موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

البعد عن أهل البدع وعدم مجالسته والنهي عن الجدال

قال: وإذا سألك أحد عن مسألة في هذا الكتاب وهو مسترشد فكلمه وأرشده، وإذا جاءك يناظرك فاحذر؛ فإن في المناظرة المراء والجدال والمغالبة والخصومة والغضب، وقد نهيت عن هذا جدًا، يخرجان جميعًا من طريق الحق، ولم يبلغنا عن أحد من فقهائنا وعلمائنا أنه ناظر أو جادل أو خاصم، قال الحسن: الحكيم لا يماري ولا يُداري، حكمته ينشرها، إن قُبلت حَمِدَ الله، وإن رُدَّت حَمِدَ الله.


هذا كلام عظيم، لاحظ الإنسان يبين الحق، لا يخاف من الناس ولا يضاربهم، بيّن الحق، فإن قُبِل منك الحق فالحمد لله، لأن الناس لا تستطيع أن تلزمهم برأيك، لأنك ليس لك سيف وأنت سلطان، مهمتك أن تبيّن الحق، فإذا علمت أن إنسانًا واقع في البدعة فانصحه بالتي هي أحسن، تبيّن لهم أن هذا المنهج غير سوي، هذه طريقتكم تخالف هدي النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، الدليل قال الله؛ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أحذركم من هذا المنهج، لا تجالسهم واتركهم، حتى لا يمرضوك بالبدعة، رأيت أناسًا أهل خروج وأهل سيف في مجالسهم؛ فلا تجالسهم، تبيّن لهم الحجة فإن قبلوها فالحمد لله وإلا أعرض عنهم وابتعد عنهم، يضرونك في دينك ودنياك.


وجاء رجل إلى الحسن فقال: أناظرك في الدين، فقال الحسن: أنا عرفت ديني؛ فإن ضل دينك فاذهب فاطلبه.


كلمة عظيمة، ما عندي شك، أنت ضال عن دينك فابحث عنه، أما أنا فلا، هذا يعطيك الحسن البصري وهو إمام عالم لا يمكن لأحد أن يقوم له، لكن هو يعلم الناس وعامّة الناس، يبيّن لهم المنهج، ويبيّن لهم المناظرات والمخاصمات والمجادلات، غير أهل السُّنَّة.


وسمِعَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم قومًا على باب حجرته يقول أحدهم: ألم يقل الله كذا؟ وقال الآخر: ألم يقل الله كذا؟ فخرج مغضبًا فقال: «أبهذا أمرتم؟ أم بهذا بعثتم إليكم؟ أن تضربوا كتابَ الله بعضه ببعض»(1).


هذا كان في القدر كل ينزع بآية.


فنهى عن الجدال، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يكره المناظرة، ومالك بن أنس ومن فوقه ومن دونه إلى يومنا هذا، وقول: الله أكبر من قول الخلق، قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا(2)، وسأل رجلٌ عمرَ رضي الله عنه؛ فقال: ما الناشطات نشطًا؟ فقال: لو كنت محلوقًا لضربت عنقك.


هذا يقصد صبيغ الذي ذكرتك لكم قصته، صبيغ بن عسل الذي ضربه عمر بعراجين النخل حتى أدمى رأسه- تعزيرًا -، صبيغ بن عسل، هذا لما ظهر الخوارج قيل له: يومك يا صبيغ، قال: كفتني عراجين الرجل الصالح، لأنه يعرف أن عمر ما ضربه إلا تعزيرًا محبة له حتى ينتهي عما هو فيه من هذا المرض.


وقال النَّبيّ: «المؤمن لا يماري، ولا أشفع للمماري يوم القيامة»(3).


هذا لا يصح من جهة السند.


قال: ولا يحل لرجل مسلم أن يقول: فلان صاحب سُنَّة حتى يعلم منه أنه قد اجتمعت فيه خصال السُّنَّة، لا يقال له: صاحب سُنَّة حتى تجتمع فيه السُّنَّة كلها.


لا تقول وتثني على إنسان إلا إذا كان على أصول أهل السُّنَّة، وهي معروفة، إذا كان على أصول أهل السُّنَّة تقول: إنه صاحب سُنَّة، أما إذا خالف أصول السُّنَّة فلا يقال له: إنه صاحب سُنَّة.


(1) صحيح. الترمذي (2133). صحيح وضعيف الترمذي (2133).
(2) غافر: 4.
(3) المعجم الكبير للطبراني (8/ 152).


 مواد ذات صلة: