موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

قتال الخوارج

وقوله للأنصار «اصبروا حتى تلقوني على الحوض»(1)، وليس من السُّنَّة قتال السلطان؛ فإن فيه فساد الدنيا والدين، ويحل قتال الخوارج إذا عرضوا للمسلمين في أموالهم وأنفسهم وأهليهم، وليس له إذا فارقوه أن يطلبهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يأخذ فيْئَهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يتبع مدبرهم.


طبعًا النصوص التي أوردها البربهاري رحمه الله تعالى ظاهرة، قد تقدم الكلام عليها «اصبروا وإن كان عبدًا حبشيًا»(2) كما قد ذكرنا لكم «اصبروا حتى تلقوني على الحوض»(3)، ثم قال البربهاري رحمه الله تعالى: ويحلُّ قتال الخوارج، هذه مسألة مهمة، قال: إذا عرضوا للمسلمين، ما معنى عرضوا للمسلمين؟ هذه عادة وسُنَّة عند الخوارج معلومة يسمونها التعريض، والتعريض هو عند الخوارج قطع الطريق لأنهم مجرمون وعصابات، الخوارج أهل إجرام، يكفي أنك تعرف أنهم قاتلوا الصحابة، هذا أعظم إجرام، يقطعون الطريق، هذا من عادتهم، كانت معروفة حتى ذكر هذا ابن كثير رحمه الله تعالى في أن الخوارج يعرضون للناس يقطعون الطريق وهذا من عادة الخوارج، كما فعلوا بالسابق – أنهم قطعوا الطريق - في أول خروجهم، عبد الله بن خباب بن الأرت كان له صحبة قتلوه وقتلوا أم ولده وهي حامل، حتى قيل: إنه قُبض وسُئل وحدثهم بحديث الفتنة لعلهم ينتهون، قال: إني سمعت عن أبي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم»(4) إلى آخر الحديث، ومع ذلك قتلوه حتى سال دمه كشراك النعل وحتى بقروا بطن أم ولده الحامل منه، وهذا هو من أسباب أن عليًّا رضي الله عنه بدأ بقتالهم، والغريب في أمرهم أنهم بعدما قتلوا هذا العابد الصالح مروا بحائط - يعني بستان لذميّ يهودي أو نصراني -؛ فتناول أحدهم منه شيء ثمرة فقالوا: ذمّة رسول الله! كيف تأخذ الثمرة بدون إذن! كيف تستحل هذا؟ انقلاب المفاهيم، مستحلين دم الصحابي عبد الله بن خباب وقاتلين زوجته، فإذًا الحاصل أن هذا من عادة الخوارج قطع الطريق، طبعًا ما قرّره البربهاري رحمه الله تعالى واضح إلى أنه يميل هنا إلى عدم تكفير الخوارج، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الأئمة متفقون على ذم الخوارج وعلى تضليلهم؛ وإنما تنازعوا في تكفيرهم، يعني كفر الخوارج فيه نزاع بين الأئمة، أما الذين قالوا بكفرهم– بكفر الخوارج - فاستدلوا بظاهر النصوص، ظاهر النصوص عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم تدل على كفرهم، وأحاديث ذم الخوارج في الصحيحين كما تعرفون، في صحيح مسلم وفي صحيح البخاري، في البخاري ثلاثة وفي مسلم سبعة أحاديث في ذم الخوارج، وأما ظاهر النصوص فيدلك على ذلك قول النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرميّة»(5)، والرميّة يعني المكان الغرض الذي ترميه، فإذا دخل السهم وخرج، ولهذا في بعض الروايات «ثم لا يعودون إليه»(6)، هذا صريح في الظاهر بأنهم لا يعودون إلى الإسلام وأنهم يخرجون، ولأنهم يستحلون ما هو معلوم من الدين بالضرورة، فحرمة دم المسلم معلومة من الدين بالضرورة، واستحلالهم له – يعني اعتقاد أنه حلال - وهذا فعل الخوارج، وأهل العلم يكفرون في مسائل الاستحلال بما هو دون هذه المسألة، ما دون قتل المسلم، أليس كذلك؟ لأن أهل العلم ينصّون على أن مستحل الخمر كافر، لأنه مستحل لأمر معلوم من الدين بالضرورة، ينصّون على ذلك في مسائل، ولهذا ممن قال بتكفير الخوارج ابن العربي المالكي - صاحب العواصم من القواصم وأحكام القرآن -، والسبكي من الشافعية، ابن العربي مالكي، والسبكي شافعي، والقرطبي صاحب كتاب المفهم على صحيح مسلم، وهذا القول رواية عن الإمام مالك وهو قول طائفة من أهل الحديث أنهم كفار، ومن المعاصرين سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، فإنه يرى كفر الخوارج، ومن أهل العلم من لم يقل بكفرهم كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى والنووي رحمه الله تعالى وابن قدامة، وثمّ قول بالتوقف في تكفيرهم، من أهل العلم من يتوقف في تكفيرهم لأجل ما ذكرت لك من جهة النصوص، والحاصل أن البربهاري رحمه الله تعالى إنما قال ما قال: ليس له أن يطلبهم ولا يجهز على جريحهم مراعاة لعدم تكفيرهم، وأما من يرى تكفيرهم فإنه لا يرى مثل هذا.


(1) سبق تخريجه.
(2) سبق تخريجه.
(3) سبق تخريجه.
(4) صحيح البخاري (3601).
(5) صحيح البخاري (3611).
(6) صحيح البخاري (3611).


 مواد ذات صلة: