موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

ترتيب الصحابة رضوان الله عليهم في الفضل

وأفضل هذه الأُمَّة والأمم كلها بعد الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، هكذا روي لنا عن ابن عمر رضي الله عنه قال: كنا نقول ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين أظهرنا: إن خير الناس بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبو بكر وعمر وعثمان، ويسمع بذلك النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فلا ينكره(1)، ثم أفضل الناس بعد هؤلاء عليّ وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدةعامر بن الجراح - وكلهم يصلح للخلافة، ثم أفضل الناس بعد هؤلاء أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم القرن الأول الذي بُعث فيهم؛ المهاجرون الأولون والأنصار وهم من صلّوا القبلتين، ثم أفضل الناس بعد هؤلاء من صحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يومًا أو شهرًا أو سَنَة أو أقل من ذلك أو أكثر، نترحم عليهم، ونذكر فضلهم، ونكفّ عن زللهم، ولا نذكر أحدًا منهم إلا بالخير لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا»(2)، وقال سفيان بن عيينة: من نطق في أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بكلمة فهو صاحب هوى.


هذه المسالة محل اتفاق بين أهل السُنَّة، وأن ترتيب الصحابة رضوان الله عليهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، ثم العشرة المبشرين بالجنة، سمّاهم المؤلف هنا، فقال: سعد بن أبي وقاص ثم طلحة ثم الزبير ثم سعيد بن زيد ثم عبد الرحمن بن عوف ثم أبو عبيدة عامر بن الجراح، وإنما سُمّوا بالعشرة المبشرين بالجنة لأنهم بشروا بالجنة في مكان واحد في حديث واحد، والرافضة يكرهون لفظ العشرة لأجل وروده في العشرة المبشرين بالجنة، ولأجل مقتل الحسين في اليوم العاشر من شهر الله المحرم، هذا دليل على سفه عقولهم، فإن العدد لا دخل له في هذه الأمور، والمسألة المتعلقة بأصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يقال: إن حبَّ الصحابة له علامات وأمارات يُعرف بها، العلامة الأولى: قيام المودة لهم في القلب، العلامة الثانية: الثناء عليهم والترضي عليهم عند ذكرهم، الثالثة: أن نحمل أفعالهم على أحسن محمل، وأن نعتذر عما يصدر منهم رضوان الله عنهم، وأن نكفّ عما شجر بينهم، فهو من أصول أهل السُنَّة كما في لمعة الاعتقاد وفي تعابير جمع من أهل العلم، الكف عمّا شجر بين أصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، العلامة الرابعة: الذب عنهم ممن ينتقصهم، وأن تكون قلوبنا سليمة على أصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، كذلك ألسنتنا سليمة فلا نتعرض لأحد من أصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم - صغيرهم وكبيرهم؛ متقدمهم ومتأخرهم -رضي الله عنهم-، أما ترتيبهم في الفضل فكما ذكر المؤلف صحيح، وله تمام، فأفضل الصحابة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليّ، ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، ثم العشرة المبشرين بالجنة، وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الذِّكْر، لأن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كما في حديث العشرة يقول: «ائذن له وبشره بالجنة»(3)، هكذا تواردوا، تواردهم مُراد من الله سبحانه وتعالى ليبيّن منزلتهم في دين الإسلام، ثم المهاجرون الذين أسلموا في مكة، ثم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، ثم الأنصار، ثم أهل بيعة الرضوان، ثم من أسلم قبل الفتح أفضل ممن أسلم بعد الفتح، والمراد بالفتح عند جماعة من أهل العلم المراد به صلح الحديبية.

المسألة الأخيرة التي سوف نختم بها إن شاء الله تعالى ثم نجيب على الأسئلة هي مسألة حكم سبّ الصحابة، فنقول: النقطة الأولى في الموضوع أن سبّ جميع الصحابة هذا كفر بالإجماع.

المسألة الثانية: سبّ أكثر الصحابة على وجه الغيظ والتغيّظ، فأكثر السلف على تكفير من فعل ذلك.

الثالثة: أن يسبّ بعضهم، واحدًا منهم لا على وجه القدح في الدّين ولكن على وجه الذمّ في الدنيا، مثل أن يقول: هذا الصحابي مَالَ إلى السلطة، وهذا الصحابي يحب الدنيا، أو هذا الصحابي نازع على الملك، فهذا لا يكفر ولكن فعله مُحرّم وكبيرة من كبائر الذنوب، ويجب على إمام المسلمين أن يُعَذِّر من يفعل ذلك، هذا فيما يتعلق في هذا المجلس وما تيسر في هذا اليوم، وإن شاء إلى تمام هذا الكتاب في الغد إن طالت بنا الحياة، وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمد.


(1) صحيح. أبو داود (4628). صحيح وضعيف أبي داود (4628).
(2) صحيح. الطبراني في الكبير (198/ 10). الصحيحة (34).
(3) حديث العشرة المبشرين بالجنة رواه الترمذي (3748)، وهو صحيح كما في التعليقات الحسان (6954). وأما حديث (ائذن له وبشره الجنة) فهو حديث ذكر الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم، وهو صحيح، رواه البخاري في صحيحه (3674).


 مواد ذات صلة: