موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

الإسراء والمعراج

والإيمان بأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أسري به إلى السماء، وصار إلى العرش، وسمع كلام الله، ودخل الجنة، واطلع في النار، ورأى الملائكة، وسمع كلام الله عزّ وجلّ، وبشرت به الأنبياء، ورأى سرادقات العرش، والكرسي، وجميع ما في السموات في اليقظة، حمله جبريل على البُراق حتى أزاره في السموات، وفرضت عليه الصلوات الخمس في تلك الليلة ورجع إلى مكة ليلته وذلك قبل الهجرة.


هذه مسائل تتعلق بمسائل الإسراء والمعراج، والبربهاري تجوّز في اللفظ فقال: والإيمان بأن رسول الله أسري به إلى السماء، وهذا من التجوّز في الألفاظ، فالإسراء إنما يطلق على ذهاب النَّبيّ إلى بيت المقدس ليلًا، لأن الإسراء لا يطلق إلا على المشي ليلًا، فيقال: أُسري بالنَّبيّ إلى بيت المقدس وعُرِج به إلى السماء، هذا هو الصحيح من جهة الألفاظ، أنه أُسري به إلى بيت المقدس وعُرِج به إلى السماء، والصحيح أن الإسراء والمعراج إنما كان مرة واحدة، ووقع قبل الهجرة، واختلفوا في تعيين الزمان، الذي يهمك هنا أنه وقع قبل الهجرة، ووقع الإسراء والمعراج بجسده وروحه عليه الصّلاة والسّلام، لأن الله تعالى يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى(1)، والعبد لا يصدق إلا على الاثنين: الروح والجسد، لا يقال للروح عبد ولا يقال للجسد عبد، وإنما يصدق على الروح والجسد، وهذا القول عليه عامة السلف، ومن قال: إن الإسراء والمعراج وقع منامًا فقد غلط واخطأ، ومن نسبه إلى السلف فقد جنى على السلف، لأن السلف رحمهم الله لم يقولوا إن الإسراء والمعراج كان منامًا، وإنما قال بعض السلف أن كالإسراء والمعراج كان بروح النَّبيّ ولم يكن بجسده، وأنه لم يُفقد بجسده، وهذا ليس بصحيح؛ وإن قال به بعض السلف، وإن نُسب إلى بعض أصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فإن قول عامّة السلف والذي تدل عليه الأدلة على أنه وقع بروحه وجسده عليه الصّلاة والسّلام، وهي من معجزات النَّبيّ التي أعجز الله تعالى بها قريش، والمعجز هو العروج به إلى السماء، والإعجاز قد يكون في وقت معجز وقد لا يكون في وقت آخر معجز، الإسراء في وقت قريش كان معجز، الذهاب إلى بيت المقدس في ليلة معجز، لأنهم كانوا يسيرون ثلاثة أشهر، لكن في زماننا هذا الإسراء ليس بمعجز، يختلف بحسب الزمان، لكنه في زمانه معجز، فإنه ليس ثمَّ آلات، والنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أُسري به وعُرِج به على البراق، جاء في مسلم أنها دابة دون البغل وفوق الحمار؛ يرفع خَطْوُه عند أقصى طرفه -عند أقصى نظر له-(2)، هي سريعة هذه الدابة، وما ذكره البربهاري: وكلم ربه وما يتبع ذلك من مسائل صحيح.

وأما قوله دخل الجنة، هذا الظاهر من النصوص أنه رأى الجنة، ولكن هل الرؤية تقتضي الدخول أو لا تقتضي الدخول؟ بعض الروايات فيها التصريح بالدخول  «ثم أُدخلت الجنة فإذا هي حبائل اللؤلؤ»(3) في البخاري، هذه الرواية إذا كانت محفوظة فمعنى ذلك أنه دخل الجنة، وهذا يحتاج تحقيقًا في هذه المسألة، لأن من استدل بأن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم رأى الجنة فالرؤية لا تقتضي الدخول، فقد رأى النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم ليلة المعراج أشياء، رأى سدرة المنتهى، ورأى النار عليه الصّلاة والسّلام، ورأى أشياء كثيرة، ورأى الأنبياء في كل سماء يرى نبيًّا، رأى أرواح الأنبياء في صورة الأجساد إلا نبيًّا من الأنبياء فقد رآه بروحه وجسده هو عيسى بن مريم، وأما ما ذكره البربهاري رحمه الله تعالى وأنه رأى سرادقات الكرسي والعرش؛ هذه يتوقف فيها على الدليل.


(1) الإسراء: 1.
(2) صحيح البخاري (3887)، وصحيح مسلم (162).
(3) صحيح البخاري (3342).


 مواد ذات صلة: