موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

الحذر في زمان الفتن وأصحاب البدع

كما لو أن عبدًا آمن بجميع ما قال الله تبارك وتعالى إلا أنه شك في حرف فقد ردّ جميع ما قال الله وهو كافر، كما أن شهادة إلا اله إلا الله لا تُقبل من صاحبها إلا بصدق النيّة وخالص اليقين، كذلك لا يقبل الله شيئًا من السُّنَّة في ترك بعض، ومن ترك من السُّنَّة شيئًا فقد ترك السُّنَّة كلها، فعليك بالقبول ودع عنك المَحْكَ واللجاجة، فإنه ليس من دين الله عزّ وجلّ بشيء، وزمانك خاصة زمان سوء.


الآن البربهاري بيننا وبينه ألف سَنَة، يقول: زمانك أو يزيد زمان سوء فاتق الله؛ فما بالك بهذه الأزمان، ولكن لا بد للإنسان من بالصبر والإيمان ولزوم السُّنَّة حتى يلقى الله على هذا، وما ذكره البربهاري رحمه الله تعالى في كتابه مسائل نافعة وأصول عظيمة لمن تفقه فيها.


وإذا وقعت الفتنة فالزم جوف بيتك وفرّ من جوار الفتنة.


يقول: إذا وقعت الفتنة فالزم جوف بيتك، هذا هو منهج أهل السُّنَّة في الفتن، أن الإنسان يكون في الفتن آخر وليس بأول، ولهذا جاء في الحديث «كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل»(1)، وله شواهد، والنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «ستكون فتن»(2) ثم قال: «كونوا أحلاس بيوتكم»(3) يعني الزموا بيوتكم، والحِلس هو الكساء الذي تحت الشداد الذي يوضع على ظهر البعير، وقال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الساعي»(4)، وقال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن الدجال: «من سمع به فلينْأَ عنه»(5)، دائمًا يكون الإنسان بعيدًا عن الفتن، وقال سفيان الثوري -كما ذكرت لك فيما سبق- لما قيل له: إن الناس أكثروا في أمر المهدي؛ فقال لو مرَّ المهدي بباب بيتك فلا تتبعه حتى يجتمع الناس عليه(6)، يعني دائمًا الإنسان يكون في مثل هذه الأمور يستأخر ولا يستعجل، ولهذا لما قُتِل عثمان قال الراوي: وقعت الفتنة؛ فدخل أشياخ من أهل بدر بيوتهم ولم يخرجوا منها إلا إلى المقابر، لهذا حُمِد من حُمِد باعتزال الفتنة والبعد عنها، دائمًا الإنسان يعتزل الفتنة ويبتعد عنها، وهذه وصية من البربهاري رحمه الله تعالى في زمن الفتن.


وإذا وقعت الفتنة فالزم جوفَ بيتك، وفرّ من جِوار الفتنة، وإياك والعصبية.


العصبية لأنه إذا وقعت الفتنة قامت العصبية، التعصب للأوطان أو للقبائل أو غير ذلك لشيوع الفتنة.


وكل ما كان من قتال بين المسلمين على الدنيا فهو فتنة، فاتق الله وحده لا شريك له ولا تخرج فيها.


أغلب قتال الناس على الدنيا، على المغالبة على الدنيا.


ولا تقاتل فيها ولا تَهْوَ ولا تشايع ولا تمايل ولا تحب شيئًا من أمورهم؛ فإنه يقال: من أحب فعال قوم -خيرًا كان أم شرًا- كان كمن عمله، وفقنا الله واياكم لمرضاته وجنبنا وإياكم معصيته.

وأقلَّ النظرَ في النجوم إلا ما تستعينُ به على مواقيت الصّلاة والمهمات وما سوى ذلك فإنه يدعو إلى الزندقة.


لأن الأصل أن الله سبحانه وتعالى خلق النجوم زينة للسماء ورجومًا للشياطين وليهتدي الناس بها في ظلمات البرّ والبحر ذلك، فأنت لا تستخدم هذه النجوم إلا للاهتداء ومعرفة القبلة، وما يتبع ذلك مما أباحه الله عزّ وجلّ كمعرفة أوقات زرع الثمار وما شاكل ذلك، أما الزعم بأن النجوم لها تأثير؛ وأن القمر إذا كان في المنزل الفلاني.

طبعًا البربهاري يتكلم عن عصره، فلا شك أنه شاع في عصره الاهتمام بمثل هذه العلوم والزعم أن لها تأثير كما هو في زماننا الآن ما يسمى بالأبراج.


وإياك والنظر في الكلام والجلوس إلى أصحاب الكلام، وعليك بالآثار وأهل بالآثار وإياهم فاسأل، ومعهم فاجلس، ومنهم فاقتبس.


احذر من أصحاب الكلام وأهل البدع، وعليك بالآثار وأهل الحديث وأهل السُّنَّة الذين يقرؤون كتب أهل السُّنَّة، ويسلكون منهج أهل السُّنَّة، فالزم هؤلاء.


واعلم أنه ما عُبِدَ اللهُ بمثل الخوف من الله وطريق الخوف والحزن والشفقات والحياء من الله تبارك وتعالى، واحذر أن تجلس مع من يدعو إلى الشوق والمحبة ومن يخلو مع النساء وطريق المذهب؛ فإن هؤلاء كلهم على الضلالة.


يقصد المتصوفة هؤلاء، وهو معاصر لهم الذين يفعلون مثل هذه الأمور؛ فإنه من عبد الله بالخوف -كما قال بعض السلف- فهو حروري، ومن عبده بالرجاء فهو مرجئ، ومن عبده بالمحبة تزندق أو هو زنديق، والإنسان يكون بين الخوف والرجاء والمحبة، فالخوف جناح طائر، والرجاء جناح طائر، والمحبة هي رأس الطائر، الإنسان يكون بين هذه الأمور، هذا هو منهج أهل السُّنَّة، وهكذا جاء في الشريعة، مراد المؤلف ما عُبد الله بمثل الخوف يعني بتغليب جانب الخوف، وهذا في حال الصحة كما قدمت لك.


واعلم رحمك الله أن الله تبارك وتعالى دعا الخلق كلهم إلى عبادته ومنّ بعد ذلك على من شاء بالإسلام تفضلًا منه.


هذه عبارة واضحة أن الله تعالى دعا الخلق إلى عبادته، وأنه سبحانه وتعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء فضلًا منه وكرم.


(1) صحيح. أحمد (22499 ). الإرواء (2451).
(2) صحيح البخاري (3601).
(3) صحيح. أبو داود (4262). صحيح وضعيف أبي داود (4262).
(4) صحيح البخاري (3601).
(5) صحيح. أبو داود (4319). صحيح الجامع (6301).
(6) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (7/ 31).


 مواد ذات صلة: