موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

الإيمان بالمسيح الدجال

والإيمان بالمسيح الدجال.


هذه مسألة عظيمة، نذكر لكم فيه بعض الروايات عن وصفه، نقول: هو بشر من خلق الله تعالى، وخروجه يكون بعد خروج المهدي، وفتنته أعظم فتنة على وجه الأرض، أعظم فتنة يمر الناس بها فتنة المسيح الدجال، وسمي مسيح لأن ممسوح العين اليمنى، وسمي بالدجال لأنه كذاب، وما من نبي إلا وحذر أمته منه، انظر كيف فتنته عظيمة لأن الأنبياء يحذرون أتباعهم من فتنة هذا المسيح الدجال لأنها عظيمة، ولهذا النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، - يعني للمحاجّة له - وإن يخرج بعد ذلك؛ فالله خليفتي على كل مسلم»(1) هذا يدلك على شفقة النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على أمته، ولهذا من شفقته أنه بيّن لنا أوصاف هذا المسيح الدجال كأننا نراه، جاء في الروايات أنه أعور عينه اليمنى، وجاء في الوصف الدقيق من النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كأنها عنبة طافئة، العنبة الطافئة يعني التي ذهب ماؤها، يدعي أنه رب العالمين، والله ليس بأعور كما جاء في الحديث، جاء في وصفه أنه أفحج، يعني مشيته معيبة بسبب تباعد ساقيه، وجاء في وصف شعره أنه جعد، يعني شعره ليس بناعم، جفال الشعر يعني شعره كثيف، مكتوب بين عينيه: كافر، في رواية على جبينه، ك ف ر، يقرؤها الكاتب وغير الكاتب، يعني الذي يعرف القراءة والذي لا يعرف، مكان خروجه من جهة المشرق من جهة خراسان، يتبعه سبعون ألفًا من يهود أصبهان، هذا المسيح معه جنة ونار في رواية، وفي رواية معه ماء ونار، له القدرة على إخراج كنوز الأرض، يخرج كنوز الأرض فتتبعه، يأمر السماء أن تمطر فتمطر، يأتي إلى قوم من البادية ممحلين يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ومعه شياطين، يمكث في الأرض أربعين، يوم كسَنَة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع، وسائر أيامه كسائر الأيام، هذا يدلك على أن نواميس الكون عند خروج المسيح الدجال تتغير أول ما يخرج، لأن المعروف أن اليوم أربع وعشرون ساعة، اليوم الذي كسَنَة لاشك أن هناك أمور تحدث وقوانين ونواميس – أي القوانين -، ولهذا الصحابة رضي الله عنهم قالوا: يا رسول الله أرأيت اليوم الذي كسُنَّة -لم يقولوا: كيف؟ كما يفعل المتأخرون، بل سلّموا- قالوا: أرأيت اليوم كسَنَة؛ أتكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ فقال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا، أقدروا له قدره»(2) والعصمة منه بأمور:

أولًا: بالابتعاد عنه، فأصحاب الشره في معرفة الأخبار ومعرفة الأحداث؛ هؤلاء ليخشوا على أنفسهم، بعض الناس أي شيء يسمعه يريد أن يراه، قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من سمع به فلينأ عنه»(3)، وهذا أصل في باب الفتن، البعد عنها، أن تكون آخرًا فيها، تذكرون كلام سفيان الثوري عن المهدي هو منطلق من هذا الأصل.

ثانيًا: الاستعاذة من فتنته، لهذا جمع من أهل العلم يرون الاستعاذة دبر الصلاة واجبة، والنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم علَّمنا أن نستعيذ دبر الصلاة – آخر الصلاة - من فتنة المسيح الدجال(4).

ثالثًا – من أسباب العصمة من فتنة المسيح الدجال: تعلم العقيدة الصحيحة، ما يتعلق بأسماء الله وصفات الله عزّ وجلّ، لأن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إنه بأعور، وإن ربكم ليس بأعور»(5)، لأن من يعرف العقيدة وأسماء الله وصفاته يعرف أنه ليس برب العالمين وأنه كاذب، ويكون عنده البرهان على ذلك، الله عزّ وجلّ ليس بأعور، له عينان تليقان بجلاله سبحانه وتعالى.

من أسباب العصمة كذلك من فتنته قراءة فواتح الكهف عليه حينما يخرج، أو حينما يُسمع به، وأن يحفظها كما جاء في روايات(6).

من أسباب العصمة من فتنته تحذير الناس منه، أن يُحذر الإنسان منه، هذا من أسباب عصمة الناس، ولهذا جاء في روايات «أنه لا يخرج حتى لا يُذكر في الأرض»(7)، وهذا إنما بسبب شيوع الجهل والبعد عن الدين وعن الإيمان، كما قد قدمنا لكم قول عبد الله بن مسعود "فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إليه، أو ما يفتقر إلى ما عنده من العلم"(8) فلو شيء قليل من العلم بالمسيح الدجال يكون عصمة للإنسان من هذه الفتنة العظيمة، سرعته سريع، سرعته كالغيث استدبرته الريح، بلدتان لا يدخلهما المسيح الدجال هما مكة والمدينة، الملائكة تمنعه من دخولهما، وأما هذا الكذاب الدجال فإن الله تعالى يقيم البرهان للناس أنه كذّاب؛ فإنه يقتل ويهلك على يد عيسى ابن مريم عليه الصّلاة والسّلام بباب لد في فلسطين حينما ينزل، هذا إنما يكون من علامات الساعة.


(1) صحيح مسلم (2937).
(2) صحيح مسلم (2937).
(3) صحيح. أبو داود (4319). صحيح الجامع (6301).
(4) صحيح مسلم (588).
(5) صحيح البخاري (3057).
(6) صحيح مسلم (809).
(7) مسند أحمد ط الرسالة (27/ 225) بلفظ (لا يخرج الدجال حتى يذهل الناس عن ذكره، وحتى تترك الأئمةُ ذكرَه على المنابر)، وقال الشيخ الألباني رحمه الله في قصة المسيح الدجال (ص30): (قال الهيثمي في مجمع الزوائد (7/ 335): (رواه عبد الله بن أحمد من رواية بقية عن صفوان بن عمرو، وهي صحيحة كما قال ابن معين، وبقَّةُ رجالهِ ثقات). وعزاه في مكان آخر (7/ 351) لأحمد نفسه فوهم!).
(8) جامع بيان العلم وفضله (1/ 372).


 مواد ذات صلة: