موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

بيان موقف أهل السُّنَّة في التعامل مع أهل الإيمان

ومن كان من أهل الإسلام فلا تشهد له بعمل خير ولا شر، فإنك لا تدري بما يختم له عند الموت، ترجو له رحمة الله وتخاف عليه ذنوبه، لا تدري ما سبق له عند الموت إلى الله من الندم، وما أحدث الله في ذلك الوقت إذا ما تاب على الإسلام، ترجو له الرحمة وتخاف عليه ذنوبه.


قول البربهاري: ومن كان من أهل الإسلام إلى آخر كلامه، وهذه الفقرة في بيان موقف أهل السُّنَّة في التعامل مع أهل الإيمان ومع أهل الإسلام، فإنهم يرجون للمحسن، ويخافون على المسيء، وهكذا يُعبّرون، نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، وهم وسط بين أهل الأمن وأهل الإياس، وسط أهل السُّنَّة، طبعًا أهل الأمن هم المرجئة وأهل الإياس هم الخوارج، وذلك أن أهل الإيمان منهم الأول هو المحسن، والقسم الثاني مسيء، والقسم الثالث من خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، قد جاء بيان ذلك في النصوص، فالمحسن نرجو له الجنة، والمسيء نخاف عليه من النار، لكن لا نُقَنِّطُه من رحمة الله سبحانه وتعالى، فأهل السُّنَّة يُعْمِلُون نصوصَ الوعد ونصوصَ الوعيد، لأن ثمَّ نصوص وعد بالجنة وثمَّ نصوص وعيد، والله عزّ وجلّ جمع بين الأمرين في النصوص ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(1)، جمع الله بين سرعة العقاب والمغفرة والرحمة، وهم في هذه المسألة وسط بين المرجئة الذين يقولون لا يضر مع الإيمان ذنب؛ وبين الخوارج الذين يكفرون الفاسق الملّي - مرتكب الكبيرة -،يرون أنه كافر، بين الأمرين، المرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب وبين الخوارج، وما كانوا وسطًا إلا لمتابعتهم للنصوص، وسطيتهم جاءت من متابعة النصوص وهذه المسألة تجرّنا إلى بحث مسألة مهمة متعلقة بهذا الباب، هي مسألة الخوف والرجاء، متى يكون المسلم خائفًا أو راجيًا، وهل يُغَلِّب الخوفَ أم يغلب الرجاءَ، بحث أهل العلم في كتب متعددة في السلوك فيما يتعلق بأبواب الزهد في هذه المسألة، ولهذا أهل العلم فيها على أقوال:

القول الأول: تغليب جانب الخوف مطلقًا، يكون الإنسان خائفًا على وجه الإطلاق في حياته، قالوا: هذا أفضل لأنه إذا غَلَّب جانب الخوف حصل له الانتهاء عن المحرمات وفعل الواجبات.

القسم الثاني: تغليب جانب الرجاء، هؤلاء نظروا إلى نصوص الوعد، وقالوا: إن الإنسان إذا غَلَّب جانبَ الرجاء اشتد في فعل الصالحات وطلب الخير -هذا مأخذهم.

القول الثالث: أن يسوي بين الخوف والرجاء، يكون خائفًا وراجيًا بنفس الوقت، لا يغلب جانب على جانب، لأن الخوف والرجاء كجناحي الطائر التي لا بد للطائر حين يطير أن يطير بهما، متوازن بين الأمرين.

القول الرابع: التفصيل، بعض أهل العلم قال: كل بحسبه، قال: الإنسان في وقت يغلب جانب؛ وفي وقت يغلب جانب آخر، فيغلب حال الخوف في حال السلامة والعافية، مادام أنه سليم ومعافى ولا يخاف شيئًا وليس بمريض؛ فيغلب جانب الخوف، لأن العافية في الغالب -إلا من رحم الله عزّ وجلّ- تطغي الإنسان، فإذا غلب جانب الخوف فإنه يرتدع عن كثير من المحرمات، قالوا: والرجاء يُغَلَّب حال المرض وحال قرب الموت، قالوا: لأن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه»(2)، ولأن الله تعالى قال - كما جاء في الحديث القدسي:«أنا عند ظن عبدي بي - إن ظن بي خيرًا فله؛ وإن ظن بي شرًا فله»(3)، قالوا: وهذا هو المنصوص من كلام أصحاب الإمام أحمد، وذكره ابن عبد القوي في منظومته، تغليب جانب الخوف حال الصحة، وأما حال الموت وقرب الاحتضار والمرض - مرض الموت - أنه يُغَلِّبُ جانب الرجاء حتى لا يموت إلا وهو يحسن الظن بربه، لهذا هؤلاء المحتضرين لا بد أن يُحدَّثوا بأحاديث الرجاء، نُقِلَ عن بعض السلف طلبوا أن يُسمعوا أحاديث الرجاء، هذا والله أعلم ما يتعلق بهذه المسألة.


(1) الأعراف: 167.
(2) صحيح مسلم (2877).
(3) صحيح. أحمد (9076). الصحيحة (1663).


 مواد ذات صلة: