موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

أسباب الخروج على الولاة

المسألة التي تليها: أسباب الخروج على الولاة، هذه مسألة مهمة.

الأول من أسباب الخروج: التأويل، ولم يخرج أحد على الإمام إلا وله في خروجه على الإمام تأويل، ولهذا هذا التأويل باب انتُهكت فيه حرمة الشريعة، ولهذا الإنسان لا بد أن يعرف أن التأويل منه ما هو مقبول ومنه ما هو ليس بمقبول، ولهذا دائمًا الذي يخرج يحاول أن يتكأ في خروجه على أشياء شرعية، والشيطان يزين هذا، ولهذا قلت لك: باب الإمامة باب تعظم فيه الفتنة لتعلق النفوس بمنصب الإمامة، وكثير ممن خرج خر ج لأجل الدنيا في الغالب وإن تظاهر بأنه يريد نصرة الدين في الغالب.

الأمر الثاني: أن يرى المرء ما يكرهه في دينه أو دنياه، ويترك الصبر الذي أمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم به، فيكون معتقدًا للخروج أو خارجًا، يكره في دينه مثل ما حصل لمّا امتُحن الناس بالقول بخلق القرآن، هذا مما يكرهه الناس في دينهم، ولهذا الإمام أحمد مع أنه امتحن وجُلِد وسجن وأوذي ما أمر الناس بالخروج، فلما تُكُلِّم في مسألة الخروج قال: سبحان الله، سبحان الله، الدماء، الدماء، فقال بعض جلساء الإمام أحمد: ألسنا في فتنة؟ قال: نعم في فتنة خاصة، ولكن إذا خرج الناس عظُمت الفتنة، هذا من فقه الإمام أحمد رحمه الله تعالى واعتصامه بالنصوص، وقد صدق رحمه الله تعالى، لهذا النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «من رأى من أميره شيئًا يكرهه»(1) وما يكرهه قد يكرهه في الدين وقد يكرهه في الدنيا من الأثرة، قد يستأثر الإمام بالأموال وبأشياء كثيرة من الدنيا، هذا أمر النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالصبر؛ ولمن هم أولى بالإحسان وهم الأنصار، قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنكم سترون بعدي أثرة»(2) يعني استئثار، هذا واقع في الأُمَّة من أزمنة متطاولة، فالأثرة هي دنيا، والنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أخبرنا أن مصير الدنيا إلى الفناء؛ وأن الصبر على هذه الأثرة كما قال أهل العلم فيه تكفير السيئات ورفعة الدرجات وسبب للفلاح في الآخرة، لأن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «اصبروا حتى تلقوني على الحوض»(3)، فالصبر على الأثرة ليس له حد، لهذا بعض الناس يقول: إلى متى نصبر؟ هذا لم يتحقق من معاني النصوص، النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «اصبروا حتى تروني على الحوض» أو حتى تردوني الحوض أو كما قال صلّى الله عليه وسلّم، لهذا السلف رحمهم الله كانوا يُعَبّرون بهذا؛ يقولون: اصبروا حتى يستريح برّ أو يُستراح من فاجر، البرّ يستريح بالموت، كما قال بعض السلف: إني أرى الموت كرامة لكل مسلم، يعني إذا مت استرحت من هذا الجَور، أو يُستراح من فاجر بأن يقبضه ملك الموت؛ فينفس الله عزّ وجلّ عن الأُمَّة من هذا الإمام الظالم والجائر، وإذا تركوا الصبر – والصبر مأمور به - عاقبهم الله بضدّ ذلك في الدنيا والآخرة، لهذا ينبغي على عامة الناس أن يهددوا بالنصوص وأن يُربّوا على قهر الأهواء بمثل هذا الأمر، لأن ما أحد يسلم من الهوى في هذه المسألة إلا من سلّمه الله سبحانه وتعالى، والعصمة لمن عصمه الله عزّ وجلّ وفقهه وعلّمه وكانت الآخرة همّه.


(1) صحيح البخاري (7053).
(2) صحيح البخاري (4330).
(3) صحيح البخاري (4330).


 مواد ذات صلة: