موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

الإيمان بالقضاء والقدر ومراتبه

والرضا بقضاء الله، والصبر على حكم الله، والإيمان بأقدار الله كلها خيرها وشرها وحلوها ومرها.


هذه المسألة هي من مسائل القضاء والقدر، وأنت كما ترى فإن البربهاري فرّق الكلام في مسائل القضاء والقدر، وله عذره في ذلك، فهو يكتب رحمه الله تعالى ما يرى أنه من الاعتقاد والسُّنَّة، وفرّق الكلام فيه لأمر يريده هو في تراكيب الكلام.

فالمسألة الأولى في الرضا بقضاء الله تعالى والصبر على حكم الله سبحانه وتعالى، تحت هذا العنوان مسائل قبل أن نتكلم عن مسألة الرضا بالقضاء والقدر، فأولًا: الرضا بالمقدور هو مستحب أما الصبر على ما قدَّره الله عزّ وجلّ فهو واجب في كلام أهل العلم، والإيمان بالأقدار هنا نتكلم عن منشأ من ضلّ في قدر الله عزّ وجلّ، فإن باب القضاء والقدر ضلّت فيه طائفتان، الطائفة الأولى وهم الجبرية، وهؤلاء الجبرية الذين يزعمون أن العبد مجبور، وأنه كالريشة في مهب الريح، وأنه كالقلم في يد الكاتب، وكالآلة في يد الصانع، لا قدرة له ولا اختيار، وهذا المذهب من أفسد المذاهب، ويتضمن تعطيل الشريعة والأمر والنهي – والعياذ بالله -، وهذا مذهب الجهمية، والجبرية أنواع ليسوا على درجة واحدة، جبرية غلاة وجبرية دون ذلك ما يسمى جبرية متوسطة، فهم ليسوا على درجة واحدة في الجبر، وأما المذهب الثاني فهو مذهب القدرية، وأوائل هؤلاء نشأوا في عهد الصحابة، وأنا ذكرت لكم رأس من رؤوس القدرية، معبد الجهني الذي قُتل، كان معاصرًا لابن عمر وتبرأ عبد الله بن عمر منه ومن قوله كما قد مرّ معنا، هؤلاء القدرية نشأوا في عهد الصحابة والسلف كفروهم، ثم صار مذهب القدرية إلى الإقرار بصفة العلم، وورث مذهبَ القدرية المعتزلةُ، فالمعتزلة قدرية، والروافض المتأخرين على مذهب القدرية، والزيدية قدرية، والإباضية قدرية، هؤلاء القدرية يقولون: إن الله سبحانه وتعالى لم يخلق أفعال العباد، هؤلاء الذين ورد في كلام السلف وفئة من الصحابة أنهم يُسمون بمجوس هذه الأُمَّة، ما وجه تسميتهم بالمجوس؟ لأنهم زعموا أنه ثمَّ خالق غير الله، قالوا: العبد يخلق فعل نفسه وأن الله ما يخلق أفعال العباد، لن نطيل وإنما نذكر إشارات، وقد قدمت لك بذكر هذا الخلاف، ثم نقول منشأ الضلال في القدر هو جهل حكمة الله تعالى في الأشياء، وحِكَمُ الله تعالى في خلقه منها ما هو معلوم ومنها ما هو مجهول، ولهذا ما يظهر لك من حِكَم الله فهو خير، وما جهلت فسَلِّم؛ لأنه لا يثبت الإيمان لك إلا على قدر التسليم، ولهذا يقول ابن تيمية في التائية: "وأصل ضلال الخلق من كل فرقة هو الخوض في فعل الإله بعلة"، لم فعل كذا؟ ما العلة بكذا؟ قال: "فإنهم لم يفهموا حكمة له فصاروا على نوع من الجاهلية" هذا من أسباب الضلال في القدر، كذلك من أسباب الضلال في القدر قياس أفعال الله على أفعال العباد من جهة الظلم والعجز، هم يرون في أفعال العباد ما هو عدل وما هو ظلم؛ فيقيسون أفعال العباد على أفعال الله سبحانه وتعالى ويسوون بين أفعال الله وبين أفعال العباد، وهذا من أسباب الضلال والانحراف، كذلك من أسباب الضلال ابتداع ألفاظ في باب القضاء القدر كلفظ الاستطاعة ولفظ التحسين والتقبيح وغيره ذلك من الألفاظ، وحمل ما جاء في كتاب الله وسُنَّة رسوله على هذه الألفاظ المبتدعة، كذلك من أسباب الضلال في القدر التسوية بين الإرادتين، الإرادة الكونية القدرية والإرادة الدينية الشرعية، وأنتم تعرفون الفرق بين الإرادتين، فالله تعالى قد يريد شيئًا كونًا وقدرًا ولا يرضاه دينًا وشرعًا، والإرادة الكونية كما تعرفون مستلزمة لوقوع المراد، لا بد أن تقع، والإرادة الدينية الشرعية لا تستلزم وقوع المراد، والإرادة الكونية القدرية لا تستلزم المحبة والرضا، فقد يحبها الله تعالى وقد لا يحبها ولا يرضاها، مثل إيمان المؤمن يحبه الله ويرضاه، أما كفر الكافر فلا يحبه الله تعالى ولا يرضاه وقد أراده كونًا وقدرًا، والإرادة الدينية الشرعية تستلزم المحبة والرضا، فلم يفرّقوا بين ما أمر الله تعالى به كونًا وقدرًا وبين ما أمر به دينًا وشرعًا، فالله تعالى قد يأمر بالشيء ويأذن بالشيء كونًا وقدرًا وينهى عنه دينًا وشرعًا، فزنى الزاني وكفر الكافر وسائر المعاصي قد وقعت بالإذن الكوني ولكنها لم يُرِدْهَا الله عزّ وجلّ دينًا وشرعًا بل نهى عنها، لذلك بعث الله الرسل وأنزل الكتب من أجل إقامة الحجة على الخلق، ولهذا من الأمور التي ينبغي أن تعلمها بباب القضاء والقدر أن الإيمان بالقضاء والقدر مترتب على أربع مراتب:

المرتبة الأولى: مرتبة العلم، أن الله سبحانه وتعالى عَلِم ما هو كائن وما لم يكن وما لم يكن لو كان كيف سيكون ، علمه الشامل.

المرتبة الثانية: والكتابة، أن الله قد كتب في اللوح المحفوظ كل شيء.

المرتبة الثالثة: الإرادة الشاملة والمشيئة، فلا يقع في ملكه ما لا يريد، سبحانه وتعالى، قد شاء كل شيء كونًا وقدرًا، سبحانه وتعالى.

المرتبة الرابعة: الخلق والإيجاد، أن الله تعالى سبحانه وتعالى خلق كل شيء، ومما خلقه الله سبحانه وتعالى أفعال العباد، ولهذا لما وقع من المعتزلة القدرية إنكار أفعال العباد صنف إمام من الأئمة الكبار كتاب باسم خلق أفعال العباد وهو البخاري سمّاه خلق أفعال العباد، مصنف عظيم فيه من الآثار والعلم العظيم ما يدفع به بدعة القول أن الله لم يخلق أفعال العباد


والإيمان بما قال الله، قد عَلِمَ الله ما العباد عاملون، والى ما هم صائرون لا يخرجون من علم الله ولا يكون في الأرضين والسموات إلا ما أذن الله تعالى، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطاك، وما أخطاك لم يكن ليصيبك، ولا خالق مع الله عزّ وجلّ.


هذا الرد على المعتزلة القدرية، وأنه الله سبحانه وتعالى خالق أفعال العباد، وأما قول البربهاري أن "ما أصابك" هذا يفيدك في باب القضاء والقدر، ولهذا من أسباب راحة القلوب وطمأنينة القلوب الإيمان بالقضاء والقدر، ولهذا من لم يؤمن بالقضاء والقدر لم يذق حلاوة الإيمان، لا يستقيم له قلب، فالمؤمن مرتاح القلب لأنه يعلم أن ما هو كائن قد كتبه الله عزّ وجلّ.


 مواد ذات صلة: