موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

الحج والغزو مع الإمام ماض، وصلاة الجمعة خلفهم جائزة

قال والحج والغزو مع الإمام ماض، وصلاة الجمعة خلفهم جائزة، ويصلّى بعدها ست ركعات يفصل بين كل ركعتين, هكذا قال أحمد بن حنبل.


قال: الحج والغزو، وهذه المسألة من المسائل الفقهية التي صار القول بها علامة على السُّنَّة وعلامة على السُّنِّي لمخالفة الروافض و الخوارج في هذا الأمر، فتأمل يرعاك الله هاتان عبادتان عظيمتان وهما الحج والجهاد لا صلاح لهما إلا بالإمام, فالحج عبادة يجتمع فيها الخلق، ولا بد فيها من أمير ينْفِرُ الناسُ معه حين ينفر وينزلون معه حين ينزل, ولهذا نص الفقهاء رحمهم الله تعالى على أمير الحج، لهذا الإمام هو الذي تكون الأمور به في الحج، وللإمام أن يُنَوِّب على الحج أميرًا ينطلق الناس معه، هذه سُنَّة والحمد لله قائمة إلى وقتنا هذا، وإذا لم يكن للناس أمير في الحج عند ذلك تكون أمور الناس فوضى لا تتحقق هذه العبادة هذا نص الفقهاء رحمهم الله تعالى، وكذلك الجهاد لا بد أن يكون فيه أمير حتى يتحقق المقصود منه، المقصود من الجهاد ليس هو قتل الكافر فقط، ليس مراد الشريعة بالجهاد قتل الكافر، وإنما المراد بالجهاد إعلاء كلمة الله عزّ وجلّ وإقامة الدين، لا بد للإنسان أن لا يغيب عن ذهنه هذا الأمر، والجهاد لا يكون إلا بالولاية على أي وجه كانت الولاية، سواء كان الوالي برًّا من أهل الطاعة أو من أهل الفجور والمعصية، فإنه يتحقق بالجهاد معه دفع شر عظيم، وهذا وقع من الصحابة رضوان الله عليهم أنهم قاتلوا مع بعض الأئمة الذين ليسوا على وجه الطاعة والبرّ، ربما ينقل عنهم معاصي ربما، ومع ذلك قاتلوا معهم، لأن هذا مصلحة عظيمة، لهذا نص الأئمة رحمهم الله على هذه المسألة بعينها وهي الحج لأن المخالف فيها هم من أهل الأهواء، فإن الخوارج لأنهم لا يرون الجهاد مع الأئمة وكذلك الروافض يخالفون في هذه المسألة؛ فنقول المخالف في هذه المسألة -مسألة جديدة- المخالف في هذه المسألة طائفتان أو فرقتان، الروافض فإنهم لا يرون الحج والجهاد إلا مع الإمام المعصوم الذي ينتظرون خروجه -وهو محمد بن الحسن العسكري- المختفي كما يزعمون في سرداب سامراء، وهم يَدْعُونَ عند ذكره بتعجيل خروجه، الروافض لا يرون الحج والجهاد إلا مع الإمام المعصوم، هذا هو المعلوم من مذهبهم، إلا في العصور المتأخرة حينما خرجت فيهم بدعة ما يسمى بولاية الفقيه -بدعة في مذهبهم طبعًا- ينوب عن الإمام المعصوم في إقامة بعض الشعائر ومنها الجهاد والحج، كذلك الخوارج فهم يرون أن هذه الأعمال -يعني الحج والجهاد- لا تكون إلا تحت الإمام البرّ الصالح، ولهذا هم ينصبون لهم إمام ويجاهدون معه، والحقيقة أن غالب جهاد الخوارج هو جهادهم لأهل القبلة من أهل الإسلام، كما هو معلوم من تاريخ الخوارج، فالنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال عنهم: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان»(1) وسوف يأتي معنا ذكر الخوارج في بعض العناوين التي يعقدها البربهاري رحمه الله تعالى.

المسألة التي بعدها وهي قول البربهاري رحمه الله تعالى: ويصلي صلاة الجمعة خلفهم يعني خلف الأئمة الفجار، أو خلف أئمة الجور، والصلاة خلفهم سُنَّة ماضية دلت عليها السُّنَّة، وإنما نص البربهاري على صلاة الجمعة لأنه في الغالب كان الأئمة يتولّون هذه الصلاة بعدما اتسعت بغداد دون غيرها من الصلوات، أما في السابق فكانوا يتولون الصلاة جميعًا حتى صلاة الفروض، كان السلف يتولون حتى صلاة الفرائض الظهر والعصر، ونص البربهاري عن الجمعة لأنه يتكلم عن عصره، والله أعلم، فإذًا صلاة الجمعة وسائر الصلوات، وهي سُنَّة ماضية دلت عليها السُّنَّة، قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يصلون لكم؛ فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم»(2)، ولهذا جاء عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم «سيكون فيكم أمراء يميتون الصلاة»(3) وهذا حدث في عهد خلفاء بني أمية، فكانت عندهم عادة تأخير الصلاة عن وقتها - نسأل الله العافية والسلامة -،فقيل: يا رسول الله ماذا نصنع؟ قال: «صلوا الصلاة لوقتها ثم صلوا معهم»(4) لأجل أن يراعى عدم المفارقة، ولأن أمثال الصحابة رضوان الله عليهم وأهل الإشارة والاعتبار إذا فُقِدوا دل على شيء، فيصلون معهم نافلة لأن تأخير الصلاة عن وقتها لا يجوز وكبيرة من كبائر الذنوب، وعند بعض أهل العلم أن تأخير الصلاة عن وقتها على وجه التعمد أنه كفر، ومع ذلك النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «صلوا الصلاة لوقتها ثم صلوا معهم»(5)، ولهذا صح عن عبد الله بن مسعود أنه صلّى خلف الوليد بن عقبة وقد صلّى الفجر أربعًا وهو في صحيح مسلم(6)، وعبد الله بن عمر صلّى خلف الحجاج بن يوسف(7) وهو من أظلم أهل عصره، كذلك أنس بن مالك رضي الله عنه صلّى خلف الحجاج، وكان الحجاج أمير الحج في ذاك الوقت، ومع ذلك صلوا خلفهم الصلوات، فإذًا الصلاة خلف أئمة الجَور سُنَّة ماضية وهي تابعة لمسائل الصبر على جورهم.

ثم قال البربهاري رحمه الله تعالى: ويصلي بعدها ست ركعات، هذا من التفريعات للمسائل، فإن الصلاة بعد الجمعة ست ركعات لا يثبت فيها شيء مرفوع عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الست ركعات التي ذكرها البربهاري رحمه الله تعالى.


(1) صحيح البخاري (3344).
(2) صحيح البخاري (694).
(3) صحيح مسلم (648).
(4) صحيح مسلم (648).
(5) سبق تخريجه.
(6) الذي في صحيح مسلم (1707) أن الوليد بن عقبة صلى الصبح ركعتين ثم قال: (أزيدكم؟)، أما رواية الأربع فهي عند أحمد (1230)، ولم أعثر على ذكر لابن مسعود رضي الله عنه في الحديث، وقد أورده ابن أبي العز الحنفي في شرحه كما ذكره الشارح هنا، انظر شرح الطحاوية - ط الأوقاف السعودية (ص 366).
(7) صحيح. مصنف ابن أبي شيبة (13983). الإرواء (525).


 مواد ذات صلة: