موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

جَور السلطان والدعاء عليه

واعلم أن جَور السلطان لا ينقص فريضة من فرائض الله التي افترضها على لسان نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، جوره على نفسه وتطوعك وبرّك معه تام لك إن شاء الله، يعني الجماعة والجمعة معهم والجهاد معهم وكل شيء من الطاعات، فشارك فيه فلك نيتك.


سبحان الله، هذا يبيّن - وهذا موجود في الزمان السابق وفي الزمان الحاضر - أن أحكام الله نافذة ولا تتعطل بوجود الجَور من السلطان، ولهذا قال أهل السُّنَّة: والحج والجهاد ماضيان مع كل أمير برّ كان أو فاجر، وأحكام الله والحرام محرم، لأن بعض الناس يقول: إذا وقع الجور من السلطان أو صارت الأثرة للإنسان أن يأخذ من أموال السلاطين! كما يفعل الآن بعض الناس يزين لهم الشيطان الحرام ويقول: إن هذا ظَفَر، هذا انحراف، الفرائض قائمة ولا يبطلها ما حدث من الإمام من الجَور والظلم والأثرة، كما قد ذكر لك البربهاري رحمه الله تعالى قال: وتطوعك وبرك معه تام لك إن شاء الله، لأن أهل السُّنَّة أهل جماعة، وأهل البدعة أهل فرقة، فرْق بين أهل السُّنَّة وأهل البدعة، أهل السُّنَّة أهل جماعة -جمع كلمة، يجمعون الكلمة ويحقنون الدماء-، أعلم الناس بالحق وأرحم الناس بالخلق، آثارهم طيبة على الأفراد والمجتمعات والبلدان والحكام، لا تقوم الدول ولا تُبنى ولا تُعمر الأوطان إلا بمنهج أهل السُّنَّة والجماعة؛ منهج السلف، لهذا الدولة التي تظهر السُّنَّة وتظهر منهج أهل السلف فهي تُبشر بالعمار والازدهار، ومن تتبنى النِّحَل الفاسدة فقل عليها الوبال والدمار، ولهذا الخوارج لا يقيمون دولة، اعرف هذا، دولهم منقطعة ومنتهية لأنها قائمة على البدعة -ليسوا بأهل جماعة- أهل فرقة يستبيحون دماء المسلمين بأدنى شبهة، كما هو معلوم من زمانهم السابق والمعاصر، فلا تغتر بالدعايات والأشياء، (كلما خرج قرن قطعه الله) (1) مقطوعين، لأنهم قائمون على غير السُّنَّة وعلى غير الجماعة، وهم لا يُوثق بعهودهم، ولا يمكن أن تقوم الدولة على منهج الخوارج، مهما فعلوا، مهما أعلنوا إمارة، ومهما ظنوا أنهم كسبوا، بالعكس في الزمن المعاصر الآن الخوارج ومن كان على منهج الخوارج مثل الكلب العقور يستخدمه الأعداء ويطلقونه لأهداف، هكذا معلوم من منهج الخوارج، ولهذا ما أضر الإسلام والمسلمين أكثر من الخوارج، ما عطل الفتوحات إلا الخوارج، ما أفسد بلاد المسلمين في الزمن السابق إلا الخوارج، تاريخهم حافل بهذا، لا يقيمون لا دين ولا دولة.


وإذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى، فإذا رأيت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سُنَّة إن شاء الله؛ لقول فضيل: لو كانت لي دعوة ما جعلتها إلا في السلطان، أنبأنا أحمد بن كامل قال: حدثنا الحسين بن محمد الطبري قال: حدثنا مردويه الصائغ قال: سمعت فضيلًا يقول: لو أن لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا في السلطان، قيل له: يا أبا علي فسّر لنا هذا؟ قال: إذا جعلتها في نفسي لم تعدني، وإذا جعلتها في السلطان صلح فصلح بصلاحه العباد والبلاد، فأُمرنا أن ندعو لهم بالصلاح ولم نؤمر بأن ندعو عليهم وإن جاروا لأن ظلمهم وجورهم على أنفسهم وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين.


مسألة عظيمة يشرق فيها أهل الأهواء، إذا أردت أن تعرف صاحب الهوى فامتحنه عند هذه المسألة، فإنها تظهر على فلتات لسانه وعلى وجنات وجهه بالغضب، لأنه في قلبه هوى ويضمر أشياء، هذا منهج أهل السُّنَّة، الدعاء للسلاطين بالعافية، لا تملقًا ولا نفاقًا ولا طلبًا لدنيا، هذا منهج عندهم، البربهاري (جملة غير واضحة) تأذى من السلطان، مات مختفيًا، تسلطوا عليه، وابن تيمية رحمه الله تعالى مات مسجونًا في سجن القلعة، فما يتغير منهجهم، لأنهم تجردوا من الأهواء، ولهذا بعض الناس يحاول (جملة غير واضحة) بالنصوص الدعاء للسلاطين بصلاحهم وعليه تدل مقاصد الشريعة لأنه يصلحوا، لأن صلاح السلطان به صلاح الرعية، هذا أمر متفق عليه، ويذكره أهل السُّنَّة في عقائدهم، وليس البربهاري وحده، يقول: ولا ندعو عليهم، الدعاء على السلاطين ليس من منهج أهل السُّنَّة، لا ندعو لهم إلا بما فيه النفع المتعدي للمسلمين، لا نبالغ في الدعاء، ندعو لهم بالصلاح والمعافاة، أن الله يعافيهم من المعاصي ومن الذنوب وأن يثبتهم على السُّنَّة وأن يوفقهم للسُّنَّة وأن ينصر بهم الدين، بهذا ندعو لهم، هذا منهج أهل السُّنَّة، ليس بأن يدعو إذا أُعطي أم لم يعط، هذا النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ذمّ من إذا أعطي دعا وإذا منع من الدنيا تحوّل قال: «من بايع الإمام لا يبايعه إلا للدنيا؛ فإن أعطي منها رضي»(2) هؤلاء ليسوا من منهج أهل السُّنَّة، نتكلم على منهج أهل السُّنَّة، ولهذا بيّن لك وعلل لك البربهاري سبب الدعاء للسلطان، وهذا منقول عن أئمة كالفضيل بن عياض وغيره كالإمام أحمد ندعو لهم بالصلاح والمعافاة والهداية والتوفيق والرشاد، كما قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: لولا السلاطين لأكل الناس بعضهم بعضًا؛ ولولا العلماء لكان الناس كالكلاب والبهائم(3) -لا يفهمون-، فلولا وجود السلاطين يأكل الناسُ بعضهم، فلا تؤمن السُّبل إلا بوجود السلطان، فالإنسان يتبصر في الدول التي يحصل فيها اختلال أمن وسقوط السلطان وذهابه يأكل الناس بعضهم بعضًا، لهذا هذا منهج أهل السُّنَّة منهج رحمة وعمار وازدهار كما ذكر لك البربهاري، وبيننا وبين البربهاري ألف سَنَة الآن، وهذا محل اتفاق بين الأئمة.


(1) حسن. ابن ماجه (174) من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا. الصحيحة (2455).
(2) صحيح البخاري (7212).
(3) التبصرة لابن الجوزي (2/ 193).


 مواد ذات صلة: