موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

الإيمان بصفات الله وأسمائه كما جاءت بغير تكييف ولا تمثيل

ثم قال رحمه الله تعالى:

كل ما سمعته من الآثار ما لم يبلغه عقلك نحو قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن عزّ وجلّ»(1)، وقوله «إن الله تبارك وتعالى ينزل إلى سماء الدنيا»(2)، «وينزل يوم عرفة»(3)، «وينزل يوم القيامة»(4)، و«جهنم لا يزال يطرح فيها حتى يضع عليها قدمه»(5) جل ثناؤه، وقول الله تعالى للعبد «إن مشيت إليّ هرولت إليك»(6)، وقوله «إن الله تبارك وتعالى ينزل يوم عرفة»، وقوله «خلق الله آدم على صورته»(7)، وقول النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم «رأيت ربي في أحسن صورة»(8)، وأشباه هذه الأحاديث؛ فعليك بالتسليم والتصديق والتفويض، لا تفسر شيئًا من هذه بهواك، فإن الإيمان بهذا واجب، فمن فسر شيئًا من هذا بهواه أو ردّه هذا فهو جهميّ.


هذا العنوان تحته مسائل مهمة جدًا.

المسألة الأولى: كل هذه الأحاديث التي ذكرها البربهاري تمرُّ كما جاءت بغير كيف ولا تمثيل مع القطع بأن الله سبحانه وتعالى لا مثيل له، لا في ذاته ولا في أسمائه وصفاته، ويؤمن الإنسان بآثار تلك الأخبار، الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم ما أخبرنا بهذه الأسماء والصفات التي يتصف بها إلا ولها آثار، ليست ألفاظًا مجردة عن المعاني -كما يقول المفوضة-، وإنما لها آثار، على سبيل المثال حديث «قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن تعالى»(9) هذا يفيدك الخوف من تقليب الله عزّ وجلّ للقلوب وعظيم قدرة الرب سبحانه وتعالى، لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الله تعالى يقلبها كيف يشاء، أما حديث أن الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا(10) فهذا يفيدك من المعاني والآثار قُربُه سبحانه وتعالى من عباده في ذاك الوقت، وإذا كان سبحانه قريب في ذاك الوقت فلا شك أن رحمته قريبة من خلقه في ذاك الوقت، وإجابته للدعاء أحرى كما ورد في الحديث «فيقول من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فاغفر له»(11)، فهذا يفيدك فائدة عظيمة، كذلك حديث نزول الله تعالى يوم عرفة(12) داخل في هذا السياق، وجهنم لا يزال يطرح فيها حتى يضع عليها قدمه جل ثناؤه(13)، هذا يفيدك - مع إثبات صفة القدم لله تعالى كما أثبتها السلف الصالح رحمهم الله - كذلك يُفيدك في تحقق وعد الله تعالى، والخوف منه سبحانه وتعالى، وأن النار عليه سبحانه وتعالى امتلاؤها، وأنه لا بد لها أن تمتلئ، وأن هذا الامتلاء لا يكون حتى يضع الجبار سبحانه وتعالى قدمه فيها فينزوي بعضها على بعض، فتقول كما في الحديث «قط قط»، وكذلك الحديث الذي بعده حديث الهرولة(14) يفيدك أن الله سبحانه وتعالى أسرع بالخير لعبده من إسراع العبد بالخير، فان العبد إذا أسرع بالخير أسرع الله تعالى له بالخير والإجابة والإثابة، ولهذا هذه الصفات التي ذُكِرت تُثبت لأن الله هو الذي أخبرنا عنها وأخبرنا رسوله صلّى الله عليه وسلّم كما جاءت بلا كيف ولا تمثيل، ولهذا فان السلف رحمهم الله وهم الصحابة حينما حُدِّثُوا بهذه الأحاديث لم يفهموا منها ما يقع في قلوب العباد من أدران التشبيه والتمثيل، بل فهموها على الوجه اللائق، وآمنوا بها، وآمنوا بآثارها التي من أسباب ورودها إخبار الناس بهذه الآثار، أثر الصفة، على سبيل المثال صفة الضحك ما أثر هذه الصفة؟ لها أثر في أهل الإيمان، لهذا النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر فيدخلان الجنة»(15)، الصحابي حينما سمع النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ما سأل النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم الأسئلة التي يسألها المتأخرون على الله سبحانه وتعالى، إذا ضحك بكذا أو هل له شفتين؟ أو هل له لسان؟ تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، بل قال: "أَوَ يضحك ربنا" على سبيل التقرير، فقال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «نعم»، فقال: لن نعدم من رب يضحك خيرًا(16)، فآمن بأثر الصفة، فإذا كان الله سبحانه وتعالى يضحك على الوجه اللائق به؛ فأثر هذه الصفة ما هو؟ الرحمة والخير والكرم والإحسان، فإن الله سبحانه وتعالى له صفات تليق بجلاله وإن لم نستطع أن نصل إليه لأننا بعقولنا لا نستطيع أن نعرف كيفية اتصاف الله عزّ وجلّ بالصفات، ولهذا عائشة رضي الله عنها كانت في حجرة النَّبيّ فجاءت المجادلة - وهي خولة - تشتكي إلى النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ما حدث بينها وبين أوس بن الصامت، قالت عائشة: وأنا في ناحية البيت يخفى عليّ بعض حديثها؛ فأنزل الله تعالى ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ(17)، وأنزل الله فرَجها وبيان الأحكام المتعلقة بذلك، فقالت عائشة: سبحان من وسع سمعُه الأصوات، فهو سميع سمعه ليس كسمع المخلوقين، سمع إحاطة وشمول، لا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى مما يتحرك ويُسمع، فهذا هكذا منهج السلف، ولهذا الله سبحانه وتعالى يوم القيامة يناديهم بصوت كما ورد في الحديث «يسمعه من بَعُدَ كما يسمعهم من قَرُبَ»(18) يستوي به القريب والبعيد، أما أصوات المخلوقين فإن القريب لا يستوي مع البعيد، وهكذا سائر أسماء الله تعالى وما جاء من صفاته سبحانه وتعالى، ينبغي للإنسان أن يؤمن بها على هذا الوجه اللائق، وليس فيما أخبر به الله تعالى أو أخبر به الرسول صلى لله عليه وسلّم شيء من التمثيل، ولا حاجة للتأويل ولا التعسف في ذلك، بل نؤمن بما جاء في كتاب الله وما جاء عن رسول الله على ظاهره ونقطع بنفي المماثلة، ولهذا أخطأ من قال: إن هذه الصفات مجاز، أو قول النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم «أتاني يمشي أتيته هرولة»(19) أن ذلك على وجه المشاكلة! هذا ليس بصحيح، ولهذا في كلام لابن قتيبة لما جاء يتكلم عن حديث الصورة، حديث الصورة «أن الله سبحانه وتعالى خلق آدم على صورته»  وفي رواية: «خلق الله آدم على صورة الرحمن»(20)؛ قال ابن قتيبة رحمه الله تعالى - واستمسك بهذا الكلام؛ فإنك تستفيد منه في مواضع كثيرة: "والذي عندي أن حديث الصورة ليس بأعجب من اليدين والأصابع والعين"، هو يقول مثله لا فرق، كما أخبر الله سبحانه وتعالى أن له يدان كما جاء في حديث الصورة، وإنما وقع الحديث الإلف لتلك لمجيئها في القرآن ووقعت الوحشة من هذه – يعني حديث الصورة - لأنها لم تأتِ في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع ولا نقول بشيء منها بكيفية ولا حدّ، انتهى كلام ابن قتيبة رحمه الله تعالى، ولهذا قول البربهاري رحمه الله تعالى: فعليك بالتسليم والتصديق والتفويض، والتفويض هنا تفويض الكيفية لا تفويض المعنى، لأن التفويض نوعان: تفويض المعنى؛ هذا الذي جاء ذمُّه على لسان السلف، معنى تفويض المعنى أن نؤمن بأن هذه الألفاظ وأن ليس لها معاني، السميع البصير مثل العليم الحكيم، مجرد ألفاظ، هذا هو مذهب المفوضة وهو أشر المذاهب، ومن نسبه إلى مذهب السلف فقد غلط على السلف، وهو جاهل بمذهب السلف، هذا الذي تقول به الأشعرية، والذي تعتقده الأشعرية أنه مذهب السلف، ليس بمذهب للسلف، فالتفويض المراد هنا هو تفويض الكيفية وليس تفويض المعاني، وهو المراد من كلام البربهاري في الظاهر بحمد الله، لأنه تكلم قال: نؤمن بها ولا نفسرها، قال: عليك بالتسليم والتصديق والتفويض – يعني تفويض الكيفية -، ويدلك على أنه أراد ذلك قال: لا تفسر شيئًا من هذه بهواك؛ فإن الإيمان بها واجب؛ فمن فسر شيئًا من هذا بهواه أو ردّه فهو جهمي، طبعًا لفظ البربهاري في قوله جهمي؛ فإن التجهم في اصطلاحات أهل العلم أصحاب الإمام أحمد ومنهم الإمام أحمد قبل ذلك، ثمَّ تجهم عام وثمّ تجهم خاص، فإنهم يطلقون التجهم؛ فهو جهمي؛ قول الجهمية، يريدون به التجهم بالمعنى العام وهو تعطيل الصفات؛ لا أن المراد بذلك أن ذلك القائل على مذهب الجهمية -الفرقة المعروفة المعينة-، حتى يستقيم لك الكلام وتعرف، لأنه ليس كل من قيل له ذلك أنه جهمي؛ أنه يلزم أنه على مذهب الجهمية، بل يراد التجهم بالمعنى العام، هذا من إطلاقات الأئمة وأصحاب الإمام أحمد.


(1) صحيح مسلم (2654).
(2) صحيح البخاري (1145).
(3) حسن. الطبراني في الكبير (12/ 425) من حديث ابن عمر. صحيح الجامع (1359).
(4) صحيح البخاري (4935).
(5) صحيح البخاري (4850).
(6) صحيح البخاري (7405) بنحوه.
(7) صحيح البخاري (6227).
(8) حسن. الترمذي (3234). صحيح وضعيف الترمذي (3234).
(9) سبق تخريجه.
(10) سبق تخريجه.
(11) سبق تخريجه.
(12) سبق تخريجه.
(13) سبق تخريجه.
(14) سبق تخريجه.
(15) صحيح البخاري (2826).
(16) صحيح. ابن ماجه (181). الصحيحة (2810).
(17) المجادلة: 1.
(18) صحيح البخاري (9/ 141) معلقًا.
قال الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة (7/ 757): (وهو حديث صحيح، علقه البخاري في صحيحه، ووصله في أفعال العباد (ص 89)، وفي الأدب المفرد (970) وغيره، وقوّاه الحافظ ابن حجر، وقد خرجته في ظلال الجنة في تخريج السُّنَّة (رقم 514)).

(19) سبق تخريجه.
(20)حديث (إن الله تعالى خلق آدم على صورته) رواه البخاري (6227).
وأما بلفظ (على صورة الرحمن) فقد رواها ابن خزيمة في التوحيد (85/1)، ولكن قال الشيخ الألباني رحمه الله في مختصر صحيح الترمذي (2/ 178): (منكر لا يصحُّ، فيه أربع علل، ولذلك ضعَّفه البخاري وغيره)، وانظر تفصيل الكلام في الضعيفة (1176).


 مواد ذات صلة: