موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

الصبر على السُّنَّة والثبات عليها من أعظم ما تُنال به الدرجات وتُكَفَّرُ به السيئات

والإيمان بأن التوبة فريضة على العباد أن يتوبوا إلى الله عزّ وجلّ من كبير المعاصي وصغيرها.


تقدم الكلام على ذلك، والله عزّ وجلّ يقول: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(1)، وهنا يذكر في ختام الكتاب لأن دائمًا في ختم الأعمال الصالحة يُذكّر الإنسان بالتوبة والاستغفار، وهذا من هدي النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.


ومن لم يشهد لمن شهد له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالجنة فهو صاحب بدعة وضلالة، شاكّ فيما قال به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقال مالك بن أنس: من لزم السُّنَّة وسَلِمَ منه أصحابُ رسول الله ثم مات كان مع النَّبيّين والصديقين والشهداء والصالحين؛ وإن كان له تقصير في العمل، وقال بشر بن الحارث: الإسلام هو السُّنَّة، والسُّنَّة هي الإسلام، وقال فضيل بن عياض: إذا رأيتُ رجلًا من أهل السُّنَّة فكأنما أرى رجلًا من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإذا رأيت رجلًا من البدع فكأني رأيت رجلًا من المنافقين.


هذه بشارة لأهل السُّنَّة، أن الإنسان إذا كان لازمًا للسُّنَّة وبخاصة في زمن البدع والإحداث؛ فإن الله سبحانه وتعالى قد وعده خيرًا، وهذا منقول عن الأئمة، والصبر على السُّنَّة والثبات عليها من أعظم ما تُنال به الدرجات وتُكَفَّرُ به السيئات.


وقال يونس بن عبيد: العجب ممن يدعو اليوم إلى السُّنَّة وأعجب منه من يجيب إلى السُّنَّة فيقبل، وكان ابن عون يقول عند الموت: السُّنَّةَ السُّنَّةَ؛ وإياكم والبدع حتى مات، وقال أحمد بن حنبل ومات رجل من أصحابه فرُئِي في المنام فقال: قولوا لأبي عبد الله عليك بالسُّنَّة؛ فإن أول ما سألني الله سألني عن السُّنَّة.


الإمام أحمد ثبت على السُّنَّة، وهذه من المرائي التي رُئيت للإمام رحمه الله وتثبتّه على السُّنَّة وعلى الاستقامة، فثبت على السُّنَّة في مسألة كلام الله عزّ وجلّ.


وقال أبو العالية: من مات على السُّنَّة مستورًا فهو صديّق، ويقال: الاعتصام بالسُّنَّة نجاة، وقال سفيان الثوري: من أصغى بأذنه إلى صاحب بدعة خرج من عصمة الله ووكل إليها –يعني إلى البدع-، وقال داود بن أبي هند: أوحى الله تبارك وتعالى إلى موسى بن عمران: لا تجالس أهل البدع؛ فإن جالستهم فحاك في صدرك شيء مما يقولون أكببتك في نار جهنم(1)، وقال الفضيل بن عياض: من جالس أصحاب بدعة لم يعط الحكمة، وقال الفضيل بن عياض: لا تجلس مع صاحب بدعة، فإني أخاف أن تنزل عليك اللعنة، وقال الفضيل بن عياض: من أحب صاحب بدعة؛ أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه، وقال الفضيل بن عياض: من جلس مع صاحب بدعة، ورثّه العمى


ورثّه العمى عن الحق.


وقال الفضيل بن عياض: إذا رأيت صاحب بدعة في طريق فجُزْ في طريق غيره، وقال الفضيل بن عياض: من عظّم صاحب بدعة، فقد أعان على هدم الإسلام، ومن تبسم في وجه مبتدع فقد استخفّ بما أنزل الله عزّ وجلّ على محمد صلّى الله عليه وسلّم، ومن زوَّج كريمتَه مبتدعًا فقد قطع رحمَها، ومن تبع جنازة مبتدع لم يزل في سخط الله حتى يرجع، وقال الفضيل بن عياض: آكل مع يهودي ونصراني، ولا آكل مع مبتدع، وأحب أن يكون بيني وبين صاحب بدعة حصن من حديد،


كريمته: ابنته وأخته، وكل هذه آثار للتنفير من البدع.


وقال الفضيل بن عياض: إذا عَلِمَ اللهُ عزّ وجلّ من الرجل أنه مبغض لصاحب بدعة غفر له - وإن قلّ عمله -، ولا يكن صاحب سُنَّة يمالئُ صاحب بدعة إلا نفاقًا، ومن أعرض بوجهه عن صاحب بدعة ملأ الله قلبه إيمانًا، ومن انتهر صاحب بدعة آمنه الله يوم الفزع الأكبر، ومن أهان صاحب بدعة رفعه الله في الجنة مائة درجة، فلا تكن تحب صاحب بدعة في الله أبدًا.

والله أعلم، وصلّى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلّم، والحمد لله رب العالمين.


نحمد الله سبحانه وتعالى أن انتهينا من هذا الكتاب، والآثار التي قدمها لك هي على سبيل التمثيل والبيان وتأصيل هذا الأصل الذي بيّن لك في لزوم السُّنَّة، فكتابه رحمه الله في شرح السُّنَّة، ولكن قبل أن نختم هذا المجلس وهذا الكتاب فثمّ مسائل مهمة ينبغي للإنسان أن يعرفها وهو يقرأ كتب السلف، فإن كتب السلف وما فيها من الآثار وما فيها من الأمور ينبغي للإنسان أن يسلك فيها مسلك أهل السُّنَّة بدون غلوّ أو تفريط، فإن بعض الناس لما قرأ هذه الكتب ربما تبنى منهجًا خلاف منهج أهل السُّنَّة - في الغلوّ -، فهذه القضايا تقدر بقدرها، فالحكم على المبتدع لا بد أن يكون فيه تحقيق مناط، وبيان ما تقع به البدعة يحتاج فقه ويحتاج علم، ولهذا أنا أسوق لكم كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فيما يتعلق بمسائل الهجر، لأن بعض الناس – في مسألة جزئية – بعض الناس يسمع كلام السلف في مسألة الهجر فيطلقه بكافة الإطلاق، أو يتعدى على إخوانه المسلمين من أهل السُّنَّة فيما يتعلق بالتبديع بغير حق، قضايا التبديع ينبغي أن تُناط بأهل العلم وأهل الرسوخ في العلم، أما أن يتجرأ على ذلك صغار طلاب العلم، فهذا من الغلط، وهذا من تفريق كلمة أهل السُّنَّة، ولهذا الإنسان قد يتقمص شخصية ليست له، يظن أنه أبو زرعة الرازي أو أبو حاتم الرازي أو البربهاري، هذا الزمان أخبركم أن بعض الناس يتجرأ على مثل هذه الأمور ويتعسف فيها، ولهذا شيخ الإسلام ابن تيمية لما جاء يتكلم عن هذه المسائل ذكر أشياء، مما تكلم فيه مسألة الهجر، وقال الهجر يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، ومن الناس الهجر عنده مطلق، تجده في أمريكا ويهجر أهل الإسلام! أنت في بلاد كفار، قضايا الهجر تختلف باختلاف الأحوال والأزمان، قال ابن تيمية: فلا يشرع في زمان شاع به البدع، قال: والهاجر لا يقوى، ثم قال شيخ الإسلام: من القواعد الهجر الذي قد يصد المهجور عن الدين؛ لا يشرع، يعني أن يصير شخص مسلمًا ثم يعامل بالهجر، هذا ربما أدى به الهجر إلى أن يترك الدين، هذه مسائل فقه وعلم يُرجع فيها إلا لأهل العلم، وبعض الناس يظن أنه عنده علم لدنّي في هذه المسائل، أو أن هذا العلم مخصوص بفلان وفلان، علماء أهل السُّنَّة تكلموا عن هذه المسائل وتبيّنوا فيها وذكروها، فالإنسان لا يأتي بعلم جديد غير علم السلف، ولهذا يقول قاعدة مهمة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى – قبل أن نجيب على الأسئلة – قال: لا يُجعل ما أفتى به إمام من أئمة السُّنَّة في قضية مخصوصة من قضايا الهجر حكمًا عامًا في جميع الأحوال والأزمان، قاعدة مهمة، وهذه ممكن أن تُجَزِّئَها، هي قواعد، ما أفتى به إمام من أئمة السُّنَّة في قضية مخصوصة من قضايا الهجر لا يُجعل حكمًا عامًا في جميع الأحوال والزمان، فالهجر يختلف كما قد قلت لك، وسائل الهجر ومقاصد الهجر وشروط الهجر وتحقق المصلحة من الهجر والقدرة على الهجر، فلهذا إذا رأيت كلام السلف فاعرضه على كلام أهل العلم فيبيّنونه لك، أهل العلم يبيّنون لك، أما أن تأتي فتأخذ كلام السلف فتقول الإبانة لابن بطة أو شرح السُّنَّة للبربهاري ثم تأتي تطبقه على إخوانك من أهل السُّنَّة، ينبغي للإنسان أن يكون عنده فقه، واجتماع الكلمة، ويحذر ممن يغلو في هذه المسائل، فهذه قضية مهمة ينبغي للإنسان أن يتنبّه لها في مثل هذه القضايا، ولهذا الإنسان في مثل هذه المسائل يسأل أهل العلم ويرجع فيها لأهل العلم، هذا فيما يتعلق بما انتهينا به من كتاب، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يتوفّانا على السُّنَّة، وأن يوفقنا إلى السُّنَّة، وأن يختم لنا بالسُّنَّة والإسلام، وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمد.


(1) النور:31.
(2) قال الشيخ عبد العزيز الراجحي حفظه الله في شرحه على نفس الكتاب (الشريط السادس عشر): (هذا من آثار بني إسرائيل وأخبارهم لا يعول عليه؛ فإن داود بن أبي هند القشيري بينه وبين موسى عليه السلام دهور وأزمنة طويلة تنقطع دونها أعناق المطي، ومثل هذا لا يؤخذ إلا عن المعصوم صلّى الله عليه وسلّم).


 مواد ذات صلة: