موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

الله عزّ وجلّ هو خالق الأسباب

والإيمان بأن الله تبارك وتعالى يعذب الخلق في النار بالأغلال والأنكال والسلاسل، والنار في أجوافهم وفوقهم وتحتهم، وذلك أن الجهميّة منهم هشام الفوطي، قال: إنما يُعذِّب عند النار؛ ردًا على الله وعلى رسوله.


هذا يتكلم كما قد ذكرت لك البربهاري يذكر لك المسائل التي في عصره فهو مرآة عصره، ولذلك مثّل لك بمسألة عَنْوَنَ بها لأنه تكلم بها من تكلم من المعتزلة، وهذا حق أن الله تعالى يعذب أهل النار فيما أخبر الله عزّ وجلّ كما ذكر الله عزّ وجلّ: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ(1)، وأنهم يفترشون النار، ويلتحفون النار، وما جاء في الأحاديث والسُّنَّة الصحيحة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، هذا حق، ولهذا هذا الفوطي -هشام الفوطي- هذا معتزلي صاحب كلام وجدال، وذُكِرَ في ترجمته أنه صاحب تنطع، والظاهر من كلام البربهاري فيما نقله عنه أنه من جملة مُنْكِرَةِ الأسباب، وأنتم تعرفون أن مُنْكِرَة الأسباب في مسائل القدر هم الذين يقولون: إن الله عزّ وجلّ يفعل عند الشيء لا به، نفاة الأسباب الذين ينفون أن للأسباب تأثيرًا، وهذا يقول به طائفة من الجبرية والأشعرية، هذا قد يكون، والغريب أنه ذكر في ترجمته أنه معتزلي، فلا يستبعد أن يكون هذا الرجل في هذه المسألة على طريقة الجبرية في مسألة الأسباب.

الحاصل أنهم يقولون: إن الله يفعل عند الشيء لا به، فعند الأشعرية ومنهم الجبرية يقولون: إن الله عزّ وجلّ: السكين حينما تقطع؛ الله عزّ وجلّ يخلق القطع عند الملامسة، وإلا ما ثمَّ أن السكين نفسها تقطع، كل ذلك -والعياذ بالله- سبب لدخولهم في مباحث القضاء والقدر على غير طريقة أهل السُّنَّة، لأنهم يزعمون أنهم لو أثبتوا أن السبب له تأثير لأثبتوا مؤثرًا غير الله عزّ وجلّ، وإذا قلنا بأن ثمّ مؤثرٌ غير الله؛ معنى ذلك أن هذا العالم فيه مؤثر غير الله وذلك قدح في الربوبية، كل هذا باطل، فالله عزّ وجلّ هو الذي خلق الأسباب وهو الذي خلق التأثير فيها، وليس في ذلك شيء، وهو القادر على سلب الأسباب والتأثير، فالسكين قاطعة في ذاتها، والله قادر على نزع تأثير القطع، والنار بذاتها محرقة، والله تعالى قادر على نزع خاصية الإحراق، لأن الله عزّ وجلّ هو خالق الأسباب وخالق مسبب الأسباب سبحانه وتعالى، ولا يقع في ملكه سبحانه وتعالى إلا ما يريد.


(1) الحج: 21.


 مواد ذات صلة: