيم أن يذبح ابنه، إذا ما وجه الله سبحانه وتعالى إبراهيم أن يذبح ابنه، هل أراد الفعل سبحانه وتعالى؟ أراد الابتلاء والاختبار.

 هذا يقع عند عموم الناس، مثلا لو أن أبًا ضرب ابنه فقال له أحد الحاضرين: لماذا تضربه؟ قال لأنه لا يمتثل أمري، ثم الأب أراد أن يثبت ويبرهن على كلامه، فقال لابنه اذهب وائتي بالشيء الفلاني، حينما وجه الأب الابن أن يأتي له بهذا الشيء، هل يريد منه أن يقع الفعل من الابن، هو لا يريد حتى يظهر صدقه عند الذي سأله واستنكر عليه.

وهذا واضح خلافًا للمعتزلة وأهل السنة وجماهير أهل العلم أنه لا يشترط في الأمر إرادة الفعل.

المسألة الرابعة: أنه لابد من اعتبار إرادة النطق بالصيغة، لابد أن الناطق بلفظة افعل لا بد أن يكون يقصد هذه اللفظة، لمَ؟ حتى لا يلتفت للنائم والساهي حينما يكن الابن بجوار والده الذي هو في ثُبات عميق في النوم، وسمع والده يقول أعطني ماءً وجه أمرًا، هل يحسن بالابن أن يتمثل هذا الأمر؟ لا يحسن لأنه لله وهذا الذي جعل أصحاب الرسول يذكرون أنه لا بد من النطق بالصيغة، وهذا لا خلاف فيه، كما حكى أبو برهان ونقله وقرره ابن النجار في شرح الكوكب.

المسألة التي تليها وهي من أهم المسائل في باب الأمر: أن الأمر المطلق هذه من أهم المسائل في باب الأمر، أن الأمر المطلق المجرد عن القرينة دالٌ على الوجوب.

الأمر المطلق المجرد عن القرينة دال على الوجوب وهذا محل إجماع، حكى إجماع على ذلك أبو يعلى نقلاً عن الصحابة، وكذلك الزركشي قال والمعروف من عصر الصحابة إلى وقتنا هذا إلى وقته يعني أن الأمر على الوجوب، وكذلك نقل الإجماع السمعاني في قواطعه وابن النجار في شرح الكوكب.

الأمر المطلق دالٌ على الوجوب ومثل ما قال مالك - رحمه الله تعالى- وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة تحمل عليه، يعني تحمل على الوجوب ثم قال إنما دل الدليل على المراد منه هو الندب أو الإباحة فيحمل عليه.

طيب لو قيل لكم قبل أن ننتقل إلى مسألة لو جاءت قرينة، ما الدليل على أن الأمر المطلق يحمل على الوجوب؟ الأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، فمن الكتاب قول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(1).

فرتب العقاب على مجرد مخالفة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فدل هذا على أن الأمر للوجوب، وكذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ(2).

فهذا يدل على هذه الآية تدل على الوجوب فليس لمؤمن ومؤمنة لو قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم اختيار في فعله أو تركه فيجب عليهم أن يمتثلوا، هذا من الكتاب ومن السنة ما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسولنا -صلى الله عليه وسلم- قال: «لَوْلَا أَشُقُّ عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ بالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ»(3)، هذا يدل على أن الأمر للوجوب لأن المشقة لو كان الأمر أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- للاستحباب لما كان في أمره مشقة، أن يفعل أو يترك، لكن لما كان للوجوب هذا الذي جعل رسولنا -صلى الله عليه وسلم- أن لا يوجه الأمر لهذه الأمة أن يستاكوا مع كل صلاة فيكون أمره للوجوب، لذلك قال: «لَوْلَا أَشُقُّ عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ بالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ»(4)، وكذلك حديث في الصحيح الذي أخرجه البخاري في قصة بريرة مع زوجها حينما قالت قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «لَوْ رَاجَعْتِيهِ»، قالت: أَتَأْمُرُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟.

لو كان أمر سمع وطاعة، أمر الرسول على الوجوب، قال: «إِنَّمَا أَنَا شَافِعٌ»((5))، قالت: فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. فدل هذا على أن الأمر للوجوب.

كذلك في قصة الحديبية كذلك في الصحيح حينما النبي -صلى الله عليه وسلم- دعا الصحابة إلى أن يحلقوا قوموا انحروا ثم حلوا لم يمتثل الصحابة فدخل على أم سلمة مغضبًا -صلى الله عليه وسلم- وغضبان لماذا يغضب الرسول -صلى الله عليه وسلم-؟ لأن أمره لم ينفذ ولو كان أمره على الاستحباب لما غضب الرسول -صلى الله عليه وسلم- فدل على أن أمره إنما هو، إنما أمره على الوجوب.

والأحاديث كثيرة، وكذلك الأدلة إجماع الصحابة على أن الأمر المجرد إنما هو للوجوب وكذلك من الأدلة التي ذكرها أهل العلم الرجل الذي دعاه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو يصلي لمّا جاء قال له «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَ؟» قال: كنت في الصلاة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ(6)» (7).

دل على أن أمر مطلق من الله ومن الرسول على الوجوب، هذه من أهم المسائل التي لا بد أن تعرف في أصول الفقه في مسائل الأمر.

المسألة التي تليها: إذا وجدت قرينة في الأمر، إذا وجدت في الأمر، الأمر المرتبط بالقرينة، يحمل على هذه القرينة، فإن كانت القرينة تدل على الإباحة حمل الأمر على الإباحة، وإن كانت تدل على الاستحباب والندب تحمل على الاستحباب والندب، يعني مثال قرينة وجدت بعد أمر مثل أمر بعد الاستئذان، أمر بعد استئذان، استأذن يقول أأفعل كذا، يقال افعل كذا، هل هذا الأمر للوجوب؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم.

محل خلاف بين أهل العلم في مسألة هل هو للإباحة أو إنه للندب؟ ولكن لا خلاف بينهم بل هو محل وفاق أنها ليست للوجوب كما حكاه القاضي ونقله وقرره عن ابن النجار.

وقبله ابن لحام في قواعده، لأن الأمر بعد استئذان هذه قرينة صارفة للأمر، لكونه للوجوب إلى الإباحة، وكذلك من القرائن أن تصرف الأمر من الوجوب إلى غير الوجوب كون الأمر بعد حرف، إذا ورد أمر بعد حرف هل يكون للوجوب أو يكون للندب أو يكون للإباحة، هذه أقوال.

 فبعض أهل العلم ذكر له يكون للوجوب، وهذا القول ذكره السمعاني ونسبه ابن قدامة - رحمه الله تعالى- إلى أكثر الفقهاء، الحنفية والشافعية وغيرهم لأنه أمر والأمر لابد أن تفرق بينه كونه مسبوقًا بنهي مسبوقًا بحرف أو نهي أو مسبوقًا بغيره لم تفرق النصوص، بل هو أمر والأمر يجب امتثاله.

والقول الثاني: هو القول بالإباحة هو قول جمهور الحنابلة، وذكر بعضهم أن هذا هو قول أكثر العلماء، كما أنه ذكر ذلك ابن النجار، وابن الحافي في قواعده وهو الذي اختاره ابن القيم - رحمه الله تعالى- أن الأمر بعد الحظر يكون للإباحة، الأمر بعد الحظر يكون رجح ابن القيم - رحمه الله تعالى- أنه يكون للإباحة.

والقول الثالث: أنه يرد على ما يكون عليه قبل الحظر، ينظر في حاله قبل الحظر، هل كان قبل الحظر للوجوب أو كان للإباحة أو كان للندب، فيحمل عليه، وهذا هو الذي رجحه ابن تيمية - رحمه الله تعالى- وابن كثير والشنقيطي رحمهم الله جميعًا.

وذكر ابن كثير - رحمه الله تعالى- أن هذا ثابت بالصبر والاستقراء من استقرأ القرآن فوجده كذلك، كذلك مال إليه ابن رجب - رحمه الله تعالى- أنه مال إلى ما كان عليه قبل ذلك، مع أن هذا القول الأخير من قول ما كان عليه تشكل عليه بعض الأمثلة، ولذلك ابن اللحام - رحمه الله تعالى- في قواعده وكتابه النافع ذكر بعض الفروع الفقهية منبنية على هذه المسألة وهو وجود الأمر بعد الحظر، على أي الأقوال يحمل، فذكر - رحمه الله تعالى- في مسألة زيارة القبور النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا»(8)، هنا " ألا تزوروها ".

 زوروها هذا أمر، أمر مسبوق بحظر " كنت نهيتكم " فعلى هذا التأصيل التي سمعتموه من كلام أهل العلم هل يكون الأمر هنا " فزوروها " على الوجوب أو على الإباحة أو على الاستحباب أو على ما كان عليه قبل ذلك؟.

فإن قلت بالقول الأخير وهو قول ابن تيمية -رحمه الله- وابن كثير ما الأمر الذي كان قبل ذلك؟ هل عندكم دليل من الإباحة أو الاستحباب هل هو باعتبار استصحاب الأصل للإباحة؟.

 فإذا قلت نفترض أن الأمر مباح، زيارة القبور كانت قبل نهي الرسول أن يقول نهيتكم أنها على الإباحة، فهل قوله " فزوروها " تكون على الإباحة؟.

 هل يوجد أحد منكم من قال أن زيارة القبور غير مباحة، قول بالاستحباب؟.

 لا شك أن زيارة القبور مستحبة، وهذا محل إجماع، أن زيارة القبور مستحبة، حكى الإجماع على ذلك النووي - رحمه الله تعالى-، وكذلك ابن أبي عمر في شرحه " شرح الكبير على المقنع " ذكروا أن الإجماع على زيارة القبور مستحبة.

فيكون هذا الفرع دل الإجماع على الاستحباب أما من جهة التأصيل الأصولي أنه قال من رجح الإباحة يقول على الإباحة، ومن رجح على الوجوب يقول على الوجوب أما لا يمكن أن يقابل أهل العلم مجمعون على أنه على الاستحباب.

كذلك المسائل التي ذكرها ابن النجار - رحمه الله تعالى- وابن اللحام، النظر للمخطوبة، ما حكم النظر إلى المرأة التي تحرم على المحرم، لا يجوز أن ينظر لامرأة لا تحل له فمحرم، النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بالنظر إلى المخطوبة إذًا فانظر إليها هذا أمر، أمر واقع بعد هذا حظر وهو التحريم.

 هل يكون هذا الأمر على الوجوب على الإباحة على الاستحباب على ما كان عليه قبل ذلك؟.

لا شك أن النظر إلى المخطوبة مستحبٌ، لأنه علل بعلة «فإنه أحرى أن يؤدم بينكما»(9)، المقصود من مقاصد الشرع فيكون مستحبًا.

على كل حال هذا من القرائن وجود الأمر بعد الحظر هذا من القرائن التي تصرف الأمر من كونه للوجوب إذا لكونه غير واجب سواء كان مستحبًا أو غير مباحًا، على اختلاف أهل العلم.


(1) النور: 63.
(2) الأحزاب: 36.
(3) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة- باب السواك (252).
(4) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة- باب السواك (252).
(5) أخرجه البخاري في كتاب الطلاق - بَابُ شَفَاعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ (5283).
(6) الأنفال: 24.
(7) أخرجه البخاري في كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ- باب بَابُ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ، وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} (4647).
(8) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز- باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة قبر أمه (977).
(9) أخرجه الترمذي في كتاب النكاح- باب ما جاء في النظر إلى المخطوبة (1087)، والنسائي في كتاب النكاح- باب إباحة النظر قبل التزويج (3235)، وابن ماجه في كتاب النكاح- باب النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها (1865).


 مواد ذات صلة: