موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

النهي عن مجالسة أهل البدع والأهواء

وإذا ظهر لك من إنسان شيء من البدع فاحذره؛ فإن الذي أخفى عنك أكثرُ مما اظهر.


لأن صاحب البدعة يظهر أشياء ويخفي أشياء بحسب الأماكن والأزمان، صاحب البدعة يشتمل على النفاق، لا يظهر كل ما عنده، لهذا كان السلف رحمهم الله يقولون: أهل البدع كالعقارب متى ما تمكنت لدغت، هو لا يظهر لك ما عنده، فإذا أظهر لك بدعته فاحذره وابتعد عنه فإنه قد أخفى ما هو أكثر، فالبدع لها أُخيَّات، الإنسان يحذر من ظهرت منه بدعة فاحذره سلامة لدينك حتى تلقى الله سليمًا من البدع والمحدثات.


وإذا رأيت رجلًا من أهل السُّنَّة رديء الطريق والمذهب فاسقًا فاجرا صاحب معاص ضالًا - وهو على السُّنَّة - فاصحبه واجلس معه؛ فإنه ليس تضرك معصيته، وإذا رأيت الرجل مجتهدًا وإن بدا متقشفًا محترقًا بالعبادة صاحب هوى؛ فلا تجالسه ولا تقعد معه ولا تسمع كلامه ولا تمشي معه في طريق؛ فإني لا آمن أن تستحلي طريقته فتهلك معه، ورأى يونس بن عبيد ابنَه - وقد خرج من عند صاحب هوى -؛ فقال: يا بني من أين جئت؟ قال: من عند فلان، قال: يا بني لأن أراك تخرج من بيت خنثى أحب إلي من أن أراك تخرج من بيت فلان، ولأن تلقى الله يا بني زانيًا سارقًا فاسقًا خائنًا؛ أحب إليّ من أن تلقاه بقول فلان وفلان، ألا ترى أن يونس بن عبيد عَلِمَ أن الخنثى لا يضل ابنه عن دينه؛ وأن صاحب البدعة يضله حتى يكفره.


طبعًا لأن البدع فيها ما هو مكفر، وهذا الكلام من السلف قالوه على وجه التغليظ والتحذير والزجر؛ لا على وجه استشفاف مجالسة الفساق والفجار، هذا ما يفهم من كلامه جواز مجالسة الفساق، لأن مجالسة الفساق أهل المعاصي وأهل الكبائر مما ينفر منه أهل الإسلام، محل اتفاق، فلا يمكن للإنسان أن يجالسهم، المسلم يجالس الفاسق ويستحل مجالسته ويجلس معه ويطيب له المقام! لا يمكن، لكن هو يبيّن لك أن هذا ينفُر منه كل أحد، لكن مجالسة هؤلاء الذين يظهرون الصلاح ويظهرون التدين، أهل البدع يظهرون الدين، ربما ترى أنهم على دين، ويظهرون الدين ويظهرون الغيرة على الشريعة ويظهرون أشياء، فهم ينصبون شراكًا لك، مثل المصيدة يصيدونك، فهذا يخشى على ولده – يونس بن عبيد – يقول: لأن تدخل على فلان الفاسق أحب إليّ، فالفاسق وصاحب الشهوة فإنه لو فعل هذه المعصية فإنه يجد من نفسه تأنيب ويجد من الناس الإنكار ويجد من قلبه لأنه مؤمن، الإنكار فيه إيمان، ينكر ما يفعل، لكن صاحب البدعة يرى أنه محسن ويرى أنه متدين وأنه ينصر الإسلام، هذه خطورة البدعة، ولهذا ما ورد في الحديث -وهو لا يصح وإنما يصح موقوف- «إن الله احتجب التوبة عن كل صاحب بدعة»(1) معناه صحيح، لأن المبتدع لا يوفق لتوبة، لماذا لا يوفق لتوبة؟ لأنه يرى أنه محسن، كيف يتوب وهو يرى أنه على الطريق المستقيم، لهذا عظم إنكار أئمة السلف من مجالسة أهل الأهواء لأجل أنك إذا جالستهم تقع في قلبك البدعة، وإذا وقعت في قلبك البدعة فإنها تكبر وربما تزيغك عن دين الإسلام وتكفر، لأنه ثمّ من البدع ما هو مُكفر، من البدع ما هو مُكفّر، هو يخشى (جملة غير واضحة)، لكن هذا مهما كنت كان فعلت وجلست معه فإنك تحس بالذنب وتقلع، مصيرك الإقلاع، لكن إذا وقعت في البدعة فإنك لا تخرج منها إلا إن يشاء الله، من النوادر أن يتوب الإنسان من البدع، من النوادر، أما الأغلب أنه لا يتوب، صعب التخلص منه، مثل المرض الذي يقع في القلب صعب الخلاص منه، لذلك خلص قلبك من البدع ومن أهل الأهواء، واستقم على السُّنَّة، والزم السُّنَّة واحذر هؤلاء، يعطيك الآن البربهاري وصايا عظيمة في مثل هذا، الزم هذه الوصايا حتى تلقى الله على السُّنَّة.


واحذر ثم احذر أهل زمانك خاصة، وانظر من تجالس، وممن تسمع ومن تصحب، فإن الخلق كأنهم في ردة إلا من عصمه الله منهم.


يعني في ردة: في بعد عن الحق، وهو يحكي الواقع والزمان الذي عاشه البربهاري رحمه الله، يحكي الزمان الذي عاش فيه، نحن لا نستطيع أن نحيط بالزمان الذي عاش فيه البربهاري، يعني فيه إعراض، فيقول: احذر أهل زمانك، وانظر من تجالس، لا تجالس إلا أهل السُّنَّة، وافرق من أهل البدعة والمصاحب، لأن الصاحب يصحبك ويسحبك إلى الشر والبدعة، فالإنسان يحذر مثل هؤلاء، فإن كم من إنسان وقع في المذاهب الردية بسبب الصاحب، كم من إنسان كان يرجى أن يكون من أهل السُّنَّة وعلى طريقة أهل السُّنَّة وانحرف لأسباب كثيرة يطول المقام في ذكرها، الإنسان دائمًا يحرص على السُّنَّة، هذا دين الله، هذا هو النجاة، هذه هي العصمة، هذه هي الآثار، هذه سُنَّة محمد صلّى الله عليه وسلّم.


وانظر إذا سمعت الرجل يذكر ابن أبي دؤاد وبشر المريسي وثمامة وأبا هذيل أو هشام الفوطي أو أحدًا من أتباعهم وأشياعهم؛ فاحذره فإنه صاحب بدعة، فإن هؤلاء كانوا على الردة، واترك هذا الرجل الذي ذكرهم بخير ومن ذكر منهم بمنزلتهم.


هذا في كل زمان ومكان، فإن السلف رحمهم الله كانت تميز بين الأشخاص، الذي يدعي السُّنَّة وبين الكذاب، كما قال السلف: من أخفى علينا بدعته لم تخف علينا إلفته، من يألف؟ من يجالس؟ قد يُخفي هو البدعة، ترى أهل البدع أهل إخفاء، يخفي البدعة ما يظهرها لأمور إما لأجل الدنيا أو لأجل سيف السلطان أو لأشياء معينة، فإن الإنسان يحذر من هؤلاء، فتعرف إذا ذكرهم أو جالسهم أو ذكرهم بخير، يثني على بشر المريسي أو ابن أبي دؤاد قاضي المعتزلة، بشر المريسي من أعيان الجهمية، وكان معاندًا، كان يقول في سجوده – معاندة لأهل السُّنَّة -: سبحان ربي الأسفل، وثمامة وأبا هذيل إذا أثنى عليهم قال: هؤلاء أذكياء، هؤلاء جهابذة، هؤلاء عندهم فكر! فاحذره واتهمه ولا تجالسه، وهكذا من كان مخفيًا للبدعة ولم تظهر لنا بدعته وجدنا إلفته ومجالسته لهؤلاء أهل البدع ورؤساء أهل البدع والذين هم مغموزين بالبدعة والانحراف؛ فاعلم أنه صاحب بدعة، واحذر هؤلاء، حتى أن أهل الأهواء يدخلون في أهل السُّنَّة ويحاولون أن يفرقوا أهل السُّنَّة، هذا كله يظهر في البدعة، ولهذا يقال: إن الإسماعيلية من حيلهم وألاعيبهم - هذا تراه مشترك بين أهل البدع - أنهم يضعون شخصًا يدخل في مذهب أهل السُّنَّة حتى يبطل مذهب أهل السُّنَّة، ويسمونه الكسار(2)، يدخل ويظهر أنه من أهل السُّنَّة؛ ثم يبدأ يطعن في الآثار ويطعن في الروايات ويشكك الناس، لأن هدفهم تشكيك الناس في السُّنَّة، مثل أهل النفاق، لأنه يا أخوان أهل البدع فيهم من شعب النفاق – مثل أهل النفاق -كما قال الله عنهم: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ(3)، كذلك أهل البدع هم العدو فاحذرهم، لأنهم يخفون بدعهم ولا يظهرونها بحسب الأحوال، هم يريدون إشاعة البدعة وإضلال الناس عن الحق، وأكثر الناس همج رعاع لا يفهمون ولا يعرفون، تغرهم العواطف، يجب على الإنسان سديد وعنده فطنة وحرص وثبات ويميز ويعرف حتى يسلم له دينه.


(1) صحيح. الطبراني في الأوسط (4202) عن أنس بن مالك مرفوعا. صحيح الترغيب والترهيب (54).
(2) أو الكثَّار.
(3) المنافقون: 4.


 مواد ذات صلة: