موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

القول على الله بغير علم

واعلم رحمك الله أن من قال في دين الله برأيه وقياسه وتأويله من غير حجة من السُّنَّة والجماعة؛ فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن قال على الله ما لا يعلم فهو من المتكلفين، والحق ما جاء من عند الله، والسُّنَّة سُنَّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والجماعة ما اجتمع عليه أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، ومن اقتصر على سُنَّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وما كان عليه أصحابه والجماعة فَلَجَ على أهل البدع كلها واستراح بدنه وسلّم له دينه إن شاء الله لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ستفترق أمتي» وبيّن لنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الناجيَ منها فقال: «ما كنت أنا اليوم عليه اليوم وأصحابي»(1) فهذا هو الشفاء والبيان والأمر الواضح والمنار المستنير، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إياكم والتعمق، وإياكم والتنطع، وعليكم بدينكم العتيق»(2).


هذه وصية عظيمة مفيدة، يقول: واعلم أنه من قال في دين الله برأيه وقياسه فقد قال على الله ما لا يعلم، ولهذا قد قدمنا لك الكلام في ذم الرأي، ولهذا علي بن أبي طالب يقول: «لو كان الدين بالرأي؛ لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه»(3)، فالدين ليس بالرأي ولا العقل لأن العقول تختلف، وإنما هو بالاتباع والمتابعة لما جاء عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، لا تُعمِل بهذا تقول الأولى كذا، خذ ما جاءك عن الله وعن رسوله صلّى الله عليه وسلّم وضعه فوق رأسك، هذا هو الاتباع، هذا هو منهج أهل السُّنَّة، وما اجتمع عليه أصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ثم أشار إلى خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وهو الدين العتيق، الذي بيّنه البربهاري أن الدين العتيق ما حدث قبل الفتنة، ما كان عليه الناس قبل مقتل عثمان هذا هو الدين العتيق، ما كان عليه الناس قبل مقتل عثمان، هذا هو الدين العتيق «ما أنا عليه اليوم وأصحابي» كما قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فالنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أعطاك ضابطًا فاستمسك به، أن تحرص كل الحرص على لزوم طريقة الصحابة وعلى منهج الصحابة وعلى آثار الصحابة وعلى ما كانون يعملون من أمر الدين، فكل أمر حدث بعد عهد الصحابة تستبصر به وتنظر فيه ولا تتابع فيه، لأنك أنت تتابع ما كان عليه النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فكل شيء يخالف الدليل ويخالف منهج الصحابة وفقه الصحابة فهو مردود، ثم قال: ما كان عليه الجماعة فَلَجَ أهل البدع، واستراح بدنه وسلم دينه، نعم، من كان على السُّنَّة، ولهذا الإمام المجدد رحمه الله محمد بن عبد الوهاب في كشف الشبهات يقول: العامي الموحد يغلب ألف من علماء الضلالة، القائم على الحجة والبرهان، هكذا إذا كنت على السُّنَّة تستطيع أن تحاجّ هؤلاء وتفلجهم وتكسر هؤلاء بالحق الذي معك، لأنك مستمسك، الله عزّ وجلّ يقول: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ(4) بالوحي وأخذت بحبل الله الوثيق واعتصمت بحبل الله سبحانه وتعالى فأنت ناجٍ وأنت قويٌ، تحفظ القرآن، تستدل بالقرآن وبالسُّنَّة، تذكر الناس بمثل هذه الأمور، إذا أردت أن تُبيّن للناس تُبيّن لهم من كلام الله من كلام رسوله من كلام أصحابه رضوان الله عليهم، فعند ذلك تستطيع أن تكسر علماء الضلالة، ولهذا علماء الضلالة وأهل الضلال الذين امتحنوا الناس بخلق القرآن حينما ناظرهم بعض الأئمة فجاءوا يتكلمون في الألفاظ صار السلف يستدلون عليهم بالقرآن والسُّنَّة، فإذا قال كلمة قال: أنا أقول: قال الله؛ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ فلا يستطيعون أن يجيبوا، لأن الإنسان مستظهر بالدليل من كلام الله ومن كلام رسوله صلّى الله عليه وسلّم، ثم قال: وإياكم والتنطع والتعمق في الدين، مذموم، التنطع والتشدد والتعمق والأسئلة التي لا طائل تحتها أن هذا من التعمق المذموم، بُعث النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالحنيفية السمحة ليس فيها تعقيد ولا ضلال ولا تعمق ولا تنطع.


(1) سبق تخريجه.
(2) لم أعثر عليه مرفوعًا، وإنما هو موقوف على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. قال في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ت حسين أسد (2/ 266): (رواه الطبراني في الكبير، وأبو قلابة لم يسمع من ابن مسعود)
(3) صحيح. أبو داود (162). الإرواء (103).
(4) الزخرف: 43.


 مواد ذات صلة: