موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

الكفّ عما شجر بين أصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا، وبعد

هذا المجلس السادس إن شاء الله، وبإذن الواحد الأحد سوف ننتهي من كتاب شرح السُّنَّة للإمام البربهاري، وقد مرّ معنا في هذا الكتاب من المسائل العظيمة والنافعة ما يحتاج في بعض المواضع إلى إطالة، ولكن الإنسان لا شك أنه مرتبط بوقت وبزمان لا بد أن لا يحيد عنه، ولا بد من إنهاء الكتاب كما تعلمون، ولكن الإنسان إذا قرأ هذا الكتاب يحتاج حاجة ماسة أن يطالعه بين الفينة والأخرى، وهكذا كتب السلف رحمهم الله، ولعل الله سبحانه وتعالى إنما حفظ هذا الكتاب مع تطاول الزمان ببركة النية الصالحة لمؤلف هذا الكتاب رحمه الله تعالى ومتابعة ما جاء عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقد وصلنا في المسائل إلى ما يتعلق بالكف عما شجر بين أصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله وبارك على عبد الله ورسوله نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا اللهم علمًا وعملًا يا كريم، واغفر اللهم لنا ولوالدينا ولشيخنا ولوالديه ولمشايخه والحاضرين وجميع المسلمين.

قال البربهاري أجزل الله له المثوبة ورحمه وجمعنا به في جنات النعيم:

والكفّ عن حرب علي ومعاوية وعائشة وطلحة والزبير ومن كان معهم، فلا تخاصم فيهم، وكِلْ أمرَهم إلى الله تبارك وتعالى، فإن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إياكم وذكر أصحابي وأصهاري وأختاني»(1)، وقوله «إن الله تبارك وتعالى نظر إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم؛ فإني قد غفرت لكم»(2).


هذه المسألة أو العنوان أو هذه الفقرة التي كتبها الإمام البربهاري معروفة عند علماء أهل السُّنَّة بعنوان الكفّ عما شجر بين أصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، هذا من أصول أهل السُّنَّة، هذا يدلك على أن ثمّ شيء وقع بين أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإنه بعد مقتل عثمان تفرّق أهل الإسلام إلى طائفتين وانشغل بعضهم ببعض، ووقعت فتنة عظيمة، وكل طائفة ترى أن معها الحق، ولهذا فأهل السُّنَّة بعد ذلك استقرَّ أمرُهم واتفقت أقوالُهم على أن بحث ما كان بين معاوية وعليّ رضي الله عنه ينبغي أن يكون الإنسان فيه على الإجمال والترضي عن الصحابة رضي الله عنهم والتمسك بأصول أهل السُّنَّة في النظر إلى أصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وبحمل أقوالهم وأفعالهم على أحسن المحامل، وعدم الطعن فيهم والترضي عليهم جميعًا، لما سبق من النصوص في الثناء على أصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، لهذا قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ(3)، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا(4) .

قال أهل السُّنَّة: إنك ربما إذا بحثت في هذه المسائل وتعمقت فيها وأصبحت شغلك الشاغل معرفة هذه الأحداث ربما يقع في قلبك شيء من غلٍّ على أصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إما عليّ وإما معاوية، وأنت أيضًا لا تسلم من الإثم، ولذا ينبغي لك أن تقف تجاه هذه القضايا، ولأن الباحث في هذه القضايا لا يكاد يجد شيئًا ثابتًا، كل القضية قضية روايات تاريخية وأحداث رواها الناس، لكن على وجه التفصيل والمعرفة الدقيقة لا يمكن أن تعرف هذا، ثم إن أصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ما فعلوه؛ فعلوه عن اجتهاد، فمن أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ فخطأه مغفور وله أجر واحد، وأهل السُّنَّة يقولون: إن الحق كان مع عليّ لِمَا جاء في حديث النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في حديث عمار في صحيح البخاري «تقتلك الفئة الباغية»(5)، مع ذلك يترضون على معاوية وعلى الزبير وغيره من أصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ويقولون: إنهم فعلوا ذلك عن اجتهاد، وهم فعلوا ذلك عن اجتهاد، ولهذا إذا رأيت من يبحث هذه المسائل ويطرحها بين عوام الناس ويثيرها؛ فاعلم أنه إنما يتوصل بها لشيء آخر، لهذا لا يُحَدَّثُ الناس بمثل هذه القضايا كما يفعل بعض المعاصرين، هذا غلط مخالف لمنهج أهل السُّنَّة، الإنسان يعرف هذا الأصل وأن هذا الأصل مُقتبس من الدليل القرآني الذي ذكرته لك، وما قرَّره البربهاري فهذا الأصل، وأما ما ذكره من الحديث فلا يصح بهذا اللفظ، ولكن جاء في الحديث الآخر الذي هو حسن بالشواهد «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا»(6)، وثمّ أحاديث ثابتة «لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه»(7) إلى غير ذلك من الأحاديث الثابتة التي يرويها أهل السُّنَّة في اعتقادهم.


(1) رواه الطبراني في المعجم الكبير (104/ 6)، وقال الهيثمي رحمه الله في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (9/ 157): (رواه الطبراني، وفيه جماعة لم أعرفهم).
(2) صحيح البخاري (3007).
(3) التوبة: 100.
(4) الحشر: 10.
(5) صحيح البخاري (447) بنحوه.
(6) صحيح. الطبراني في الكبير (198/ 10). الصحيحة (34).
(7) صحيح البخاري (3673).


 مواد ذات صلة: