موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح الجامع للآداب

  

مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله وسلّم وبارك على عبد الله ورسوله نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا اللهم علمًا وعملًا يا كريم، واغفر اللهم لنا ولوالدينا ولشيخنا ولوالديه ولمشايخه والحاضرين والمسلمين.

قال الإمام ابن عبد البَرِّ القرطبي رحمه الله تعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله

جماع الخير كله تقوى الله عزّ وجلّ واعتزال شرور الناس، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، ومن طلبَ العلمَ لله فالقليل يكفيه، ومن طلبه للناس فحوائج الناس كثيرة، وأزينُ الحُلي على العالِم التقوى، وحقيق على من جالس عالمًا أن ينظر إليه بعين الإجلال، وينصت له عند المقال، وأن تكون مراجعته له تفهمًا ولا تعنتًا، وبقدر إجلال الطالب للعالم ينتفع بما يُفيد من علمه، وقد اجتلبنا من فضائل العلم وآدابه وما يلزم العالِمَ والمتعلِّمَ المتخلِّقَ به ولزومه وامتثاله في كتاب بيان العلم ما يشفي العالِمَ ويقرّ عينه، ويكفي المسترشد ويبصره، والحمد لله كثيرًا كما هو أهله، ومن شيم العاقل والعالِم أن يكون عارفًا بزمانه، مقبلًا على شأنه، حافظًا لسانه تحرزًا من إخوانه، فلم يؤذ الناسَ قديمًا إلا معارفُهم، والمغرورُ من اغترَّ بمدحهم له، والجاهل من صَدَّقَهم على خلاف ما يعرفُ من نفسه، ومِنْ جامِعِ آداب العلم إفشاء السلام على من لقيت أو دخلت إليه أو مررت به.


ابتدأ المؤلف هذه الرسالة بذكر اسم الله عزّ وجلّ مستعينًا به سبحانه طالبًا منه العون والبركة، ثم صلّى على نبيّه محمد صلّى الله عليه وسلّم مثنيًا عليه عند ربه، وأرفقَ ذلك بتقوى الله، فقال: وجماع الخير كله تقوى الله عزّ وجلّ، تقوى الله معنى قلبي، كما قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «التقوى هاهنا، التقوى هاهنا»(1) ويشير إلى صدره صلّى الله عليه وسلّم، وتظهر آثار التقوى على جميع البدن.

ومبدأ التقوى ينشأ من أربعة أمور:

أولها: مخافة رب العزة والجلال، فإن من خاف الله اتقاه، وكيف لا يخاف الإنسان من ربه وهو يعلم أن قلبه بين أصبعين من أصابع ربه يقلبه كيف يشاء، ويعلم أن الله عزّ وجلّ قد أنزل العقوبات بالأمم السابقات والحاضرة، ويعلم أن الله قادر عليه، وعلى إنزال العقوبة به، ويعلم أن مصيره بين يدي الله عمّا قريب، وسيحاسبه على كل أعماله، فكيف لا يخاف منه سبحانه؟

وأما الأمر الثاني: فهو الرجاء والطمع فيما عند الله، ومن ذلك أن يطمع الإنسان في نيل ثواب الآخرة، وأن يطمع في نيل رحمة رب العزة والجلال، ومن رجا الله؛ تعلق قلبُه به سبحانه.

وأما ثالث الأمور التي نحصل بها تقوى الله: فمعرفة آثار تقوى العبد في الدنيا والآخرة، فإن المتقين هم أصحاب الجنان، كما قال تعالى عن الجنات: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(2)، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ(3)، فإذا علمت ما أعدَّه الله عزّ وجلّ للمتقين من خيري الدنيا والآخرة سعدت أن تكون من أهل التقوى، ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ(4)، فبالإيمان والتقوى لم يكن عليهم خوف ولا يأتيهم حزن.

وأما الأمر الرابع الذي يكون سببًا لإمدادنا بالتقوى فهو معرفة حقائق بقية الأشياء، فعندما تعرف حقيقة الناس وأنهم ضعاف عاجزون أمام قدرة رب العزة والجلال؛ فإن قلبك لن يتعلق بالخلق وسيتعلق بالخالق سبحانه وتعالى، وإذا علمت أن المال لا يأتي بنفسه إنما يأتي به الله، وعلمت أن المال قد يكون سببًا من أسباب شقاء العبد في دنياه وآخرته؛ لم يتعلق قلبك بالمال وإنما تعلق قلبك برب العزة والجلال، وهكذا إذا عرفت حقائق الأشياء علمت أنها في مقابلة قدرة الله لا شيء، ومِنْ ثَمَّ تحصل التقوى في قلبك.

أمّا ما يتعلق بآثار التقوى وثمار التقوى فهي من أسباب حصول التقوى - تقوى رب العزة والجلال - في القلب، كيف نتقي الله؟ وما هي آثار التقوى على الإنسان؟

تحصل آثار التقوى بفعل الإنسان لأنواع الطاعات، سواء منها ما كان واجبًا أو ما كان مستحبًا.

قال: ومن جماع الخير اعتزالُ شرور الناس، المراد بالاعتزال: الابتعاد، وشرور الناس؛ الشرور يعني السيئات والأعمال غير المحمودة، والناس هنا أضيف إليها المصدر، فقد يراد بها أن تجتنب إلحاق الشر والضرر بالآخرين، فيكون الناس مفعولًا به؛ بحيث لا تؤذي أحدًا من الخلق، وإيذاء الآخرين قد نهت النصوص الشرعية عنه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا(5).

والمعنى الثاني: اعتزال الشرّ الصادر من الآخرين، بحيث يجتنب الإنسان أن يكون محلًا لإنزال الآخرين به الضرر، اجتناب الأسباب المؤدية لذلك.

ومن المعلوم أن الإنسان لن يَسْلَمَ من نوع من الضرر يلحق به من قبل الآخرين، وخصوصًا طلبة العلم، فكلما كان الإنسان مخلصًا بطلبه للعلم، قد وصل إلى درجة فيه؛ فلا بد أن يلحقه شيء من أذى الآخرين، ومن هنا يوطد الإنسان نفسه على ذلك، فيصبر ويحتسب ويرضى بقضاء الله ويعلم أن ذلك لمصلحته، ولا يعامل الآخرين بناء على ذلك؛ بحيث يُلْحِق الأذى والضرر بمن ألحَق به الأذى والضرر، ولا يقابل الإساءة بالإساءة، بل يقابل الإساءة بالإحسان أو على الأقل بالعفو والغفران.

وقدوتنا في ذلك هو النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، إذ ما نوع من أنواع الأذى إلّا وتعرض لها صلّى الله عليه وسلّم، حُصِرَ في الشِّعْب ثلاث سنوات حتى أصبحوا يسمعون صوت صبيانهم يتضاغون من الجوع، ولم يجد رجالُهم إلّا أن يأكلوا أوراق الشجر في مواطن عديدة، ووضعوا عليهم بمثابة الحصار، أوذي صلّى الله عليه وسلّم في عِرْضِه، تكلموا عن زوجته، أوذي صلّى الله عليه وسلّم بالأذى الجسدي، مَرَّة رَمَوه بالحجارة، ومَرَّة وضعوا الشوك في طريقه، ومَرَّة وضعوا على رأسه سَلَا الجزور، ومَرَّة حاولوا أن يدفعوه في مواطن عديدة، بل حرص أهلُ الكفر على قتله وسعوا في ذلك في مرات عديدة، في مَرَّة في غزوة أحد ومَرَّة في حادثة الهجرة ومَرَّة عندما أراد بعض بني إسرائيل أن يلقوا عليه الرّحى من فوق الجدار، ومَرَّة أراد المنافقون إلقاءَه من فوق الجبل ليموت صلّى الله عليه وسلّم، ومع ذلك كان يعامل الناس بالرفق ويتلطف معهم ويحسن إليهم، وإذا أنزل العقوبة بأحد أنزلها من أجل تحقيق مصلحته - مصلحة المعاقب - أو مصلحة الآخرين، بل حصل من الجفاء من بعض أتباعه ما تعلمونه في سيرته صلّى الله عليه وسلّم، يأتي الرجلُ فيسحب البردة التي فيها حاشية غليظة فتؤثِّر على رقبته؛ فيقول: يا محمد أعطني من مال الله الذي أعطاك، فيهُمُّ به الصحابة فيأمر له النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالعطاء(6)، وشواهد ذلك في سيرة النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كثيرة، وحينئذ نسير على هدي النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في هذا الباب، وندرب أنفسنا على تحمل الأذى وعلى الصبر على ما يكون من الآخرين مِن قدح في العرض، أو قدح في القدرة، أو اتّهام في بعض أفعال الإنسان، لأن المرء يستشعر أن عمله لله وأنه يؤجر على ما يناله من الأذى، ويكون ذلك من أسباب تكفير ذنوبه.

ثم ذكر المؤلف قاعدة أخرى في قوله من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، كما ورد في الحديث الذي رواه أهل السنن بإسناد حسن، وقوله «من حسن إسلام المرء»(7) فيه دلالة على أن الإسلام ليس على رتبة واحدة، وأن أهله يتفاوتون فيه، ومنهم من يكون حسن الإسلام ومنهم من لا يكون كذلك، وحُسْنُ الإسلام يكون بالتزام الإنسان بشرائع الله، وعمله بالفرائض، وقوله «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» أي أن يترك ما لا يتعلق به، فالمرء المسلم يسعى إلى إصلاح نفسه، وإصلاح من أُمِرَ بإصلاحه، وحينئذ ما لا يتمكن من إصلاحه ولا يكون سببًا في إصلاحه ولا يمكن أن يكون سببًا في إصلاحه؛ فإنه يتركه ويشتغل بما يعود بالنفع عليه وعلى الآخرين، ومن القواعد التي يذكرها علماء الشرع أن الاشتغال بغير المقصود إعراض عن المقصود، فأنت خُلِقت لطاعة الله ولعبادته، ومِنْ ثَمَّ إذا اشتغلت بغير ذلك معناه أنك قد تركت ما خُلِقت من أجله، ومن أمثلة هذا حديثُ الإنسان في الأخبار السياسية أو الرياضية أو الاجتماعية بما لا يتعلق في أعمال الإنسان، هذا ليس الدخول فيه من حسن إسلام المرء؛ بل فيه إعراض عن طلب العلم، وفيه إشغال للأوقات بما لا يعود على الإنسان بالنفع في الدنيا ولا في الآخرة، وكذلك أيضا الاشتغال بأنواع الملهيات والألعاب التي لا تعود على النفس بترويض أو بقوة بدن؛ فإن الدخول فيها مما يؤثر على طالب العلم في طلبه للعلم، فهو يصده عن الهدف والمقصد الذي يسعى إليه.

ثم ذكر المؤلف قاعدة أخرى تتعلق بالنية، فقال: مَنْ طلب العلم لله؛ فالقليل يكفيه، يجب على طالب العلم أن يقصد بطلبه للعلم الشرعي وجه الله والدار الآخرة، فلا يريد به الناس، ولا يريد به أن يكون له مكانة في الدنيا، ولا يقصد بطلبه للعلم أن يرجع المستفتون إليه فيأخذوا عنه العلم، وإنما يقصد بطلبه للعلم نفعَ نفسه في الآخرة، لأن طلب العلم عبادة، فوجب أن يقصد الإنسان بها وجه الله والدار الآخرة، ولا يريد بها شيئًا من أمور الدنيا، وعندما يريد الإنسان الدنيا بطلبه للعلم؛ فحينئذ يكون قد دخل في باب من أبواب الشرك، وذلك لأن من قصد بعبادته الأمر الدنيوي ولم يجعله لله فقد صرف العبادة لغير الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(8)، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا(9)، ومن هنا قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «الأعمال بالنيّات، وإنّما لك امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه»(10)، إذا طلب الإنسانُ العلمَ لله لينيله الآخرة؛ بارك الله له في العلم، فإننا نجد أناسًا قد حصلوا من العلم قواعدَ استطاعوا أن يطبقوها على كل حياتهم لبركة ذلك العلم لأنهم أخلصوا النيّة لله عزّ وجلّ، وفي المقابل نجد من حفظ من الفروع وحفظ من النصوص وأحاط بجزئيات عديدة لكن لم ينفع الله بعلمه، ولم يكن له قَبول، ولم ينتشر ذلك في الأُمّة، لذلك فالبركة من الله عزّ وجلّ، والبركة في العلم من أسبابها أن يُخْلِص الإنسانُ في طلبه للعلم بحيث ينوي بذلك وجه الله والدار الآخرة، ولذا من أخلص العلم تمكَّن من أمور لا يتمكن منها من ليس من المخلِصين، وإذا نظر الإنسان في سيرة بعض العلماء الأوائل وجد أن لهم نفعا كثيرًا وأثرًا عظيمًا، ومع ذاك إذا حُسِبَ هذا إلى أوقات أعمارهم استغربت منه، ولعل السبب في هذا أن الله عزّ وجلّ قد بارك في علومهم، ونجد من كُتُبِ أهل العلم من لا زال الناس يتناقلونه ويحرصون على قراءته مع بُعْدِ زمانه وتكررِ الشروح عليه، وما ذاك إلّا أن الله عزّ وجلّ قد جعل له قَبولًا في نفوس الناس، ومن أسباب القَبول والبركة أن يقصد الإنسان بطلبه للعلم وجه الله والدار الآخرة، ولذا قال المؤلف: من طلب العلم من أجل الناس فحوائج الناس كثيرة، فبالتالي سيصرفه الناس عن تحقيق الهدف الكبير ولن يتمكن من الوفاء بحوائج الآخرين.

ثم ذكر المؤلف أنّ أَزْيَنَ الحُلي على العالِم التقوى، قد تقدم معنى أن التقوى معنى قلبي، يخاف فيه الإنسان من ربه ويرجوه، ومِنْ ثَمَّ يُقدم على أنواع الطاعات ويُحجم عن أنواع المعاصي فيكون بذلك ممن وقاهم الله من نار جهنم، وإذا وجدت التقوى عند طالب العلم يسر الله له فهم العلم وتمكَّن من التمييز بين الحق والباطل، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(11)، أي أن المتقين يتمكنون من الاهتداء بالقرآن، وكلما كثرت التقوى عند الإنسان كلما ازداد هداه وازداد انتفاعه من القرآن، وكما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا(12) أي قدرة تفرقون بها بين الحق والباطل والخير والشر، ومِنْ هنا كلما ازدادت التقوى عند العالم كان ذلك من أسباب إحاطته بكثير من العلوم وتوفيقِ الله عزّ وجلّ له لأن يصيب الحق والصواب.

ثم ذكر المؤلف أدبًا من آداب طالب العلم يتعلق بطريقة تعامله مع شيخه، فقال: فحقيق على من جالس عالمًا أن ينظر إليه بعين الإجلال وينصت له عند المقال، وأن تكون مراجعته له تفهمًا لا تعنتًا، وبقدر إجلال الطالب للعالم ينتفع بما يفيد من علمه.

إذًا هذه آداب أَوَّلُهَا إجلال العالم، والمراد بالإجلال توقيره ومعرفة منزلته، فهو الذي يكون سببًا من أسباب اهتداء الإنسان، ومن أسباب صلاح الخلق، ومن أسباب انتشار العلم، ولذلك نتقرب إلى الله عزّ وجلّ بإجلاله، وقد ورد في سنن أبي داود في إسنادٍ لبعض أهل العلم فيه كلامٌ أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ من إجلال الله؛ إجلالُ ذي السلطان المقسط، وحاملُ القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه»(13) ثم ذكر ما يتعلق بإجلال كبير السِّنِّ.

قال: ومن الآداب أن ينصت للعالم عند المقال، وذلك لأن العالم يتكلم بالنصوص الشرعية ويذكر الأحكام الشرعية، فهو يذكر كلام الله وحُكْم الله، فحينئذ يستمع له الإنسان وينصت له، فإنه إذا استمع لآيات القرآن أُجِرَ وأُثيب، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(14)، فمن أسباب رحمة الله للعبد أن ينصت لِمَا يُتلى على الإنسان من آيات الكتاب.

كذلك من الفوائد التي يستفيدها الإنسان أن يتفهم حقيقة مقال العالِم، إذ الإنسان إذا استمع للعالم وهو غير منصت له فقد يُنَزِّلُ كلامَه على غير مراده، وكم من مَرَّة وجدنا أن بعض كلام أهل العلم يُنَزَّلَ على غير مرادهم لكون بعض الناس قد استمع لجزء من مقالة العالم ولم يستمع لها كاملة، فَنَزَّلَ كلام العالِم على غير مراده، وهكذا أيضًا حتى في النصوص الشرعية، فإن مَن استمع لجزء من الآية قد يفهم منها خلافَ ما يريد الله جلّ وعلا.

قال: وينبغي أن تكون مراجعته - أي مراجعة العالِم - من باب التفهم بحيث يريد أن يفهم كلامه وأن يُنَزِّلَهُ منزلته ليكون بذلك متأدبًا معه ولا يكون متعنتًا، أي لا يكون سبب المراجعة أنْ يكون على جهة التعنت وإظهار خطأ ذلك العالم وإنقاص منزلته عند الناس، فإنّ العالِم وإنْ اخطأ في مسألة فهو قد أرشد الخلق إلى الحق في عديد من المسائل، ومِنْ ثَمَّ فلا يُنْزِلُ من مكانته أنْ يخطأ في المسألة أو في المسألتين، فما من إنسان إلا وهو معرض للخطأ، لكن خطأ أهل العلم أقل من خطأ غيرهم، وقد جاءت النصوص ببيان أن العلماء لهم مكانة ومنزلة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ(15)، وكما قال جلّ وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ(16)، وكما قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «العلماء ورثة الأنبياء»(17)، في نصوص كثيرة تدل على فضيلة العلماء، وعندما يرفع الناسُ مكانةَ العلماء، ويراجعونهم ويتأدبون معهم يكون هذا من أسباب انتشار الخير والهدى، لذا نجد أنّ من طرائق من يحاربون دين الله أنْ ينقصوا من مكانة العلماء في نفوس الناس من أجل أنْ تزهد نفوسُهم في مراجعتهم، وهذا لا شك أنّ هذا مما يعود بالضرر الكبير على الخلق، فإنّ الناس يحتاجون إلى مراجعة العلماء في حلِّ ما يَرِدُ عليهم من إشكالات ينطلق العلماء في حلّها من النصوص الشرعية، فإنّ الناس عندهم مشاكل نفسية حلّها في النصوص الشرعية، يتمكن العلماء من استخراجها، وعندهم مشاكل أُسَرِيَّة، ومشاكل اجتماعية، ومشاكل اقتصادية، ومشاكل سياسية، ومشاكل كثيرة في جميع أنحاء الحياة، حلّها في كتاب الله عزّ وجلّ، وفي سُنَّةِ رسوله صلّى الله عليه وسلّم، ولذا هم الذين يقودون الأُمَّة إلى بَرِّ الأمان، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾ - يعني أهلَ النفاق - ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ(18)، من هم الذين يستنبطونه؟ هم علماء الشريعة، يستنبطون الأحكام من الأدلة، ثم قال سبحانه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا(19)، كيف تتبعون الشيطان؟ بترك الرجوع إلى علماء الشريعة، ولذا قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(20)، ينذرونهم من الشر والسوء في أمور الدنيا والآخرة، فيحذروا مخالفة الله فيكون هذا من أسباب صلاح أحوالهم في الدنيا والآخرة، ولذلك ما أعظم أثر العلماء على الأمَّة في النفع والخير، وفي المقابل ما أكثر أثر الناس عليهم في ضدّ ذلك، لكن العلماء يصبرون ويحتسبون فيكون ذلك خيرًا لهم في الدنيا والآخرة.

قال المؤلف: فبقدر إجلال الطالب للعالم ينتفع بما يُفيد من علمه، أي أن الطالب إذا قَدَّر العالِمَ انتفع بعلمه في ثلاثة أمور:

أولها: أنّ الله عزّ وجلّ يبارك لذلك الطالب لكونه قد التزم في الآداب الشرعية، فيكون ذلك من أساب نزول البركة، فيستفيد من عِلْمِ العالم.

والوجه الثاني: أنّ من قَدَّرَ العالِمَ فَهِمَ كلامه وأنزله في منازله فاستفاد العلم.

الوجه الثالث: أنّ العالِمَ إذا وجد الطالبَ غير ملتزم بالآداب الشرعية فإنهم يسعى إلى صون العلم عن هذا الطالب لأنه يرى عدم أهليته لتوجيه الخلق وإرشادهم ولجعل الناس يقتدون به لكونه لم يلتزم بالآداب الشرعية.

قال: وبقدر إجلال الطالب للعالِم ينتفع بما يفيد مِنْ عِلْمِهِ، وقد اجتلبنا من فضائل العلم وآدابه وما يلزم العالِم والمتعلم، يشير المؤلف هنا إلى كتاب ألَّفَه، كتاب مطول ألّفه في آداب طالب العلم، قال: وقد اجتلبنا، أي جمعنا وسحبنا وأخذنا كثيرًا من فضائل العلم، من مميزات التعلم، ومميزات العلم، وآدابه - أي الأخلاق- التي يلتزمها أصحابه، وما يلزم العالِم والمتعلم المتخلق به - أي المتصف بصفة العلم – ولزومه وامتثاله في كتاب ألَّفه المؤلف وهو جامع بيان العلم، وهذا من المؤلفات التي ألّفها ابنُ عبد البَرِّ رحمه الله، في ذلك الكتاب ما يكفي العالِم، أي ما يملأ صدرَه ويسدَّ حاجته من تعلم الآداب الشرعية، ويكون سببًا من أسباب صفاء نفسه وهدوئها ويقرُّ عينه، أي أنّ هذا الكتاب يقرُّ عين العلماء لأنهم يسعون لتحصيل الآداب الشرعية فيجدون بغيتهم في هذا الكتاب، وهذا الكتاب أيضا فيه من الآداب ما يكفي المسترشد، أي الطالب الذي يريد الرَّشَد ويسعى إليه، فهو يكفيه ويبصره أي يوضح له الطريق ويخبره بالمعالم.

والحمد لله كثيرًا كما هو أهله، حمد المؤلف ربه أن يَسَّرَ له تأليف ذلك الكتاب، وهكذا ينبغي لطالب العلم أن يشكر الله عزّ وجلّ على ما ييسره له من طلب العلم أو من نشره.

قال: ومن شيم العاقل والعالِم أن يكون عارفًا بزمانه، معرفة الزمان تشتمل على ثلاثة أمور:

أولها: معرفة أخلاق الناس بحيث يعلم ما يكون حسنًا عندهم وما يكون سيئًا، وحكم الله في كُلٍّ منها.

وثانيها: أن يعرف ما تعارف الناس على مقداره من الأمور المطلقة التي وردت في الشرع، فمثلا صلة الرحم وردت في الشرع، ما هو مقدارها؟ يختلف باختلاف أعراف الناس ما بين زمان وآخر ومكان وآخر، فنتعلم ما تعارف عليه الناس فيما يتعلق في تحصيل المطلوب الشرعي.

أما الأمر الثالث: فيعرف أفعال الخلق ومقاصدهم بحيث لا ينخدع معهم، وذلك لأنه بعض الناس يريد أن يُسخِّر العلماءَ وطلبةَ العلم لتحقيق مقاصده والوصول إلى ما يريده، فمَرَّة يدلس المستفتي في المسألة ليفتي المفتي بما يتوافق مع هواه ورغبته، ومَرَّة يحاول أن يجعل المفتي يقدح في مَنْ تكرهه نفسُه، وهكذا يحاول بعض الناس استجرار علماء الشريعة لتحقيق مقاصدهم وأهدافهم التي قد تكون مخالفة للشرع.

قال: مقبلًا على شأنه، أي من شأن العالم والعاقل أن يهتم بعمله وبشأنه، ومِنْ ثَمَّ لا يشتغل بما يتعلق بالآخرين إلا إذا كان عمل الآخرين متعلقًا بعمله، ومِنْ ثَمَّ لا يشتغل بالحديث بفلان وفلان ولا يشتغل بالكلام في أصحاب الأعمال والوظائف والولايات بما لا يعود بالنفع والخير على أحد، ومِنْ هنا فإنه يكون حافظًا للسانه، لماذا يحفظ لسانه؟ تحرزًا من إخوانه، فلا يتكلم في أحد من الخلق، ولا يتكلم إلا بما يعود عليه بالخير والنفع، لماذا يحفظ لسانه؟ امتثالًا لأمر الشارع، وحفظا لوقته، وخشية من الإثم المترتب على الكلام في الآخرين، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا(21)، وقال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»(22).

ثم نبّه المؤلف إلى مسألة وهي أن غالب الأذية التي تلحق الإنسان تلحقه من قِبَلِ من يعرفه، أما من لا يعرفه ففي الغالب أنه لا يؤذيه، ومن يعرف الإنسان قد يؤذيه مَرَّة لمصلحة نفسه، ومَرَّة يكون على سبيل الحسد، ومَرَّة يكون على سبيل الكبر، لأن من الكبر احتقار الآخرين، كما قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر» ثم فسر الكبر بـ «بطر الحق وغمط الناس»(23)، ولذا قال: فلم يؤذ الناسَ قديمًا إلا معارفُهم، ثم قال: والمغرور من اغترّ بمدح الآخرين له، مدح الآخرين لك ليس دليلًا على صدقك ولا على صحة منهجك ولا على سلامة ما في قلبك ولا على موافقتك للكتاب والسُّنَّة، وإنما المعيار الذي ينبغي بنا أن نهتم به هو موافقة النصوص الشرعية كتابًا وسُنَّة، فإذا كنا موافقين لهما فرحنا بذلك، وإذا كنا مخالفين لهما نتأول ما فيهما فإننا نحذر من مثل هذا، ولو وجد ثناء من الخلق ولو وجد كلام طيب من الآخرين، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ(24)، إعجاب الناس بالكثرة ليس دليلًا على صحة ما هم عليه، ولذا قال تعالى: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ(25)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ(26)، بل قال الله عزّ وجلّ لصحابة نبيّه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ(27) أي لَلَحِقَتْكُمُ المشقةُ والعنتُ بسبب ذلك، ومن هنا من اغترَّ بثناء الآخرين فهذا جاهل، ولذا لا ينبغي أن نقيس الناس بحسب كثرة أتباعهم أو كثرة المعجبين بهم، فإن الذين يعجبون بأناس لا يصح أنْ يقتدى بهم كثرةٌ، فكم ممن يعجب بأصحاب الكرة أو أصحاب التمثيل أو أصحاب السياسة الباطلة، فحينئذ لا يغترّ العاقل بمثل هؤلاء، هكذا أنت انتبه لا تغترّ بكثرة ثناء الناس عليك أو بمدحهم لك، فإن هذا ليس معيارًا شرعيًا تنطلق منه، وإذا تأملت في حال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في أوائل أمره فإن أكثر من يعرفه يذمه، ومن يمدحه بعد بعثته قليل، ومع ذلك ليس هذا دليلًا على شيء من صحة أو ضدها.

قال: والمغرور من اغترّ بمدحهم له، والجاهل من صدقهم على خلاف ما يعرف من نفسه، يحب بعض الناس أنْ يثنى عليه ولو كان ذلك بما ليس فيه، وهذا كما أنه دليل على نقص العقل هو أيضا دليل على جهل الإنسان، فإن مدح الإنسان بما ليس فيه - في حقيقة الأمر - هو ذمّ له وإنقاص لمنزلته لأن من عَلِمَ بحاله وسمع ذلك المدح والثناء فإنه حينئذ سينتقصه ويحتقره، ولذا حذّر النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من صفة التشبع، وقال: «المتشبع بما ليس فيه كلابس ثوبي زور»(28)، وقد ذمّ الله عزّ وجلّ الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا.

أسأل الله جلّ وعلا أن يوفقنا وإياكم لخيري الدنيا والآخرة، وأنْ يجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين، كما أسأله سبحانه أنْ يصلح أحوال الأُمَّة ويعيدهم إلى دينهم عودًا حميدًا، اللهم ارزقنا الخلق والأدب الفاضل، اللهم يا حيّ يا قيوم ألزم جوارحنا بأنواع الطاعات واجعلنا من أهل التقوى، هذا والله أعلم، وصلّى الله على نبيّنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.


(1) رواه البخاري في صحيحه (6064)، ورواه مسلم في صحيحه (2564).
(2) آل عمران: 133.
(3) القمر: 54.
(4) يونس: 62، 63.
(5) الأحزاب: 58.
(6) رواه البخاري في صحيحه (8830).
(7) صحيح. رواه الترمذي (2317). صحيح الجامع (5911).
(8) هود: 15، 16.
(9) الإسراء: 18.
(10) رواه البخاري في صحيحه (1)، ورواه مسلم في صحيحه (1907).
(11) البقرة: 2.
(12) الأنفال: 29.
(13) حسن. رواه أبو داود (4843). صحيح الجامع (2199).
(14) الأعراف: 204.
(15) الزمر: 9.
(16) فاطر: 28.
(17) صحيح. رواه أبو داود (3641). صحيح الجامع (6297).
(18) النساء: 83.
(19) النساء: 83.
(20) التوبة: 122.
(21) الحجرات: 12.
(22) صحيح. رواه الترمذي (2317). صحيح الجامع (5911).
(23) صحيح. رواه أحمد في المسند (4058). غاية المرام (114).
(24) المائدة: 100.
(25) المائدة: 103.
(26) الأنعام: 116.
(27) الحجرات: 7.
(28) البخاري (5219).


 مواد ذات صلة: