موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

آدم عليه السلام كان في الجنة الباقية المخلوقة

وآدم عليه السلام كان في الجنة الباقية المخلوقة فأُخرِج منها بعدما عصى الله عزّ وجلّ.


هذا العنوان: آدم عليه السّلام كان في الجنة إلى آخر كلام البربهاري، هذا يمكن أن نُمَثِّلَ به للمسائل الفرعية التي لا يُبدّع فيها المخالف، قد قدمت لكم أن المخالف لأصول أهل السُنَّة قد يكون مخالفًا لأصل أو لفرع لأصل، فإذا لم يحصل التفريق بين الأصول وبين الفروع وقع الظلم، حيث يُبدّع من كان من أهل الإيمان بمسائل جزئية، هذا قد وقع من جمع من أهل العلم حتى، في التبديع في المسائل الفرعية، قد حصلت الخصومة، إما لما قد قدمت لك بسبب اللفظ المجمل، أو للمنازعة في فرع لأصل، أو لظنهم أن هذه المسألة من المسائل الأصلية في الاعتقاد، وهي مسألة جزئية لا يُبدّع بها، ذكرنا مسألة قبل ذلك وهي حساب الكفار، وكذلك من المسائل الفرعية رؤية الكفار، وكذلك حتى في الصحابة في زمن الصحابة حدث الخلاف في بعض مسائل جزئية فرعية، وهي هل النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم رأى ربه؟ فلا بد أن تميز بين المسائل الأصلية وبين المسائل الفرعية، كذلك سبق أن قدمنا لك بالمسائل التي يحصل فيها الخلاف بسبب اللفظ المجمل؛ فتُبدع طائفةٌ طائفةً أخرى بسبب أنهم لم يحرروا محل النزاع، وقد ذكرت لك في مسألة حساب الكفار، وسيمر معنا بإذن الله مسألة اللفظ في القرآن، فإنها صنفت فيها مصنفات وبُدِّع فيها الإمام البخاري لأجل اللفظ المجمل، فلهذا لا بد للإنسان أن يتبيّن في مثل هذه المسائل ويعرف أصول المسائل وفرعيات المسائل ويميز حتى لا يقع في الظلم والتعدي كما يقع من فِئام من أهل السُنَّة على بعضهم البعض الظلم.

وآدم عليه السّلام كان في الجنة الباقية، هذا مثال للمسائل الفرعية التي لا يُبدع فيها المخالف، ولهذا ابن القيم رحمه الله تعالى وجماعة من المفسرين ذكروا أن هذه الجنة التي أُهبط منها آدم ليست بجنة الخلد، كما في كتاب ابن القيم الذي أطال فيه في بيان ذلك وهو كتابه مفتاح دار السعادة، فإنه في نحو أربعين صحيفة يبيّن أن الجنة التي أُهبط منها آدم ليست هي جنة الخلد، والصحيح ما ذكره البربهاري رحمه الله تعالى من أن آدم أُهبط من جنة الخلد، لماذا البربهاري عمد إلى ذكر مثل هذه المسألة لأنه يرى أن هذه المسألة المخالفُ فيها من المسائل التي يتعين فيها اعتقادها، وهذا فيما هو ظاهر من النصوص أنها مسالة فرعية، والصحيح ما ذكره البربهاري رحمه الله تعالى، والدليل على أن آدم عليه السّلام أهبط من جنة الخلد أن الله عزّ وجلّ قال: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى(118)وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى(1)، وهذه ليست مناسبة لجنان الأرض، لا تكون إلا لجنة الخُلد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا(2)، هذا دليل ثاني، وهذا يدلك على أن الإهباط كان من جهة عليا.


(1) طه: 118،  119.
(2) طه: 123.


 مواد ذات صلة: