موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

الكلام والجدل والخصومة في القدر خاصة منهي عنه

والكلام والجدل والخصومة في القدر خاصة منهي عنه عند جميع الفرق، لأن القدر سرّ الله، ونهى الرب جلّ اسمُه الأنبياءَ عن الكلام في القدر، ونهى النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم عن الخصومة في القدر، وكرهه أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والتابعون، وكرهه العلماء وأهل الورع، ونهوا عن الجدال في القدر، فعليك بالتسليم والإقرار والإيمان واعتقاد ما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في جملة الأشياء، واسكت عما سوى ذلك.


سبق الكلام عن الخصومة في القدر، والنَّبيّ نهى الصحابة عن الكلام فيه، ونُقل عن عليّ رضي الله عنه أن القدر سرَّ الله تعالى في خلقه فلا تكشفوا سرّه(1) -أو كما ورد عنه-، فلا يمكن للإنسان أن يفهم تفاصيل مسائل القضاء والقدر على الوجه الذي يريد فلا بد في باب القضاء والقدر من التسليم، ولهذا فأنت إذا أردت أن تدخل باب القضاء والقدر -وأنا ذكرت ذلك لكم في اللمعة- فلا بد أن تستمسك بالمحكم وأنت تبحث المسائل، والمحكم ما دلت عليه النصوص في باب القضاء والقدر، وهو أن الله تعالى لا يظلم الناس شيئًا، وأن الله تعالى حَكَمٌ عَدْلٌ، وأن الله تعالى لا يقع في ملكه إلا ما يريد، هذه تستمسك بها، فإذا خُضْتَ في هذه المسائل فسوف تسلم من وسوسة الشيطان في كثير من الأمور، ولكن إذا صرت تزيغ عن هذه المحكمات وقعت في الضلال المبين كما وقع من وقع في ذلك، ولهذا كره السلف الخوض في هذه المسائل والتعمق فيها، وقد يقول القائل لماذا تكلم أهل العلم إذًا في مسألة الاستطاعة؟ نقول: تكلموا في هذه المسائل على وجه الضرورة لا على وجه الابتداء، هناك فرق بين من يتكلم في هذه المسائل على وجه الضرورة وبين من يتكلم على وجه الابتداء، هم لم يبتدؤوا الكلام في التحسين والتقبيح والاستطاعة وما سوف يأتي من مسائل التوفيق والخذلان وما يتبع ذلك من مسائل وغير ذلك، إنما ضرورةً، لأنها بُحثت فلا بد من بيان الحق فيها، لهذا بعض الناس يعيب على ابن تيمية لأنه تكلم في مسائل مثل التسلسل -تسلسل الحوادث- أو غير ذلك، هذا لم يفهم على الحقيقة مراد شيخ الإسلام ومراد الأئمة، شيخ الإسلام ما تكلم في هذه المسائل وما تكلم أهل العلم إلا على وجه الضرورة، لأنه إذا تُكلم في المسألة لا بد من البيان، مثل مسألة القول بأن القرآن مخلوق ورد هذا القول والبيان في ذلك، لم يتكلم الإمام أحمد فيه إلا لما أشهر المعتزلة هذا الأمر، وإلا كان متوقفًا على ما جاء في النصوص، ورد، وبدأوا يستدلون -الأئمة- ويردون الباطل، هذا لا بد أن تفهم هذا في مسائل الاعتقاد حتى لا تجنح، لأن بعض الناس يجنح بزعمه أنه على طريقة السلف فيتقمص شخصية ليست من شخصياته أو ثوبًا ليس من ثوبه فيطعن في الأئمة، هذا -والعياذ بالله- من مداخل الشيطان والتعالم كما نسمع من بعض المعاصرين الذين يكلمون في هذه المسائل.


(1) الأثر أورده ابن أبي العزّ الحنفيّ في شرح الطحاوية (ص225)، وهو في الحلية (181/6) من كلام ابن عمر، وضعفه الشيخ الألباني رحمه الله كما في ضعيف الجامع (8561).


 مواد ذات صلة: