موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

تَفرّق الأمة

واعلم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة؛ كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة»(1)، قيل: يا رسول الله؛ من هم؟ قال: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي»(2)، وهكذا كان الدين إلى خلافة عمر رضي الله عنه، وهكذا كان في زمن عثمان رضي الله عنه، فلما قُتِل عثمانُ جاء الاختلاف والبدع، وصار الناس أحزابًا، وصاروا فرقًا، فمن الناس من ثبت على الحق عند أول التغيير وقال به ودعا الناس إليه فكان الأمر مستقيمًا حتى كانت الطبقة الرابعة في خلافة بني فلان؛ انقلب الزمان وتغير الناس بالداء، وفشت البدع وكثرت الدعاة إلى غير سبيل الحق والجماعة، ووقعت المِحَنُ في شيء لم يتكلم به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولا أصحابه، ودعوا إلى الفُرْقَة، ونهى رسول الله عن الفرقة، وكفَّر بعضهم بعضًا، وكلٌّ داع إلى رأيه وإلى تكفير من خالفه، فضلَّ الجهالُ والرعاعُ ومن لا عِلْمَ له، وأَطْمَعُوا الناس في شيء من أمر الدنيا، وخوفوهم عقابَ الدنيا؛ فاتبعهم الخلق على خوف في دنياهم ورغبة في دنياهم، فصارت السُّنَّة وأهلها مكتومين، وظهرت البدع وفشت، وكفروا من حيث لا يعلمون من وجوه شتى، ووضعوا القياس، وحملوا قدرة الرب في آياته وأحكامه وأمره ونهيه على عقولهم وآرائهم، فما وافق عقولَهم قبلوه وما لم يوافق عقولَهم ردّوه، وصار الإسلام غريبًا والسُّنَّة غريبةً وأهل السُّنَّة غرباء في جوف ديارهم.


رحم الله البربهاري، في هذه الكلمات العظيمة يلخص ما وقع في الأُمَّة من التغيّر وما أخبر به النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: واعلم أن رسول الله قال: ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، هذا حديث صحيح، إخبار النَّبيّ أن هذه الأُمَّة ستفترق كما افترقت الأمم قبلها، وأن هذه الأُمَّة مصيرها إلى الافتراق إلى ثلاث وسبعين فرقة، وقال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهذه الفرق: كلها في النار، كلها من الفرق الوعيدية إلا واحدة، يعني الناجي واحد من ثلاث وسبعين، ثنتين وسبعين فرقة هالكة، قال: وهذه الفرقة هي السُّنَّة والجماعة، قد قدمنا لك معنى الجماعة الذين اجتمعوا على الأخذ بسُنَّة النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولزموا السُّنَّة ولم يخرجوا عنها، ولهذا قال البربهاري رحمه الله تعالى: قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، فقد أعطى النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ضابطًا تميز فيه، وأن ترجع إلى ما كان عليه السلف رضوان الله عليهم وهم الصحابة، قال: ثم كان هذا الدين إلى خلافة عمر بن الخطاب، الجماعة كلها هكذا زمن عثمان، طبعًا لا شك في ذلك أن في عهد أبي بكر وعمر لكن بدأ التغير يحدث في الأُمَّة بقتل عمر، لأن حذيفة قال -لما سأل عمرُ حذيفةَ: دونك ودونه باب، فقال عمرُ لحذيفة: أيفتح أم يُكسر؟ قال: بل يكسر، قال: إذًا لا يُغلق(3)، وفعلًا مِنْ قَتْلِ عمر رضي الله عنه بدأ التغير شيئًا فشيئًا، ثم حصل التغير الحقيقي بمقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، ولهذا البربهاري رحمه الله تعالى يميل إلى أن الجماعة ما كان قبل عثمان، عثمان وما قبله، بعد عثمان تغيرت الأمور، لهذه الفِرَق تكلم أهل العلم في تعيينها، والصحيح أن القول في تعيين هذا العدد لا طائل تحته، فهي فِرَق كما أخبر النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فإذًا بداية الفتنة ويسمى مقتل عثمان: الفتنة الكبرى، البداية والفتنة الكبرى من مقتل عثمان، والتغير حدث مِنْ قتل عمر ونوع التغير الذي حدث ليس من جهة الدين ولكن من جهة التوسع في الدنيا، كثرت الفتوح، أرغد الناس، كَثُرَ العطاء، الناس إذا كثرت الدنيا يبدأ يتغير الأمر، إذا تغيرت أمورهم من جهة الدنيا وصاروا في بحبوحة من العيش يبدأ عندهم التغير في الدين، ولهذا النَّبيّ كان يقول: «ما الفقر أخشى عليكم، لكن أخشى أن تُبسط لكم الدنيا كما بسطت لمن كان قبلكم؛ فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم»(4)، ولهذا الذي ساهم في مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه هو ابن سبأ، طبعًا قصة مقتل عثمان طويلة جدًا راجعوها في البداية والنهاية، أول ما بدؤوا هو بالكذب على عثمان وتكبير بعض الأمور والنفخ فيها والتزوير في الكتب التي كتبها عثمان وتغيير قلوب الصحابة حتى على عثمان بالكذب والافتراء حتى وقعت الفتنة، وحتى قُتِل عثمانُ رضي الله عنه وهو صابر محتسب صائم وهو يقرأ القرآن، وقَتَلَتُهُ يظنون أنهم على خير وعلى احتساب، حتى أن عثمان بن عفان لما قُتِلَ تُرِك ودُفِن ليلًا في حائط من حوائط الأنصار -بجوار حائط-، وذكر الرواة أنه دفن ليلًا ولم يدفنه إلا أربع نفر، كانوا يحملونه على وجه السرعة لأنهم يخافون من الفتنة ومن إمام الفتنة الذي كان يصلي بالناس، فالواقع الذي عاشه الإنسان ليس كالواقع الذي يُخبرُ عنه، ليس من رأى كمن سمع، كانت فتنة عظيمة، ولهذا دفن في حائط للأنصار، وأخفى من دفنه قبرَه، حتى يقول بعض الرواة -فيما صح من الروايات- كنا نحمل النعش ويخفق رأسه، كانوا يحملونه بسرعة لأنهم يخافون من التمثيل به، لأن الذين قتلوه يمكن أن يُمثَّلوا به، فدفنوه وأخفوا قبره، حتى بعد ذلك عُيَّن قبرُه رضي الله عنه وأدخل البقيع، هذا عثمان بن عفان الذي جهز جيش العسرة وأحد العشرة المبشرين في الجنة، ولكن الفتنة مثل الليل تُظْلِم على الإنسان فلا يرى شيئًا، وما ذكره من التغير بعد مقتل عثمان فإن ابن سيرين وما نقل عن السلف يقولون قبل الفتنة كنا إذا سمعنا من يقول: سمعت رسول الله يقول أرعيناه أسماعنا؛ ولما وقعت الفتنة قلنا: سمّوا لنا رجالكم(5)، لا نأخذ لأنه وقع الكذب والتدليس، ولهذا ابن سيرين يقول: إن هذا العلم دين؛ فانظروا عمن تأخذون دينكم(6)، فحصل التغيير وحصل الكذب على عثمان والافتراء وتزوير الكتب على عثمان أشياء كثيرة جدًا، قال: فلما قُتِل جاء الاختلاف والبدع وصار الناس فِرَقًا، وسوف يتكلم البربهاري عن الموقف في الفتنة، ولهذا كان بعض الصحابة رضوان الله عليهم ممن اعتزل الفتنة وذُكِرَ في بعض الروايات أن بعض أشياخ بدر لمَّا عَلِمُوا قتل عثمان لزموا بيوتهم فلم يخرجوا منها إلا إلى المقابر، أغلق باب بيته ودخل، أعاذنا الله وإياكم من الفتن، ولهذا بعد قتل عثمان اتسع الخرق على الراقع، تفرَّق أهلُ الإسلام، أصبح معاوية وطلحة والزبير من جهة وعلي رضي الله عنه ومن معه من جهة، وحصلت فتنة عظيمة وقعة الجمل وصفّين إلى غير ذلك، قال: وجاء الاختلاف والفرق والبدع وصار الناس فرقًا؛ فمن الناس من ثبت على الحق عند أول التغيير وقال به ودعا الناس إليه فكان الأمر مستقيمًا حتى كانت الطبقة الرابعة في خلافة بني فلان، الظاهر من كلام البربهاري أنه يقصد بني العباس، انقلب الزمان وتغير الناس جدًا وفشت البدع وكثر الدعاء إلى غير سبيل الحق والجماعة، ووقعت المحنة في كل شيء لم يتكلم به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى آخر ما قال رحمه الله تعالى، وامتحان الناس بالقول بخلق القرآن وجلد الإمام أحمد، وقد نهى الله عن الفرقة، وكفَّر بعضُهم بعضًا؛ وكلٌّ داع إلى رأيه وتكفير من خالف، ثم قال: فضلّ الجهال والرعاع ومن لا عِلْمَ له وأطْمَعُوا الناس في شيء من أمر الدنيا، أغراهم بالدنيا، خوفوهم عقاب الدنيا، ويستدل بمحنة القول بخلق القرآن؛ فاتبعهم الخلق على خوف في دينهم ورقة في دنياهم، فصارت السُّنَّة وأهل السُّنَّة مكتومين، وفعلًا ما ثبت في الفتنة إلا عدد قليل على رأسهم الإمام أحمد وشاب صغير -طالب علم صغير- اسمه محمد بن نوح عمره واحد وعشرون سَنَة، ومع ذلك التاريخ له بصمة باقية من وقوفه في وجه هؤلاء، مات رحمه الله، وبعض أهل العلم الذين هم عدد قليل جدًا؛ أحمد بن نصر الخزاعي وغيره من أهل العلم لكن يعدُّون على الأصابع، لكن رأس السُّنَّة في ذاك الوقت الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله؛ أبو عبد الله؛ إمام أهل السُّنَّة رحمه الله تعالى ونضر الله وجهه وأثابه على وقوفه العظيم في وجه هؤلاء، كان هو وحده الجماعة، حاولوا فيه بالترغيب والترهيب ما استطاعوا، ثبت حتى أظهر الله به الدين، أظهر الله به السُّنَّة الإمام أحمد، ولهذا مرَّت المحنة، ثم بعد ذلك زالت في عهد المتوكل، ثم أراد المتوكل أن يصحح الخطأ الذي وقع فيه المأمون والمعتصم والواثق وبدأ يحاول أن يُغدق على الإمام أحمد الأموال، فقال الإمام أحمد: هذه أعظم، فتنة السراء أعظم من التي قبلها، يعني الانفتاح على الدنيا، وكان الإمام أحمد لا يأكل من طعامهم رحمه الله، كان فيه ورع عظيم، هذا الرجل قام لله عزّ وجلّ، لا يريد شيئًا من الدنيا، يريد ما عند الله سبحانه وتعالى، قال: وظهرت البدعة وفشت، كفروا من حيث لا يعلمون، ثم تكلم قال: ووضعوا القياس وحملوا قدرة الرب بآياته، ظهرت البدع وصارت الجهمية والمعتزلة لهم شأن وتولوا القضاء وامتحنوا الناس، صارت فتنة عظيمة لا يمكن للإنسان أن يتصورها لأنه لم يعش هذه الفترة الزمنية، والتاريخ الذي تقرأه ومضات لا تعطيك صورة كاملة، ولكن يذكر لك البربهاري يعطيك الحالة النفسية التي كان عليها أهل السُّنَّة، كان أهل السُّنَّة في غربة، لهذا الإنسان لا تضره الغربة إذا كان ثابتًا على الحق، ولهذا يقول عبد الله بن مسعود: الجماعة ما وافق الحق؛ وإن كنت وحدك(7)، كان أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى هو الجماعة، لهذا طالب العلم يتمسك بالسُّنَّة ويثبت عليها ويحذر من الدنيا، لأن الدنيا والمغالبة عليها والدخول فيها بريد إلى إفساد الدين، قد يكون الإنسان ثابت على السُّنَّة ولكن يدخل في الدنيا فإذا دخل في الدنيا؛ فالدنيا تصرفه عن السُّنَّة، نسأل الله السّلامة والعافية، كما تعرف من حال بعض الناس تجده يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، فلا يحصل لا دنيا ولا آخرة -نسأل الله السّلامة والعافية- ولهذا الدنيا ليست بشيء، ما تستفيد شيء، وكما قال بعض أهل العلم: الدنيا كماء البحر كلما تشرب منها كلما تزداد ظمأً، لكن عليك بالقناعة، عليك بالحلال، عليك بالتقشف، عليك بالصبر حتى تَرِدَ على النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الحوضَ، لكن أكثر الناس إنما يهتم لأجل الدنيا، لأجل المظاهر، لكن أين الذي يهتم لأجل الدين، ويثبت على الدين ويثبت على السُّنَّة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الثابتين عليها، يقول السلف: عليك بالسُّنَّة وإن رفضك الناس، والزهري رحمه الله تعالى يقول: السُّنَّة كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تركها غرق، لأن هناك أناس الآن غَرقى، غرقوا في البدع والضلالات والهوى، والفتن ليس لها حدّ، الفتن لا يمكن أن تحدّها بحدّ، أعاذنا الله وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.


(1) صحيح. ابن ماجه (3993). صحيح الجامع (2042).
(2) حسن. الترمذي (2641). صحيح الجامع (9474).
(3) صحيح البخاري (1435).
(4) صحيح البخاري (3158).
(5) صحيح مسلم (15/1).
(6) صحيح مسلم (14/1).
(7) شرح اعتقاد أهل السنة لللالكائي (121/ 1).


 مواد ذات صلة: