موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

الإيمان بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة

والإيمان بشفاعة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم للمذنبين الخاطئين يوم القيامة، وعلى الصراط، ويخرجهم من جوف جهنم وما من نبيّ إلا وله شفاعة، وكذلك الصديقون والشهداء والصالحون، ولله بعد ذلك تفضلٌ كثير على من يشاء والخروج من النار بعدما احترقوا وصاروا فحمًا.


الإيمان بالشفاعة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم للمذنبين الخاطئين، تحت هذا العنوان مسائل:

المسألة الأولى: شفاعة النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأهل الكبائر، وأهل الكبائر الذين وقعوا في الكبائر من الذنوب، والكبيرة أصح ما ورد فيها أنه ما تُوعّد عليها بلعن أو عذاب أو وعيد في الدنيا أو الآخرة أو حدّ من الحدود، فهذه الكبائر، فشفاعة النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كائنة لأهل الكبائر، وهذه الشفاعة هي التي أنكرها المعتزلة والخوارج وطوائف من أهل البدع، المعتزلة والخوارج أنكروا هذه الشفاعة، وقد جاء فيها الدليل الخاص لقوله صلّى الله عليه وسلّم «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»(1) رواه الترمذي وهو صحيح بشواهده، وفي الصحيح «لكل نبيّ دعوة يدعو بها، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي»(2)، دل على شفاعة النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأهل الكبائر الذين وقعوا في كبائر الذنوب، وهذا يجرّنا إلى مسألة ثانية وهي أنواع شفاعة النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أو هذه الشفاعة في مواضع:

الأول: شفاعته لأمته أو لأهل الكبائر قبل دخول النار، من استوجب دخول النار يشفع النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في أن لا يدخل النار.

 والثاني: بعد دخول النار، فإن الله تعالى يخرج بشفاعة النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فِئامًا من أمته.

والثالث من أنواع الشفاعة: في فِئام من أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم يدخلون الجنة بغير حساب، وهي داخلة في شفاعة النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كما في حديث عُكَّاشة بن محصن «سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب»(3).

النوع الرابع: الشفاعة في أهل الأعراف، في قوم استوت حسناتُهم وسيئاتُهم.

الخامس: في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يشفع لهم، وهو أول من يطرق باب الجنة.

السادس: شفاعته في رفع درجات بعض أهل الجنة، يدلك على هذا أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال في الدعاء لأبي سلمة «وارفع درجته في المهديين»(4)، فدعاؤه مقبول، وهي تدخل في شفاعة النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

النوع السابع من أنواع شفاعات النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: شفاعته في عمه أبي طالب أن يخفف عنه من عذاب النار فيُنعل نعلين من نار أو يكون في ضحضاح من النار كما ورد في الحديث(5)، إذًا شفاعة النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم متنوعة، شفاعته لأهل الكبائر وهي أنواع، وشفاعته صلّى الله عليه وسلّم لأهل الجنة في أن يدخلوا الجنة، وشفاعته في رفع درجات بعض أهل الجنة، وشفاعته في عمه أبي طالب.

ثم قال البربهاري رحمه الله تعالى: وما من نبيّ إلا وله شفاعة، وهذا يُبين لك مسألة: أن الشفاعة ليست خاصة بالنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، بل النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وغير النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يشفع، تشفع الملائكة، ويشفع أهل الإيمان، ويشفع الشهداء، ويشفع الصالحون، كما جاء في الصحيح أن الله تعالى يوم القيامة يقول: «شفعت الملائكة، وشفع النَّبيّون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين، فيأمر الله تعالى بأقوام لم يعملوا خيرًا قط أن يُخرجوا من النار»(6)، هذا من عظيم فضل الله عزّ وجلّ ومن عظيم رحمته تعالى رحمه الله تعالى.

المسألة التي بعدها وهي داخلة في مسائل الشفاعة، الشفاعة لا تنفع عند الله تعالى إلا بوجود شرطين، الأول: إذن الله تعالى للشافع، يقول تعالى: ﴿لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى(7)، وفيه ذكر شرطي الشفاعة، والإذن هنا قد يكون إذن كوني وإذن شرعي، لا بد أن يأذن الله عزّ وجلّ الإذن الكوني والإذن الشرعي حتى تتحقق هذه الشفاعة، لأنه قد يأذن الله عزّ وجلّ إذنًا كونيًا ولا يأذن إذنًا شرعيًّا، يدلك على ذلك أن الله عزّ وجلّ أذن كونًا باستغفار إبراهيم لأبيه ولكنه لم يأذن ذلك شرعًا، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ(8)، فإذًا لا بد من الإذن الكوني والإذن الشرعي، الشرط الثاني: رضا الله عن المشفوع، بأن يكون من أهل الشفاعة - أهل التوحيد - لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى(9)، وقال: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى(10)، فإذا لم يكن من أهل التوحيد فلا تكون هذه الشفاعة.


(1) صحيح. الترمذي (2437). صحيح الجامع (3714).
(2) صحيح مسلم (199).
(3) صحيح البخاري (5705).
(4) صحيح مسلم (920).
(5) صحيح البخاري (3883).
(6) صحيح مسلم (183).
(7) النجم: 26.
(8) التوبة: 114.
(9) الأنبياء: 28.
(10) النجم: 26.


 مواد ذات صلة: