موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

طرق ثبوت الإمامة

المسألة التي تليها مسألة مهمة من المسائل المعاصرة وهي تتجدد بحسب الأزمنة والأمكنة؛ وهي طرق ثبوت الإمامة، مسألة الإمامة مسألة عظيمة، والمخالفة فيها ليست كالمخالفة في غيرها، لأنه يترتب على المخالفة في الإمامة سفك الدماء واستباحة الأموال والأعراض وأشياء كثير جدًا في هذا الأمر، فضبط هذه المسائل مما يتعين على طالب العلم، ولأن الهوى في مسألة الإمامة يعظم لأنها مسألة فارقة، وقلَّ من يعصمه الله عزّ وجلّ من الهوى في هذه المسائل - مسائل الإمامة -، لأنها تأتي بما يخالف أهواء الناس ورغباتهم كما تعرفون، فلهذا طرق ثبوت الإمامة عند أهل السُّنَّة:

الأول: الاختيار والبيعة من أهل الحل والعقد، لاحظ أن أهل العلم قالوا الاختيار من أهل الحل والعقد، هذا يدلك على فساد الأنظمة الديمقراطية التي تُسوي بين رأي العالم وبين رأي من دونه حتى ولو كان ضعيف العقل، يسوي بين رأي الرجل وبين رأي المرأة، هي أنظمة جاهلية لا تمثل توجيهات الإسلام، وإنما هي زبالة أفكار البشر، فإذًا من أهل الحل والعقد، ولهذا مصطلح الحل والعقد يحتاج لبيان، لأنه يحصل الخلط فيه، تجد في عبارات الناس أهل الحل والعقد، فمن هم أهل الحل والعقد؟ أهل الحل والعقد باستقراء كلام أهل العلم والفقهاء هم أهل الشوكة والمكانة والقدرة من العلماء ومن دونهم، علماء الشرع ورؤساء الجند وأهل التجارة - كبار التجار - الذين لهم أثر، هؤلاء هم أهل الحل والعقد، فإذًا يحصل الاختيار والبيعة من أهل الحل والعقد، هذا الطريق الأول.

الطريق الثاني: الاستخلاف، أن يستخلف الإمام مَنْ بعده، وهذا الطريق وقعت به بيعة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإن أبا بكر رضي الله عنه استخلف عمر رضي الله عنه، ويدخل في الاستخلاف ولايةُ العهد من ملوك المسلمين، وهذا وقع من معاوية رضي الله عنه ليزيد، هذا الطريق صحيح، ولهذا لم ينكر الصحابة على أبي بكر رضي الله عنه استخلافه لعمر، وقد اتفقت الأُمَّة على انعقاد الإمامة بالاستخلاف، لهذا قال الخطابي رحمه الله تعالى: الاستخلاف سُنَّة اتفق عليها الملأ من الصحابة، وهو اتفاق الأمة ولم يخالف فيها إلا الخوارج، لأن من أعظم المسائل التي يخالفون فيها الخوارج مسألة الإمامة، فقال: إلا الخوارج والمارقة، يعني: سُنَّة منقولة عن أبي بكر، والنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين من بعدي»(1)، فهي سُنَّة عن أبي بكر رضي الله عنه، لماذا الاستخلاف؟ لأنه من فعل أبي بكر رضي الله عنه، ولأن الاستخلاف يحصل به حقن دماء المسلمين، لأن منصب الإمامة منصب تتشوف له النفوس، فحسم هذا الأمر وقطعه فيه حقن لدماء المسلمين وتحقيق الأمن، ولهذا الاستخلاف الذي حصل من معاوية رضي الله عنه ليزيد بن معاوية؛ الظن بمعاوية رضي الله عنه أنه ما أراد بالمسلمين إلا خيرًا، لا كما يقول بعض المعاصرين من أهل الأهواء أن معاوية ارتكب خطأ ووقع في انحراف عظيم، الحقيقة ما قدمت لك، لأن هؤلاء فيهم من شُعَب الخوارج، ولهم تعلق بمسألة قضية الإمامة ومنصب الإمامة وكما تعرفون، ولا نطيل بهذه القضية ولكن من باب البيان، لأن معاوية في هذا الزمان استطال بعض الناس عليه حتى كتب بعض المعاصرين مؤلفات وتكلموا عليه في هذه القضية ويرددون هذه القضية، ولأجل هذا البيان نقول: إن معاوية رضي الله عنه راعى المصلحة الشرعية، لأن عصبة معاوية هم بنو أمية الذين هم في الشام لن يكون منهم استجابة وسمع وطاعة إلا لمن كان من بني أمية، فأراد رضي الله عنه أن يحقن دماء الأُمَّة باستخلاف يزيد، وهذا الظن به هذا، وسيأتي أن كلام الصحابة وأقوالهم تحمل على أحسن المحامل، وهذا الظن بكاتب الوحي رضي الله عنه، حتى كان بعض السلف يقول: معاوية ستر أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم(2)، فإذا رأيت الرجل يطعن في معاوية فاتهمه، فأفعال الصحابة وأقوال الصحابة تحمل على أحسن المحامل، هذا أصل من أصول السُّنَّة رضي الله عنهم، فأهل السُّنَّة قلوبهم سليمة على أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

نعيد: قال الخطابي: الاستخلاف سُنَّة، اتفق عليها الملأ من الصحابة، وهو اتفاق الأُمَّة لم يخالف فيه إلا الخوارج والمارقة الذين شقّوا العصا وخلعوا ربقة الطاعة، هذا ذكره الخطابي في كتابه العزلة صفحة سبعة وخمسين.

الطريق الثالث: يمكن أن نعدّه طريقًا ثالثًا ويمكن أن ندخله في الطريق الثاني، لكن لا بأس من التقسيم فنقول طريقًا ثالثًا: ثبوت البيعة بتعيين جماعة من الإمام تختار من يخلف الإمام، وهذا وقع من عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»(3)، فمن السُّنَّة قد يكون هذا؛ أن يكون الإمام يولي بضعة نفر؛ فيقول: الأمر فيكم فاختاروا من تروه مناسبًا لمنصب الإمامة، هكذا فعل عمر رضي الله عنه، لذا لا خلاف في ثبوت الإمامة في هذه المسائل.

الطريق الرابع -الذي قلت لك يمكن أن تعدّه ثالثًا ويمكن أن تعدّه رابعًا: ثبوت البيعة والإمامة بالغلبة والقهر، هذه مسألة عظيمة، لهذا بعض الناس لا يفهم هذه المسألة على وجهها؛ فيحاول أن يُشنّع فيها على أهل السُّنَّة، وأهل السُّنَّة أرحم الناس بالخلق، فهذا الثّبوت من أهل السُّنَّة وانعقاد الإمامة به؛ أهل السُّنَّة لاحظوا النصوص التي تُعظم دماء المسلمين وأموالهم، ولهذا قالوا بثبوت الإمامة بالغلبة والقهر، صورة هذه المسألة أنه إذا غلب رجلٌ الأُمَّةَ بسيفه -بالقهر والغلبة- وأذعنوا له واستقر له الأمر وتمّ له التمكين؛ صار المتغلب إمامًا للمسلمين الذين تغلّب عليهم -وإن لم يستجمع شروط الإمامة-، صرّح بذلك الأئمة كأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ونصّ على هذه المسألة بعينها وهو إمام أهل السُّنَّة، ولهذا النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «اسمعوا وأطيعوا؛ وإن تولى عليكم عبد حبشي»(4)، ممن لم يستجمع شروط الإمامة كأن يكون عبد وهو الرقيق المملوك وهذا فاقد لشرط من شروط الإمامة وهي الحرية ومع ذلك النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أمر بالسمع والطاعة، ومما يُمَثِّل له أهل العلم – مسألة الغلبة والقهر - ولاية عبد الملك بن مروان، ولايته واضحة وظاهرة أنه غلب الناس وقهرهم وتولى وصار أميرًا للمؤمنين، وأمر أهل العلم بالسمع والطاعة له.


(1) صحيح. الترمذي (2676). صحيح الجامع (2549).
(2) البداية والنهاية ط إحياء التراث (8/ 148) عن أبي توبة؛ الربيع بن نافع الحلبي.
(3) سبق تخريجه.
(4) صحيح البخاري (7142).


 مواد ذات صلة: