موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

معاملة الناس بالظاهر

والصّلاة عليهم، ولا نشهد لأحد بحقيقة الإيمان حتى يأتي بجميع شرائع الإسلام، فإن قصر في شيء من ذلك كان ناقص الإيمان حتى يتوب، واعلم أن إيمانه إلى الله تعالى تام الإيمان أو ناقص الإيمان إلا ما ظهر لك من تضييع شرائع الإسلام


تحت عنوان وأمّة محمد صلّى الله عليه وسلّم فيهم مؤمنون في أحكامهم؛ قاعدة مهمة، وهي معاملة الناس بالظاهر وهو اعتقاد أهل السُّنَّة، كما قد بيّن لك البربهاري رحمه الله تعالى، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: من أظهر التوحيد والإسلام وجبّ الكف عنه، ولأن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله»(1)، قول النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم «وحسابهم على الله» هو موضع الشاهد والاستدلال، يعني أن نعاملهم بما يُظهرون، ولهذا النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنكر على خالد لما قتل ذلك الرجل قال: «أقتلته؛ وقد قال: لا إله إلا الله»، لهذا قال خالد: إنما قال ذلك متعوذًا(2)، ومع ذلك النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنكر عليه، معاملة الناس بالظاهر هذا هو اعتقاد أهل السُّنَّة، لهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والإيمان الذي عُلّقت به أحكام الدنيا هو الإيمان الظاهر وهو الإسلام، يعني إظهار الشرائع، لأن الإيمان الظاهر هو الذي تجرى عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان في الباطن، لا يستلزم، النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عامل أهل النفاق معاملة أهل الإسلام في جريان الأحكام، والله عزّ وجلّ قال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ(3)، ووصفهم في القرآن ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ(4)، مع ذلك أمر بالحذر منهم ومع ذلك أمر بأن يعاملوا معاملة أهل الإسلام في سائر الأحكام، ولهذا النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أجرى الأحكام العامة عليهم في الموارثة والذبائح والصّلاة عليهم، ولهذا ألفت نظرك أن بعض الناس ربما يخلط في مثل هذه الأمور ويشكك الناس، أو يصيبه شيء من الوسواس فيلبسه لباس الغيرة على التوحيد والدين، وأنا أعني ما أقول، بعض الناس يصير عندهم وسواس في مسائل التوحيد وعنده غيرة فيلبس هذا الوسواس الشيطاني لباس الغيرة على التوحيد والسُّنَّة فيزعم أنه لا يجوز للإنسان أن يأكل من الذبائح إلا ما ذبحه بيده، فانتبه لمثل هذا، لأن هذا يكون وسواس شيطاني ويُلْبَس لباس الغيرة على التوحيد والكلام ثم يدخل التشكيك الناس يعاملون بالظاهر، وعلى هذا فتوى أهل العلم بحمد الله من المتقدمين ومن المتأخرين، الناس يعاملون بالظاهر وجريان الأحكام عليهم إلا ما علمنا أنه مخالف لذلك، أما الوسوسة الشيطانية هذا لا مجال له، وأنا سمعت هذا من بعض الناس – وهم فئة قليلة - يشكك في مثل هذه الأمور، فلا يأكل إلا ما ذبحه بيده، فهذه من الوساوس الشيطانية، ويزعم أن هذا من الورع، وهذا ليس بصحيح، فانتبه لمثل هذه الملاحظ وهذه النقاط المهمة.

مما يجرّنا للكلام في هذه المسألة؛ مسألة الإيمان المطلق ومطلق الإيمان، هذه عبّر بها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الواسطية، يقول شيخ الإسلام عن أهل السُّنَّة: ولا يسلبون الفاسق الملّي اسم الإيمان بالكلية، الفاسق الملّي مصطلح، يعني مرتكب الكبيرة، يسمونه باصطلاح أهل العلم الفاسق الملّي، ولهذا تجد في بعض الكتب النص على هذه المسألة، وهي أول مسألة اختلف فيها أهل القبلة مسألة الفاسق الملّي – مسألة حكم مرتكب الكبيرة - ، قال: ولا يسلبون الفاسق الملّي اسم الإيمان بالكلية ولا يخلدون بالنار، كما تقول المعتزلة والخوارج عن مرتكب الكبيرة أنه خالد مخلد في النار، خروج الخوارج – كلهم خوارج – الخوارج خرجوا عمليًا واعتقاديًا، وهؤلاء خرجوا اعتقاديًا، ومذهبهم حقيقة يحتاج إلى بحث ونظر في أسباب هذا المذهب الخبيث، وهو مذهب المعتزلة لأنه في الحقيقة متناقض، كما تقول المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق، اذًا إيمان الفاسق الملّي لا يدخل في الإيمان المطلق يعني الإيمان الكامل، وإنما يدخل في مطلق الإيمان، يعني في أصل الإيمان وأقل درجات الإيمان، هذا فيما يتعلق بكلام البربهاري في هذه المسألة، ونقف عند هذا الموضع لنكمل إن شاء في المجلس القادم، ونبدأ بقراءة الأسئلة والجواب عليه.


(1) صحيح البخاري (25).
(2) قصة القتل هذه هي في حق أسامة بن زيد كما في صحيح البخاري (4269)، وأما قصة خالد ففيه الاستئذان بالقتل كما في صحيح البخاري أيضًا (4351) رضي الله عنهما.
(3) محمد: 30.
(4) المنافقون: 4.


 مواد ذات صلة: