موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح الجامع للآداب

  

مقدمة الشارح

الحمد لله رب العالمين، أحمده على نعمه، وأشكره وأثني عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، أما بعد

فإن طالب العلم بحاجة شديدة لمعرفة الآداب التي وردت بها الشريعة، وذلك لخمسة أمور:

أولها: أنّ طالب العلم يُقتدى به، ويَنظرُ الناسُ إلى أفعاله ليفعلوا مثل فعله، ومن ثَمَّ فالتزام طالب العلم بالآداب الشرعية دعوةٌ إلى الله سبحانه وتعالى بالتزامه لهذه الآداب.

والأمر الثاني: أنّ عدم التزام طالب العلم بالآداب الشرعية يؤدي إلى القدح في العلم والقدح في أهله، فإنّ الناس إذا شاهدوا أهل العلم لا يلتزمون بآداب الشريعة فإنهم حينئذ سيزهدون في علمهم ويزهدون في أشخاصهم، وقد يكون هذا منطلقًا للقدح في طلبة العلم.

والأمر الثالث: أنّ التزام طالب العلم للآداب التي وردت بها الشريعة فيما يتعلق بتعامل الإنسان مع الآخرين يكون سببًا من أسباب ميل القلوب إلى طالب العلم وتقبُّلِهَا لكل ما يَرِدُ عنه، وشاهد هذا من نفسك، فإنّ من عاملك بالحسنى وتكلم معك بالكلام الطيب أحبته نفسُك وقبلتْ ما لديه -، حتى لو كانت منه أخطاء تجاوزت عنه ولم تعوِّل عليه كثيرًا.

والأمر الرابع: أنّ التزام طلبة العلم للأدب الشرعي فيما بينهم يجعلهم يتعاونون ويكونون يدًا واحدة في نشر العلم وفي تعليم الخلق، ومن ثَمَّ يكون هذا من أسباب انتشار الخير والهدى بين الناس، بينما إذا تضادّ طلبة العلم وأصبح بعضهم يقابل بعضهم الآخر بالنفرة؛ فسيكون ذلك من أسباب نقصان انتشار العلم بين الناس.

أما الأمر الخامس: فهو أن طالب العلم يسعى إلى إرضاء ربه، ومن طرق إرضاء الله التأدب بالآداب الشرعية، سواء كان طلب الأجر في تعلم هذه الآداب أو في الدعوة إليها أو في العمل بها والتزامها، ومن هنا فإن تعلُّم الآداب له أهمية كبرى بالنسبة لطلبة العلم، ولا يُثَبِّطْ طالبَ العلم عن دراسة الآداب الشرعية قولُ بعض الناس بأنها مفهومة ومعلومة، فكم من أدب شرعي تغفل النفوس عنه، وكم من أدب شرعي يظن بعض الناس أن الشريعة وردت بما يقابله، ومن هنا فإننا نحتاج حاجة شديدة لدراسة الآداب، قد يقول بعض الناس: إن الآداب معلومة ومفهومة، ولا نحتاج إلى وضع درس علمي في دراسة هذه الآداب! وهذا أيضا ليس بأمر صحيح، وذلك لأن هذه الآداب مَرَّة نحتاج إلى معرفة الأدب بنفسه، فكم من أدب شرعي يغفل الناس عنه كما سيأتي معنا، ومَرَّة نحتاج إلى كيفية تطبيقه، فإن بعض الآداب الشرعية قد لا يُفهم المرادُ منها، فمثلًا مفهوم الحكمة أو أدب الحكمة قد يظن بعض الناس أن المراد به الليونة، وليس الأمر كذلك، بل الحكمة استعمال الخُلُقِ المناسب لكل فعل يقابل الإنسان، مرة تكون الحكمة بقسوة، ومرة تكون بقوة، ومِنْ ثَمَّ يتفاوت موطن الحكمة بين محل وآخر بسبب ما يقابل الإنسان من أفعال.

كذلك نحتاج إلى دراسة الآداب من أجل أن يكون لدينا حجة وإقناع لنقنع الآخرين بأن هذا السلوك وهذا الأدب هو الذي ورد به الشرع، فإننا نجد في مواطن عديدة من ينتقد بعض طلبة العلم في التزامهم بعض الآداب الشرعية، فعندما يكون لدى طالب العلم الدليل الشرعي المتعلق بذلك الأدب وعندما يكون لديه القدرة على الإقناع به؛ فحينئذ لن يستطيع ذلك القادح أن يقدح في طالب العلم، وسيتمكن طالب العلم من رد هذا الكلام الذي يراد به القدح في طلبة العلم.

ومن هذا المنطلق حرص علماء الشريعة على تدوين المؤلفات في الآداب الشرعية، والمؤلفات التي جاءت في هذا السياق تختلف، فمنها ما هو مطول يشتمل على آداب كثيرة بضوابطها وشروطها وأدلتها وصفتها من مثل كتاب الآداب الشرعية لابن مفلح، ومنها ما يكون مختصرًا بحيث يتناسب مع المبتدأ، يتعلم أحكام الآداب بواسطته، ومن ذلك هذه الرسالة التي بين أيدينا - رسالة الجامع للآداب - من تأليف الإمام ابن عبد البَرِّ رحمه الله تعالى.

والإمام ابن عبد البَرِّ من علماء الشريعة الذين أَلَّفُوا مؤلفات كثيرة في جميع الفنون الشرعية ما بين مُطَوَّل وما بين مختصر، منها مؤلفات في الحديث كمثل كتاب التمهيد في شرح الموطأ، ومنها كتب في الفقه من مثل كتاب الكافي، ومنها كتب في الآداب.

وابن عبد البر؛ يوسف بن عبد الله بن عبد البَرِّ القرطبي؛ من فقهاء المالكية الذين لهم اجتهادات فقهية يخرجون بها عن المذهب المالكي، ولعلنا نبتدأ هذا الدرس بقراءة شيء من هذه الرسالة.


 مواد ذات صلة: